الكتاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان الطبعة: 1403هـ/1983 م عدد الأجزاء: 1   [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ---------- روضة المحبين ونزهة المشتاقين ابن القيم الكتاب: روضة المحبين ونزهة المشتاقين المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان الطبعة: 1403هـ/1983 م عدد الأجزاء: 1   [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مقدمة ... روضةالمحبين ونزهة المشتاقين لابن قيم الجوزية بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر يا كريم الحمد لله الذي جعل المحبة إلى الظفر بالمحبوب سبيلا ونصب طاعته والخضوع له على صدق المحبة دليلا وحرك بها النفوس إلى أنواع الكمالات إيثارا لطلبها وتحصيلا وأودعها العالم العلوي السفلي لإخراج كماله من القوة إلى الفعل إيجادا وإمدادا وقبولا وأثار بها الهمم السامية والعزمات العالية إلى أشرف غاياتها تخصيصا لها وتأهيلا فسبحان من صرف عليها القلوب كما يشاء ولما يشاء بقدرته واستخرج بها ما خلق له كل حي بحكمته وصرفها أنواعا وأقساما بين بريته وفصلها تفصيلا فجعل كل محبوب لمحبه نصيبا مخطئا كان في محبته أو مصيبا وجعله بحبه منعما أو قتيلا فقسمها بين محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب النيران ومحب الصلبان ومحب الأوطان ومحب الإخوان ومحب النسوان ومحب الصبيان ومحب الأثمان ومحب الإيمان ومحب الألحان ومحب القرآن وفضل أهل محبته ومحبة كتابه ورسوله على سائر المحبين تفضيلا فبالمحبة وللمحبة وجدت الأرض والسموات وعليها فطرت المخلوقات ولها تحركت الأفلاك الدائرات وبها وصلت الحركات إلى غاياتها واتصلت بداياتها بنهاياتها وبها ظفرت النفوس بمطالبها وحصلت على نيل مآربها وتخلصت من معاطبها واتخذت إلى ربها سبيلا وكان لها دون غيره مأمولا وسولا وبها نالت الحياة الطيبة وذاقت طعم الإيمان لم رضيت بالله ربا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 3 بالإسلام دينا وبمحمد رسولا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مقر بربوبيته شاهد بوحدانيته منقاد إليه لمحبته مذعن له بطاعته معترف بنعمته فار إليه من ذنبه وخطيئته مؤمل لعفوه ورحمته طامع في مغفرته بريء إليه من حوله وقوته لا يبتغي سواه ربا ولا يتخذ من دونه وليا ولا وكيلا عائذ به ملتج إليه لا يروم عن عبوديته انتقالا ولا تحويلا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده أقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاها وأسمعهم لديه شفاعة وأحبهم إليه وأكرمهم عليه أرسله للإيمان مناديا وإلى الجنة داعيا وإلى صراطه المستقيم هاديا وفي مرضاته ومحابه ساعيا وبكل معروف آمرا وعن كل منكر ناهيا رفع له ذكره وشرح له صدره ووضع عنه وزره وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره وأقسم بحياته في كتابه المبين وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر الله ذكر معه كما في الخطب والتشهد والتأذين فلا يصح لأحد خطبة ولا تشهد ولا أذان حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله ميمون يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذ قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد محبته وطاعته وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فلا مطمع في الفوز بجزيل الثواب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 4 والنجاة من وبيل العقاب إلا لمن كان خلفه من السالكين ولا يؤمن عبد حتى يكون احب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع عباده المؤمنين عليه كما وحد الله وعرف أمته به ودعا إليه صلاة لا تروم عنه انتقالا ولا تحويلا وعلى آله الطيبين وصحبه الطاهرين وسلم تسليما كثيرا أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه جعل هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير والرشاد وشرها أوعاها للغي والفساد وسلط عليها الهوى وامتحنها بمخالفته لتنال بمخالفته جنة الماؤى ويستحق من لا يصلح للجنة بمتابعته نارا تلظى وجعله مركب النفس الأمارة بالسوء وقوتها وغذاها وداء النفس المطمئنة ومخالفته دواها ثم أوجب سبحانه وتعالى على العبد في هذه المدة القصيرة التي هي بالإضافة إلى الآخرة كساعة من نهار أو كبلل ينال الأصبع حين يدخلها في بحر من البحار عصيان النفس الأمارة ومجانبة هواها وردعها عن شهواتها التي في نيلها رداها منعها من الركون إلى لذاتها ومطالبة ما استدعته العيون الطامحة بلحظاتها لتنال نصيبها من كرامته وثوابه موفرا كاملا وتلتذ آجلا بأضعاف ما تركته لله عاجلا وأمرها بالصيام عن محارمه ليكون فطرها عنده يوم لقائه وأخبرها أن معظم نهار الصيام قد ذهب وأن عيد اللقاء قد اقترب فلا يطول عليها الأمد باستبطائه كما قيل فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول الجزء: 1 ¦ الصفحة: 5 هيأها لأمر عظيم وأعدها لخطب جسيم وادخر لها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من النعيم المقيم واقتضت حكمته البالغة أنها لا تصل إليه إلا من طريق المكاره والنصب ولا تعبر إليه إلا على جسر المشقة والتعب فحجبه بالمكروهات صيانة له عن الأنفس الدنيات المؤثرة للرذائل والسفليات وشمرت إليه النفوس العلويات والهمم العليات امتطت في السير إليه ظهور العزمات فسارت في ظهورها إلى أشرف الغايات وركب سروا والليل مرخ رواقه ... على كل مغبر الموارد قائم حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها ... فصار سراهم في ظهور العزائم أرتهم نجوم الليل ما يطلبونه ... على عاتق الشعرى وهام النعائم فأموا حمى لا ينبغي لسواهم ... وما أخذتهم فيه لومة لائم أجابوا منادى الحبيب لما أذن لهم حي على الفلاح وبذلوا نفوسهم في مرضاته بذل المحب بالرضا والسماح وواصلوا السير إليه بالغدو والرواح فحمدوا عند الوصول مسراهم وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح تعبوا قليلا فاستراحوا طويلا وتركوا حقيرا واعتاضوا عظيما وضعوا اللذة العاجلة والعاقبة الحميدة في ميزان العقل فظهر لهم التفاوت فرأوا من أعظم السفه بيع الحياة الطيبة الدائمة في النعيم المقيم بلذة ساعة تذهب شهوتها وتبقى شقوتها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 6 هذا وإن من أيام اللذات لو صفت للعبد من أول عمره إلى آخره لكانت كسحابة صيف تتقشع عن قليل وخيال طيف ما استتم الزيارة حتى آذن بالرحيل قال الله تعالى {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} ومن ظفر بمأموله من ثواب الله فكأنه لم يوتر من دهره بما كان يحاذره ويخشاه وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت من الشعر كأنك لم توتر من الدهر مرة ... إذا أنت أدركت الذي أنت طالبه فصل وهذا ثمرة العقل الذي به عرف الله سبحانه وتعالى وأسماؤه وصفات كماله ونعوت جلاله وبه آمن المؤمنون بكتبه ورسله ولقائه وملائكته وبه عرفت آيات ربوبيته وأدلة وحدانيته ومعجزات رسله وبه امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه وهو الذي تلمح العواقب فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها وقاوم الهوى فرد جيشه مفلولا وساعد الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولا وحث على الفضائل ونهى عن الرذائل وفتق المعاني وأدرك الغوامض وشد أزر العزم فاستوى على سوقه وقوى أزر الحزم حتى حظى من الله بتوفيقه فاستجلب ما يزين ونفى ما يشين فإذا نزل وسلطانه أسر جنود الهوى فحصرها في حبس من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه ونهض بصاحبه إلى منازل الملوك إذا صير الهوى الملك بمنزلة العبد المملوك فهي شجرة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 7 مما يمرنه ويعده للظفر وكذلك هوى الكبر والفخر والخيلاء مأذون فيه بل مستحب في محاربة أعداء الله وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا دجانة سماك بن خرشة الأنصاري يتبختر بين الصفين فقال إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن وقال إن من الخيلاء ما يحبها الله ومنها ما يبغض الله فالتي يحبها اختيال الرجل في الحرب وعند الصدقة وذكر الحديث فما حرم الله على عباده شيئا إلا عوضهم خيرا منه كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام وعوضهم منه دعاء الاستخارة وحرم عليهم الربا وعوضهم منه التجارة الرابحة وحرم عليهم القمار وأعاضهم منه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام وحرم عليهم الحرير وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن وحرم عليهم الزنا واللواط وأعاضهم منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء الحسان وحرم عليهم شرب المسكر وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن وحرم عليهم سماع آلات اللهو من المعازف والمثاني وأعاضهم عنها بسماع القرآن والسبع المثاني وحرم عليهم الخبائث من المطعومات وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات ومن تلمح الجزء: 1 ¦ الصفحة: 8 هذا وتأمله هان عليه ترك الهوى المردي واعتاض عنه بالنافع المجدي وعرف حكمة الله ورحمته وتمام نعمته على عباده فيما أمرهم به ونهاهم عنه وفيما أباحه لهم وأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ولا نهاهم عنه بخلا منه تعالى عليهم بل أمرهم بما أمرهم إحسانا منه ورحمة ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة لهم وحمية فلذلك وضعنا هذا الكتاب وضع عقد الصلح بين الهوى والعقل وإذا تم عقد الصلح بينهما سهل على العبد محاربة النفس والشيطان والله سبحانه المستعان وعليه التكلان فما كان فيه من صواب فمن الله فهو الموفق له والمعين عليه وما كان فيه من خطإ فمني ومن الشيطان والله ورسوله من ذلك بريئان وقد جعلته تسعة وعشرين بابا الباب الأول في أسماء المحبة الباب الثاني في اشتقاق هذه الأسماء ومعانيها الباب الثالث في نسبة هذه الأسماء بعضها إلى بعض الباب الرابع في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها الباب الخامس في دواعي المحبة ومتعلقها الباب السادس في أحكام النظر وغائلته وما يجني على صاحبه الباب السابع في ذكر مناظرة بين القلب والعين الباب الثامن في ذكر الشبه التي احتج بها من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به وأباح عشقه الباب التاسع في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة وما لها وما عليها في هذا الاحتجاج الباب العاشر في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس فيه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 9 الباب الحادي عشر في العشق وهل هو اضطراري خارج عن الاختيار أو أمر اختياري واختلاف الناس في ذلك وذكر الصواب فيه الباب الثاني عشر في سكرة العشاق الباب الثالث عشر في أن اللذة تابعة للمحبة في الكمال والنقصان الباب الرابع عشر فيمن مدح العشق وتمناه وغبط صاحبه على ما أوتيه من مناه الباب الخامس عشر فيمن ذم العشق وتبرم به وما احتج به كل فريق على صحة مذهبه الباب السادس عشر في الحكم بين الفريقين وفصل النزاع بين الطائفتين الباب السابع عشر في استحباب تخير الصور الجميلة للوصال الذي يحبه الله ورسوله الباب الثامن عشر في أن دواء المحبين في كمال الوصال الذي أباحه رب العالمين الباب التاسع عشر في ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كل حال الباب العشرون في علامات المحبة وشواهدها الباب الحادي والعشرون في اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالمحب وعدم التشريك بينه وبين غيره فيه الباب الثاني والعشرون في غيرة المحبين على أحبابهم الباب الثالث والعشرون في عفاف المحبين مع أحبابهم الباب الرابع والعشرون في ارتكاب سبل الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام الجزء: 1 ¦ الصفحة: 10 عرقها الفكر في العواقب وساقها الصبر وأغصانها العلم وورقها حسن الخلق وثمرها الحكمة ومادتها توفيق من أزمة الأمور بيديه وابتداؤها منه وانتهاؤها إليه وإذا كان هذا وصفه فقبيح أن يدال عليه عدوه فيعزله عن مملكته ويحطه عن رتبته ويستنزله عن درجته فيصبح أسيرا بعد أن كان أميرا ومحكوما بعد أن كان حاكما وتابعا بعد أن كان متبوعا ومن صبر على حكمه أرنعه في رياض الأماني والمنى ومن خرج عن حكمه أورده حياض الهلاك والردى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا لكنهم عقلوا عن الله مواعظه فوجلت منه قلوبهم واطمأنت إليه نفوسهم وخشعت له جوارحهم ففاقوا الناس بطيب المنزلة وعلو الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ولكنه الذي يعرف خير الشرين وقالت عائشة رضي الله عنها قد أفلح من جعل الله له عقلا وقال ابن عباس رضي الله عنهما ولد لكسرى مولود فأحضر بعض المؤدبين ووضع الصبى بين يديه وقال ما خير ما أوتي هذا المولود قال عقل يولد معه قال فإن لم يكن قال فأدب حسن يعيش به في الناس قال فإن لم يكن قال فصاعقة تحرقه وقال بعض أهل العلم لما أهبط الله تبارك وتعالى آدم إلى الأرض أتاه جبريل عليه السلام بثلاثة أشياء الدين والخلق والعقل فقال إن الله يخيرك بين هذه الثلاثة فقال يا جبريل ما رأيت أحسن من هؤلاء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 11 الجنة ومد يده إلى العقل فضمه إلى نفسه فقال للآخرين اصعدا فقالا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان فصارت الثلاثة إلى آدم عليه السلام وهذه الثلاثة أعظم كرامة أكرم الله بها عبده وأجل عطية أعطاه إياها وجعل لها ثلاثة أعداء الهوى والشيطان والنفس الأمارة والحرب بينهما دول وسجال {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وقال وهب بن منبه قرأت في بعض ما أنزل الله تعالى إن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل وإنه ليسوق مائة جاهل فيستجرهم حتى يركب رقابهم فينقادون له حيث شاء ويكابد المؤمن العاقل فيصعب عليه حتى ينال منه شيئا من حاجته قال وإزالة الجبل صخرة صخرة أهون على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل فإذا لم يقدر عليه تحول إلى الجاهل فيستأسره ويتمكن من قياده حتى يسلمه إلى الفضائح التي يتعجل بها في الدنيا الجلد والرجم والقطع والصلب والفضيحة وفي الآخرة العار والنار والشنار وإن الرجلين ليستويان في البر ويكون بينهما في الفضل كما بين المشرق والمغرب بالعقل وما عبد الله بشيء أفضل من العقل وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه لو أن العاقل أصبح وأمسى وله ذنوب بعدد الرمل كان وشيكا بالنجاة والتخلص منها ولو أن الجاهل أصبح وأمسى وله من الحسنات وأعمال البر عدد الرمل لكان وشيكا أن لا يسلم له منها مثقال ذرة قيل وكيف ذلك قال إن العاقل إذا زل تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي رزقه والجاهل بمنزله الذي يبني ويهدم فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله وقال الحسن لا يتم دين الرجل حتى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 12 يتم عقله وما أودع الله امرأ عقلا إلا استنقذه به يوما وقال بعض الحكماء من لم يكن عقله أغلب الأشياء عليه كان حتفه وهلاكه في أحب الأشياء إليه وقال يوسف بن أسباط العقل سراج ما بطن وزينة ما ظهر وسائس الجسد وملاك أمر العبد ولا تصلح الحياة إلا به ولا تدور الأمور إلا عليه وقيل لعبد الله بن المبارك ما أفضل ما أعطي الرجل بعد الإسلام قال غريزة عقل قيل فإن لم يكن قال أدب حسن قيل فإن لم يكن قال أخ صالح يستشيره قيل فإن لم يكن قال صمت طويل قيل فإن لم يكن قال موت عاجل وفي ذلك قيل ما وهب الله لامرئ هبة ... أحسن من عقله ومن أدبه هما جمال الفتى فإن فقدا ... ففقده للحياة أجمل به فصل وإذا كانت الدولة للعقل سالمه الهوى وكان من خدمه وأتباعه كما أن الدولة إذا كانت للهوى صار العقل أسيرا في يديه محكوما عليه ولما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حيا فإن هواه لازم له كان له الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة مثاله أن الله سبحانه وتعالى لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة بل أمره بصرف ذلك الهوى إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع ومن الإماء ما شاء فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل وكانت الريح دبورا فاستحالت صبا وكذلك هو الظفر والغلبة والقهر لم يأمر بالخروج عنه بل أمر بصرفه إلى الظفر والقهر والغلبة للباطل وحزبه وشرع له من أنواع المغالبات بالسباق وغيره الجزء: 1 ¦ الصفحة: 13 الباب الخامس والعشرون في رحمة المحبين والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين الباب السادس والعشرون في ترك المحبين أدنى المحبوبين رغبة في أعلاهما الباب السابع والعشرون فيمن ترك محبوبه حراما فبذل له حلالا أو أعاضه الله خيرا منه الباب الثامن والعشرون فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام الباب التاسع والعشرون في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المني وسميته روضة المحبين ونزهة المشتاقين والمرغوب إلى من يقف على هذا الكتاب أن يعذر صاحبه فإنه علقه في حال بعده عن وطنه وغيبته عن كتبه فما عسى أن يبلغ خاطره المكدود وسعيه المجهود مع بضاعته المزجاة التي حقيق بحاملها أن يقال فيه تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وها هو قد نصب نفسه هدفا لسهام الراشقين وغرضا لأسنة الطاعنين فلقاريه غنمه وعلى مؤلفه غرمه وهذه بضاعته تعرض عليك وموليته تهدى إليك فإن صادفت كفؤا كريما لها لن تعدم منه إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان وإن صادفت غيره فالله تعالى المستعان وعليه التكلان وقد رضي من مهرها بدعوة خالصة إن وافقت قبولا واستحسانا وبرد جميل إن كان حظها احتقارا واستهجانا والمنصف يهب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 14 خطأ المخطىء لإصابته وسيئاته لحسناته فهذه سنة الله في عباده جزاء وثوابا ومن ذا الذي يكون قوله كله سديدا وعمله كله صوابا وهل ذلك إلا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ونطقه وحي يوحى فما صح عنه فهو نقل مصدق عن قائل معصوم وما جاء عن غيره فثبوت الأمرين فيه معدوم فإن صح النقل لم يكن القائل معصوما وإن لم يصح لم يكن وصوله إليه معلوما فصل وهذا الكتاب يصلح لسائر طبقات الناس فإنه يصلح عونا على الدين وعلى الدنيا ومرقاة للذة العاجلة ولذة العقبى وفيه من ذكر أقسام المحبة وأحكامها ومتعلقاتها وصحيحها وفاسدها وآفاتها وغوائلها وأسبابها وموانعها وما يناسب ذلك من نكت تفسيرية وأحاديث نبوية ومسائل فقهية وآثار سلفية وشواهد شعرية ووقائع كونية ما يكون ممتعا لقاريه مروحا للناظر فيه فإن شاء أوسعه جدا وأعطاه ترغيبا وترهيبا وإن شاء أخذ من هزله وملحه نصيبا فتارة يضحكه وتارة يبكيه وطورا يبعده من أسباب اللذة الفانية وطورا يرغبه فيها ويدنيه فإن شئت وجدته واعظا ناصحا وإن شئت وجدته بنصيبك من اللذة والشهوة ووصل الحبيب مسامحا وهذا حين الشروع في الأبواب والله سبحانه الفاتح من الخير كل باب وهو المسؤول سبحانه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم مدنيا من رضاه والفوز بجنات النعيم والله متولي سريرة العبد وكسبه وهو سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} الجزء: 1 ¦ الصفحة: 15 الباب الأول: في أسماء المحبة لما كان الفهم لهذا المسمى أشد وهو بقلوبهم أعلق كانت أسماؤه لديهم أكثر وهذا عادتهم في كل ما اشتد الفهم له أو كثر خطوره على قلوبهم تعظيما له أو اهتماما به أو محبة له فالأول كالأسد والسيف والثاني كالداهية والثالث كالخمر وقد اجتمعت هذه المعاني الثلاثة في الحب فوضعوا له قريبا من ستين اسما وهي المحبة والعلاقة والهوى والصبوة والصبابة والشغف والمقة والوجد والكلف والتتيم والعشق والجوى والدنف والشجو والشوق والخلابة والبلابل والتباريح والسدم والغمرات والوهل والشجن واللاعج والاكتئاب والوصب والحزن والكمد واللذع والحرق والسهد والأرق واللهف والحنين والاستكانة والتبالة واللوعة والفتون والجنون واللمم والخبل والرسيس والداء المخامر والود والخلة والخلم والغرام والهيام والتدليه والوله والتعبد وقد ذكر له أسماء غير هذه وليست من أسمائه وإنما هي من موجباته وأحكامه فتركنا ذكرها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 16 الباب الثاني: في اشتغال هذه الأسماء ومعانيها ... لباب الثاني: في اشتقاق هذه الأسماء ومعانيها فأما المحبة فقيل أصلها الصفاء لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان وقيل مأخوذة من الحباب وهو ما يعلو الماء عند المطر الشديد فعلى هذا المحبة غليان القلب وثورانه عند الاهتياج إلى لقاء المحبوب وقيل مشتقة من اللزوم والثبات ومنه أحب البعير إذا برك فلم يقم قال الشاعر حلت عليه بالفلاة ضربا ... ضرب بعير السوء إذ أحبا فكأن المحب قد لزم قلبه محبوبه فلم يرم عنه انتقالا وقيل بل هي مأخوذة من القلق والاضطراب ومنه سمي القرط حبا لقلقه في الأذن واضطرابه قال الشاعر تبيت الحية النضناض منه ... مكان الحب تستمع السرارا وقيل بل هي مأخوذة من الحب جمع حبة وهو لباب الشيء وخالصه وأصله فإن الحب أصل النبات والشجر وقيل بل هي مأخوذة من الحب الذي هو إناء واسع يوضع فيه الشيء فيمتلئ به بحيث لا يسع غيره الجزء: 1 ¦ الصفحة: 17 فهذا من أفعل وأما حبيب فأكثر استعمالهم له بمعنى المحبوب قال الشاعر وما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إلي ولا دين لها أنا طالبه وقد استعملوه بمعنى المحب قال الشاعر وما هجرتك النفس أنك عندها ... قليل ولا أن قل منك نصيبها ولكنهم يا أحسن الناس أولعوا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها فهذا يحتمل أن يكون بمعنى المحبوب وأن يكون بمعنى المحب وأما الحب بكسر الحاء فلغة في الحب وغالب استعماله بمعنى المحبوب قال في الصحاح الحب المحبة وكذلك الحب بالكسر والحب أيضا الحبيب مثل خدن وخدين قلت وهذا نظير ذبح بمعنى مذبوح ونهب بمعنى منهوب ورشق بمعنى مرشوق ومنه السب ويشترك فيه الفاعل والمفعول قال أبو عبيد السب بالكسر الكثير السباب قال الجوهري وسبك الذي يسابك قال حسان لا تسبنني فلست بسبي ... إن سبي من الرجال الكريم والصواب أنه عبد الرحمن بن حسان وقد يشترك فيه المصدر والمفعول نحو رزق وفي إعطائهم ضمة الحاء للمصدر سر لطيف فإن الكسرة أخف من الضمة والمحبوب أخف على قلوبهم من نفس الحب فأعطوا الحركة الخفيفة للأخف والثقيلة للأثقل ويقال أحبه حبا ومحبة والمحبة أم باب هذه الأسماء فصل وأما كلام الناس في حدها فكثير فقيل هي الميل الدائم بالقلب الهائم وقيل إيثار المحبوب على جميع المصحوب وقيل موافقة الحبيب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 19 في المشهد والمغيب وقيل اتحاد مراد المحب ومراد المحبوب وقيل إيثار مراد المحبوب على مراد المحب وقيل إقامة الخدمة مع القيام بالحرمة وقيل استقلال الكثير منك لمحبوبك واستكثار القليل منه إليك وقيل استيلاء ذكر المحبوب على قلب المحب وقيل حقيقتها أن تهب كلك لمن أحببته فلا يبقى لك منك شيء وقيل هي أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب وقيل هي الغيرة للمحبوب أن تنتقص حرمته والغيرة على القلب أن يكون فيه سواه وقيل هي الإرادة التي لا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر وقيل هي حفظ الحدود فليس بصادق من ادعى محبة من لم يحفظ حدوده وقيل هي قيامك لمحبوبك بكل ما يحبه منك وقيل هي مجانبة السلو على كل حال كما قيل ومن كان من طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلي لها غير ذائق وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمعة بارق وقيل نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب وقيل ذكر المحبوب على عدد الأنفاس كما قيل يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل وقيل عمى القلب عن رؤية غير المحبوب وصممه عن سماع العذل فيه وفي الحديث حبك للشيء يعمي ويصم رواه الإمام أحمد وقيل ميلك إلى المحبوب بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 20 ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه وقيل هي بذلك المجهود فيما يرضى الحبيب وقيل هي سكون بلا اضطراب واضطراب بلا سكون فيضطرب القلب فلا يسكن إلا إلى محبوبه فيضطرب شوقا إليه ويسكن عنده وهذا معنى قول بعضهم هي حركة القلب على الدوام إلى المحبوب وسكونه عنده وقيل هي مصاحبة المحبوب على الدوام كما قيل ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي وقيل هي أن يكون المحبوب أقرب إلى المحب من روحه كما قيل يا مقيما في خاطري وجناني ... وبعيدا عن ناظري وعياني أنت روحي إن كنت لست أراها ... فهي أدنى إلي من كل داني وقيل هي حضور المحبوب عند المحب دائما كما قيل خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب وقيل هي أن يستوي قرب دار المحبوب وبعدها عند المحب كما قيل يا ثاويا بين الجوانح والحشى ... مني وإن بعدت علي دياره عطفا على صب يحبك هائم ... إن لم تصله تصدعت أعشاره لا يستفيق من الغرام وكلما ... حجبوك عنه تهتكت أستاره الجزء: 1 ¦ الصفحة: 21 وقيل هي ثبات القلب على أحكام الغرام واستلذاذ العذل فيه والملام كما قيل وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم فصل: وأما العلاقة وتسمى العلق بوزن الفلق فهي من أسمائها قال الجوهري والعلق أيضا الهوى يقال نظرة من ذي علق قال الشاعر ولقد أردت الصبر عنك فعلقني ... علق بقلبي من هواك قديم وقد علقها بالكسر وعلق حبها بقلبه أي هويها وعلق بها علوقا وسميت علاقة لتعلق القلب بالمحبوب قال الشاعر أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس فصل وأما الهوى فهو ميل النفس إلى الشيء وفعله هوي يهوى هوى مثل عمي يعمى عمى وأما هوى يهوي بالفتح فهو السقوط ومصدره الهوي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 22 بالضم ويقال الهوى أيضا على نفس المحبوب قال الشاعر إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها ويقال هذا هوى فلان وفلانة هواه أي مهويته ومحبوبته وأكثر ما يستعمل في الحب المذموم كما قال الله تعالى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} ويقال إنما سمى هوى لأنه يهوي بصاحبه وقد يستعمل في الحب الممدوح استعمالا مقيدا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما ئت به وفي الصحيحين عن عروة قال كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهم للنبي فقالت عائشة رضي الله عنها أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل فلما نزلت {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرى ربك إلا يسارع في هواك وفي قصة أسارى بدر قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت وذكر الحديث وفي السنن أن أعرابيا قال للنبي جئت أسألك عن الهوى فقال المرء مع من أحب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 23 فصل: وأما الصبوة والصبا فمن أسمائها أيضا قال في الصحاح والصبا من الشوق يقال منه تصابا وصبا يصبو صبوة وصبوا أي مال إلى الجهل وأصبته الجارية وصبي صباء مثل سمع سماعا أي لعب مع الصبيان قلت أصل الكلمة من الميل يقال صبا إلى كذا أي مال إليه وسميت الصبوة بذلك لميل صاحبها إلى المرأة الصبية والجمع صبايا مثل مطية ومطايا والتصابي هو تعاطي الصبوة مثل التمايل وبابه والفرق بين الصبا والصبوة والتصابي أن التصابي هي تعاطي الصبا وأن تفعل فعل ذي الصبوة وأما الصبا فهو نفس الميل وأما الصبوة فالمرة من ذلك مثل الغشوة والكبوة وقد يقال على الصفة اللازمة مثل القسوة وقد قال يوسف الصديق عليه السلام {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} فصل وأما الصبابة فقال في الصحاح هي رقة الشوق وحرارته يقال رجل صب عاشق مشتاق وقد صببت يا رجل بالكسر قال الشاعر ولست تصب إلىالظاعنين ... إذا ما صديقك لم يصبب قلت والصبابة من المضاعف من صب يصب والصبا والصبوة من المعتل وهم كثيرا ما يعاقبون بينهما فبينهما تناسب لفظي ومعنوي قال الشاعر تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 24 ويقال رجل صب وامرأة صب كما يقال رجل عدل وامرأة عدل فصل وأما الشغف فمن أسمائها أيضا قال الله تعالى {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} قال الجوهري وغيره والشغاف غلاف القلب وهو جلدة دونه كالحجاب يقال شغفه الحب أي بلغ شغافه وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} ثم قال دخل حبه تحت الشغاف فصل وأما الشعف بالعين المهملة ففي الصحاح شعفه الحب أي أحرق قلبه وقال أبو زيد أمرضه وقد شعف بكذا فهو مشعوف وقرأ الحسن قد شعفها حبا قال بطنها حبا فصل وأما المقة فهي فعلة من ومق يمق والمقة المحبة والهاء عوض من الواو كالعظة والعدة والزنة فإن أصلها فعل فحذفوا الفاء فعوضوا منها تاء التأنيث جبرا للكلمة وتعويضا لما سقط منها والفعل ومقه يمقه بالكسر فيهما أي أحبه فهو وامق فصل وأما الوجد فهو الحب الذي يتبعه الحزن وأكثر ما يستعمل الوجد في الحزن يقال منه وجد وجدا بالفتح ونحن نذكر هذه المادة وتصاريفها يقال وجد مطلوبه يجده وجودا فإن تعلق ذلك بالضالة سموه وجدانا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 25 ووجد عليه في الغضب موجدة ووجد في الحزن وجدا بالفتح ووجد في المال أي صار واجدا وجدا ووجدا ووجدا بالفتح والضم والكسر وجدة إذا استغنى وأما إطلاق اسم الوجد على مجرد مطلق المحبة فغير معروف وإنما يطلق على محبة معها فقد يوجب الحزن فصل وأما الكلف فهو من أسماء الحب أيضا يقال كلفت بهذا الأمر أي أولعت به فأنا كلف به قال الشاعر فتعلمي أن قد كلفت بكم ... ثم اصنعي ما شئت عن علم وأصل اللفظة من الكلفة والمشقة يقال كلفه تكليفا إذا أمره بما يشق قال الله تعالى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} ومنه تكلفت الأمر تجشمته والكلفة ما يتكلف من نائبة أو حق والمتكلف المتعرض لما لا يعنيه قال الله تعالى {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} وقيل هو مأخوذ من الأثر وهو شيء يعلو الوجه كالسمسم والكلف أيضا لون بين السواد والحمرة وهي حمرة كدرة تعلو الوجه والاسم الكلفة فصل وأما التتيم فهو التعبد قال في الصحاح تيم الله أي عبد الله وأصله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 26 .. من قولهم تيمه الحب إذا عبده وذلله فهو متيم ويقال تامته المرأة قال لقيط بن زرارة تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت ... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا فصل وأما العشق فهو أمر هذه الأسماء وأخبثها وقل ما ولعت به العرب وكأنهم ستروا اسمه وكنوا عنه بهذه الأسماء فلم يكادوا يفصحوا به ولا تكاد تجده في شعرهم القديم وإنما أولع به المتأخرون ولم يقع هذا اللفظ في القرآن ولا في السنة إلا في حديث سويد بن سعيد وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى وبعد فقد استعملوه في كلامهم قال الشاعر وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا إنني لك عاشق نعم صدق الواشون أنت حبيبة ... إلي وإن لم تصف منك الخلائق قال في الصحاح العشق فرط الحب وقد عشقها عشقا مثل علم علما وعشقا أيضا عن الفراء قال رؤبة ولم يضعها بين فرك وعشق قال ابن السراج إنما حركه ضرورة وإنما لم يحركه بالكسر إتباعا للعين كأنه كره الجمع بين كسرتين فإن هذا عزيز في الأسماء ورجل عشيق مثل فسيق أي كثير العشق والتعشق تكلف العشق قال الفراء يقولون امرأة محب لزوجها وعاشق وقال ابن سيده العشق عجب المحب بالمحبوب يكون في عفاف الحب ودعارته يعني في العفة والفجور وقيل العشق الاسم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 27 والعشق المصدر وقيل هو مأخوذ من شجرة يقال لها عاشقة تخضر ثم تدق وتصفر قال الزجاج واشتقاق العاشق من ذلك وقال الفراء عشق عشقا وعشقا إذا أفرط في الحب والعاشق الفاعل والمعشوق المفعول والعشيق يقال لهذا ولهذا وامرأة عاشق وعاشقة قال ولذ كطعم الصرخدي طرحته ... عشية خمس القوم والعين عاشقه وقال الفراء العشق نبت لزج وسمي العشق الذي يكون من الإنسان للصوقه بالقلب وقال ابن الأعرابي العشقة اللبلابة تخضر وتصفر وتعلق بالذي يليها من الأشجار فاشتق من ذلك العاشق وقد اختلف الناس هل يطلق هذا الاسم في حق الله تعالى فقالت طائفة من الصوفية لا بأس بإطلاقه وذكروا فيه أثرا لا يثبت وفيه فإذا فعل ذلك عشقني وعشقته وقال جمهور الناس لا يطلق ذلك في حقه سبحانه وتعالى فلا يقال إنه يعشق ولا يقال عشقه عبده ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال أحدها عدم التوقيف بخلاف المحبة الثاني أن العشق إفراط المحبة ولا يمكن ذلك في حق الرب تعالى فإن الله تعالى لا يوصف بالإفراط في الشيء ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبه فضلا أن يقال أفرط في حبه الثالث أنه مأخوذ من التغير الجزء: 1 ¦ الصفحة: 28 كما يقال للشجرة المذكورة عاشقة ولا يطلق ذلك على الله سبحانه وتعالى فصل وأما الجوى ففي الصحاح الجوى الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن تقول منه جوي الرجل بالكسر فهو جو مثل دو ومنه قيل للماء المتغير المنتن جو قال الشاعر ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا جو آجن ولا مطروق فصل وأما الدنف فلا تكاد تستعمله العرب في الحب وإنما ولع به المتأخرون وإنما استعملته العرب في المرض قال في الصحاح الدنف بالتحريك المرض الملازم رجل دنف أيضا يعني بفتح النون وامرأة دنف وقوم دنف يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع فإن قلت رجل دنف بكسر النون قلت امرأة دنفة أنثت وثنيت وجمعت وقد دنف المريض بالكسر ثقل وأدنف بالألف مثله وأدنفه المرض يتعدى ولا يتعدى فهو مدنف ومدنف قلت وكأنهم استعاروا هذا الاسم للحب اللازم تشبيها له به والله أعلم فصل وأما الشجو فهو حب يتبعه هم وحزن قال في الصحاح الشجو الهم والحزن يقال شجاه يشجوه شجوا إذا أحزنه وأشجاه يشجيه إشجاء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 29 إذا أغصه تقول منها جميعا شجي بالكسر يشجى شجى قال الشاعر لا تنكروا القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا أراد حلوقكم واشجى ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره ورجل شج أي حزين وامرأة شجية على فعلة فأطلق هذا الاسم على الحب للزومه كالشجى الذي يعلق بالحلق وينشب فيه فصل وأما الشوق فهو سفر القلب إلى المحبوب وقد وقع هذا الاسم في السنة ففي المسند من حديث عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فأوجز فيها فقيل له أوجزت يا أبا اليقظان فقال لقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد وأسألك قرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وأسألك برد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين وجاء في أثر إسرائيلي طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق وقد قال الله تعالى {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ} قال بعض العارفين الجزء: 1 ¦ الصفحة: 30 لما علم الله شوق المحبين إلى لقائه ضرب لهم موعدا للقاء تسكن به قلوبهم وبعد فهذه اللفظة من أسماء الحب قال في الصحاح الشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشيء يقال شاقني الشيء يشوقني فهو شائق وأنا مشوق وشوقني فتشوقت إذا هيج شوقك قال الراجز يا دار مية بالدكاديك البرق ... سقيا لقد هيجت شوق المشتأق يريد المشتاق قال سيبويه همز ما ليس بمهموز ضرورة فصل واختلف في الفرق بين الشوق والاشتياق أيهما أقوى فقالت طائفة الشوق أقوى فإنه صفة لازمة والاشتياق فيه نوع افتعال كما يدل عليه بناؤه كالاكتساب ونحوه وقالت فرقة الاشتياق أقوى لكثرة حروفه وكلما قوي المعنى وزاد زادوا حروفه وحكمت فرقة ثالثة بين القولين وقالت الاشتياق يكون إلى غائب وأما الشوق فإنه يكون للحاضر والغائب والصواب أن يقال الشوق مصدر شاقه يشوقه إذا دعاه إلى الاشتياق إليه فالشوق داعية الاشتياق ومبداه والاشتياق موجبه وغايته فإنه يقال شاقني فاشتقت فالاشتياق فعل مطاوع لشاقني واختلف أرباب الشوق هل يزول الشوق بالوصال أو يزيد فقالت طائفة يزول فإن الشوق سفر القلب إلى المحبوب فإذا وصل إليه انتهى السفر وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 31 قالوا ولأن الشوق إنما يكون لغائب فلا معنى له مع الحضور ولهذا إنما يقال للغائب أنا إليك مشتاق وأما من لم يزل حاضرا مع المحب فلا يوصف بالشوق إليه وقالت طائفة بل يزيد بالقرب واللقاء واستدلوا بقول الشاعر وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام قالوا ولأن الشوق هو حرقة المحبة والتهاب نارها في قلب المحب وذلك مما يزيده القرب والمواصلة والصواب أن الشوق الحادث عند اللقاء والمواصلة غير النوع الذي كان عند الغيبة عن المحب قال ابن الرومي أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول صبابتي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحين تمتزجان فصل وأما الخلابة فهي الحب الخادع وهو الحب الذي وصل إلى الخلب وهو الحجاب الذي بين القلب وسواد البطن وسمى الحب خلابة لأنه يخدع ألباب أربابه والخلابة الخديعة باللسان يقال خلبه يخلبه بالضم واختلبه مثله وفي المثل إذا لم تغلب فاخلب أي فاخدع والخلبة الخداعة من النساء قال الشاعر أودى الشباب وحب الخالة الخلبة ... وقد برئت فما بالقلب من قلبه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 32 قال ابن السكيت رجل خلاب أي خداع كذاب ومنه البرق الخلب الذي لا غيث فيه كأنه خادع ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز إنما أنت برق خلب والخلب أيضا السحاب الذي لا مطر فيه ومنه الحديث إذا بايعت فقل لا خلابة أي لا خديعة والحب أحق ما يسمى بهذا الاسم لأنه يعمي ويصم ويخدع لب المحب وقلبه فصل وأما البلابل فجمع بلبلة يقال بلابل الحب وبلابل الشوق وهي وساوسه وهمه قال في الصحاح البلبلة والبلبال الهم ووسواس الصدر فصل وأما التباريح فيقال تباريح الحب وتباريح الشوق وتباريح الجوى وبرح به الحب والشوق إذا اصابه منه البرح وهو الشدة قال في الصحاح لقيت منه برحا بارحا أي شدة وأذى قال الشاعر أجد هذا عمرك الله كلما ... دعاك الهوى برح لعينيك بارح ولقيت منه بنات برح وبني برح ولقيت منه البرحين والبرحين بكسر الباء وضمها أي الشدائد والدواهي فصل وأما السدم بالتحريك فهو الحب الذي يتبعه ندم وحزن قال في الصحاح السدم بالتحريك الندم والحزن وقد سدم بالكسر ورجل نادم سادم وندمان سدمان وهو إتباع وما له هم ولا سدم إلا ذاك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 33 فصل وأما الغمرات فهي جمع غمرة والغمرة ما يغمر القلب من حب أو سكر أو غفلة قال الله تعالى {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ} أي في غفلة قد غمرت قلوبهم وقال تعالى {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} منه الماء الغمر الكثير الذي يغطي من دخل فيه ومنه غمرات الموت أي شدائده وكذلك غمرات الحب وهو ما يغطي قلب المحب فيغمره ومنه قولهم رجل غمر الرداء كناية عن السخاء لأنه يغمر العيوب أي يغطيها فلا يظهر مع السخاء عيب قال غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقاب المال وقال القطامي يصف سفينة نوح إلى الجودي حتى صار حجرا ... وكان لذلك الغمر انحسار أي لذلك الماء الذي غمر الأرض ومن عليها فصل: وأما الوهل فهو بتحريك الهاء وأصله الفزع والروع يقال وهل يوهل وهو وهل ومستوهل قال القطامي يصف إبلا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 34 وترى لجيضتهن عند رحيلنا ... وهلا كأن بهن جنة أولق وإنما كان الوهل من أسماء الحب لما فيه من الروع ومنه يقال جمال رائع فإن قيل ما سبب روعة الجمال ولأي شيء إذا رأى المحب محبوبه فجأة يرتاع لذلك ويصفر لونه ويبهت قال الشاعر وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى لا أكاد أجيب وكثير من الناس يرى محبوبه فيصفر ويرتعد قيل هذا مما خفي سببه على أكثر المحبين فلا يدرون ما سببه فقيل سببه أن الجمال سلطان على القلوب وإذا بدا راع القلوب بسلطانه كما يروعها الملك ونحوه ممن له سلطان على الأبدان فسلطان الجمال والمحبة على القلوب وسلطان الملوك على الأبدان فإذا كان السلطان الذي على الأبدان يروع إذا بدا فكيف بالسلطان الذي هو أعظم منه قالوا وأيضا فإن الجمال يأسر القلب فيحس القلب بأنه أسير ولا بد لتلك الصورة التي بدت له فيرتاع كما يرتاع الرجل إذا أحس بمن يأسره ولهذا إذا أمن الناظر من ذلك لم تحصل له هذه الروعة قال الشاعر علامة من كان الهوى بفؤاده ... إذا ما رأى محبوبه يتغير فصل وأما الشجن فهو من أسمائه فإن الشجن الحاجة حيث كانت وحاجة المحب أشد شيء إلى محبوبه قال الراجز الجزء: 1 ¦ الصفحة: 35 إني سأبدي لك فيما أبدي ... لي شجنان شجن بنجد وشجن لي ببلاد السند ... والجمع شجون قال والنفس شتى شجونها ويجمع على أشجان قال الشاعر تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي ... وللناس أشجان ولي شجن وحدي قد شجنتني الحاجة تشجنني شجنا إذا حبستك ووجه آخر أيضا وهو أن الشجن الحزن والجمع أشجان وقد شجن بالكسر فهو شاجن وأشجنه غيره وشجنه أي أحزنه والحب فيه الأمران هذا وهذا فصل وأما اللاعج فهو اسم فاعل من قولهم لعجه الضرب إذا آلمه وأحرق جلده قال الهذلي ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا ويقال هو لاعج لحرقة الفؤاد من الحب فصل وأما الاكتئاب فهو افتعال من الكآبة وهي سوء الحال والانكسار من الحزن وقد كئب الرجل يكأب كأبة وكآبة كرأفة ورآفة ونشأة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 36 ونشاءة فهو كئيب وامرأة كئيبة وكأباء أيضا قال الراجز أو أن ترى كأباء لم تبر نشقي واكتأب الرجل مثله ورماد مكتئب اللون إذا ضرب إلى السواد كما يكون وجه الكئيب والكآبة تتولد من حصول الحب وفوت المحبوب فتحدث بينهما حالة سيئة تسمى الكآبة فصل وأما الوصب فهو ألم الحب ومرضه فإن أصل الوصب المرض وقد وصب الرجل يوصب فهو وصب وأوصبه الله فهو موصب والموصب بالتشديد الكثير الأوجاع وفي الحديث الصحيح لا يصيب المؤمن من هم ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ووصب الشيء يصب وصوبا إذا دام تقول وصب الرجل على الأمر إذا داوم عليه قال الله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} قال تعالى {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً} ي الطاعة دائمة فصل وأما الحزن فقد عد من أسماء المحبة والصواب أنه ليس من أسمائها وإنما هو حالة تحدث للمحب وهي ورود المكروه عليه وهو خلاف المسرة ولما كان الحب لا يخلو من ورود مالا يسر على قلب المحب كان الحزن من لوازمه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 37 وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال" استعاذ من ثمانية أشياء كل شيئين منهما قرينان فالهم والحزن قرينان فإن ورود المكروه على القلب إنكان لما مضى فهو الحزن وإن كان لما يستقبل فهو الهم والعجز والكسل قرينان فإن تخلف العبد عن كماله إن كان من عدم القدرة فهو العجز وإن كان من عدم الإرادة فهو الكسل والجبن والبخل قرينان فإن الرجل يراد منه النفع بماله أو ببدنه فالجبان لا ينفع ببدنه والبخيل لا ينفع بماله وضلع الدين وغلبة الرجال قرينان فإن قهر الناس نوعان نوع بحق فهو ضلع الدين ونوع بباطل فهو غلبة الرجال وقد نفى الله سبحانه وتعالى عن أهل الجنة الخوف والحزن فلا يحزنون على ما مضى ولا يخافون مما يأتي ولا يطيب العيش إلا بذلك والحب يلزمه الخوف والحزن فصل وأما الكمد فمن أحكام المحبة في الحقيقة وليس من أسمائها ولكن المتكلمون في هذا الباب لا يفرقون بين اسم الشيء ولازمه وحكمه والكمد الحزن المكتوم تقول منه كمد الرجل فهو كمد وكميد والكمدة تغير اللون وأكمد القصار الثوب إذا لم ينقه فصل وأما اللذع فهو من أحكام المحبة أيضا وأصله من لذع النار يقال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 38 لذعته النار لذعا أحرقته ثم شبهوا لذع اللسان بلذع النار فقالوا لذعه بلسانه أي أحرقه بكلامه يقال أعوذ بالله من لواذعه فصل وأما الحرق فهي أيضا من عوارض الحب وآثاره والحرقة تكون من الحب تارة ومنه قولهم مالك حرقة على هذا الأمر وتكون من الغيظ ومنه في الحديث تركتهم يتحرقون عليكم فصل وأما السهد فهو أيضا من آثار المحبة ولوازمها فالسهاد الأرق وقد سهد الرجل بالكسر يسهد سهدا والسهد بضم السين والهاء القليل النوم قال أبو كبير الهذلي فأتت به حوش الجنان مبطنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل وسهدته أنا فهو مسهد فصل وأما الأرق فهو أيضا من آثار المحبة ولوازمها فإنه السهر وقد أرقت بالكسر أي سهرت وكذلك ائترقت على افتعلت فأنا أرق وأرقني كذا تأريقا أي سهرني فصل وأما اللهف فمن أحكامها وآثارها أيضا يقال لهف بالكسر يلهف الجزء: 1 ¦ الصفحة: 39 لهفا أي حزن وتحسر وكذلك التلهف على الشيء وقولهم يا لهف فلان كلمة يتحسر بها على ما فات واللهفان المتحسر واللهيف المضطر فصل وأما الحنين فقال في الصحاح الحنين الشوق وتوقان النفس تقول منه حن إليه يحن حنينا فهو حان والحنان الرحمة تقول منه حن عليه يحن حنانا ومنه قوله تعالى {وَحَنَاناً مِنْ لَدُنَّا} وتحنن عيه ترحم والعرب تقول حنانك يا رب وحنانيك بمعنى واحد أي رحمتك قال امرؤ القيس ويمنحها بنو شمجى بن جرم ... معيزهم حنانك ذا الحنان وقال طرفة أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض وفي الحقيقة الحنين من آثار الحب وموجباته وحنين الناقة صوتها في نزاعها إلى ولدها وحنة الرجل امرأته قال وليلة ذات دجى سريت ... ولم تضرني حنة وبيت قلت سميت حنة لأن الرجل يحن إليها أين كان فصل وأما الاستكانة فهي أيضا من لوازم الحب وأحكامه لا من أسمائه المختصة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 40 به وأصلها الخضوع قال الله تعالى {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} وقال تعالى {فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا} وأصلها استفعل من الكون وهذا الاشتقاق والتصريف يطابق اللفظ وأما المعنى فالمستكن ساكن خاشع ضد الطائش ولكن لا يوافق السكون تصريف اللفظة فإنه إن كان افتعل كان ينبغي أن يقال استكن لأنه ليس في كلامهم افتعال والحق أنه استفعل من الكون فنقلوا حركة الواو إلى الكاف قبلها فتحركت الواو أصلا وانفتح ما قبلها تقديرا فقلبت ألفا كاستقام والكون الحالة التي فيها إنابة وذل وخضوع وهذا يحمد إذا كان لله ويذم إذا كان لغيره ومنه الحديث أعوذ بك من الحور بعد الكور أي الرجوع عن الاستقامة بعد ما كنت عليها فصل وأما التبالة فهي فعالة من تبله إذا أفناه قال الجوهري تبلهم الدهر وأتبلهم إذا أفناهم قال الأعشى أأن رأت رجلا أعشى أضر به ... ريب الزمان ودهر متبل خبل أي يذهب بالأهل والولد وتبله الحب أي أسقمه وأفسده قلت ومنه قول كعب بن زهير بن أبي سلمى بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم عندها لم يفد مكبول الجزء: 1 ¦ الصفحة: 41 فصل وأما اللوعة فقال في الصحاح لوعة الحب حرقته وقد لاعه الحب يلوعه والتاع فؤاده أي احترق من الشوق ومنه قولهم أتان لاعة الفؤاد إلى جحشها قال الأصمعي أي لائعة الفؤاد وهي التي كأنها ولهى من الفزع فصل وأما الفتون فهو مصدر فتنه يفتنه فتونا قال الله تعالى وفتناك فتونا أي امتحناك واختبرناك والفتنة يقال على ثلاثة معان أحدها الامتحان والاختبار ومنه قوله تعالى {إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ} أي امتحانك واختبارك والثاني الافتتان نفسه يقال هذه فتنة فلان أي افتتانه ومنه قوله تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} يقال أصابته الفتنة وفتنته الدنيا وفتنته المرأة وأفتنته قال الأعشى لئن فتنتني ولهى بالأمس أفتنت ... سعيدا فأضحى قد قلى كل مسلم وأنكر الأصمعي أفتنته والثالث المفتون به نفسه يسمى فتنة قال الله تعالى {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} وأما قوله تعالى {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} أي لم تكن عاقبة شركهم إلا أن تبرأوا منه وأنكروه وأما قوله تعالى {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 42 يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} فقيل المعنى يحرقون ومنه فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته ودينار مفتون قال الخليل والفتن الإحراق قال الله تعالى {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} وورق فتين أي فضة محرقة وافتتن الرجل وفتن إذا اصابته فتنة فذهب ماله أو عقله وفتنته المرأة إذا ولهته وقوله تعالى {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} أي لا تفتنون على عبادته إلا من سبق في علم الله أنه يصلى الجحيم فذلك الذي يفتن بفتنتكم إياه وأما قوله تعالى {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} فقيل الباء زائدة وقيل المفتون مصدر كالمعقول والميسور والمحلوف والمعسور والصواب أن يبصر مضمن معنى يشعر ويعلم قال الله تعالى أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر فعدى فعل الرؤية بالباء وفي الحديث المؤمن أخو المؤمن يسعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان يروى بفتح الفاء وهو واحد وبضمها وهو جمع فاتن كتاجر وتجار والمقصود أن الحب موضع الفتون فما فتن من فتن إلا بالمحبة فصل وأما الجنون فمن الحب ما يكون جنونا ومنه قوله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 43 قالت جننت بمن تهوى فقلت لها ... ألعشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين وأصل المادة من الستر في جميع تصاريفها ومنه أجنه الليل وجن عليه إذا ستره ومنه الجنين لاستتاره في بطن أمه ومنه الجنة لاستتارها بالأشجار ومنه المجن لاستتار الضارب به والمضروب ومنه الجن لاستتارهم عن العيون بخلاف الإنس فإنهم يؤنسون أي يرون ومنه الجنة بالضم وهي ما استترت به واتقيت ومنه قوله تعالى {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} وأجننت الميت واريته في القبر فهو جنين والحب المفرط يستر العقل فلا يعقل المحب ما ينفعه ويضره فهو شعبة من الجنون فصل وأما اللمم فهو طرف من الجنون ورجل ملموم أي به لمم ويقال أيضا أصابت فلانا من الجن لمة وهو المس والشيء القليل قاله الجوهري قلت وأصل اللفظة من المقاربة ومنه قوله تعالى {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} وهي الصغائر قال ابن عباس رضي الله عنهما ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه إن العين تزني وزناها النظر واليد تزني وزناها البطش والرجل تزني وزناها المشي والفم يزني وزناه القبل ومنه ألم بكذا أي قاربه ودنا منه وغلام ملم أي قارب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 44 البلوغ وفي الحديث إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم أي يقرب من ذلك وبالجملة فلا يستبين كون اللمم من أسماء الحب وإن كان قد ذكره جماعة إلا أن يقال إن المحبوب قد ألم بقلب المحب أي نزل به ومنه ألمم بنا أي انزل بنا ومنه قوله متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا فصل وأما الخبل فمن موجبات العشق وآثاره لا من أسمائه وإن ذكر من أسمائه فإن أصله الفساد وجمعه خبول والخبل بالتحريك الجن يقال به خبل أي شيء من أهل الأرض وقد خبله وخبله واختبله إذا أفسد عقله أو عضوه ورجل مخبل وهو نوع من الجنون والفساد فصل وأما الرسيس فقد كثر في كلامهم رسيس الهوى والشوق ورسيس الحب فظن من أدخله في أماء الحب أنه منها وليس كذلك بل الرسيس الشيء الثابت فرسيس الحب ثباته ودوامه ويمكن أن يكون من رس الحمى ورسيسها وهو أول مسها فشبهوا رسيس الحب بحرارته وحرقته برسيس الحمى وكان الواجب على هؤلاء أن يجعلوا الأوار من أسماء الحب لأنه يضاف إليه قال الشاعر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 45 إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد وقد وقع إضافة الرسيس إلى الهوى في شعر ذي الرمة حيث يقول إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح وفيه إشكال نحوي ليس هذا موضعه فصل وأما الداء المخامر فهو من أوصافه وسمي مخامرا لمخالطته القلب والروح يقال خامره قال الجوهري والمخامرة المخالطة وخامر الرجل المكان إذا لزمه وقد يكون أخذ من قولهم استخمر فلان فلانا إذا استعبده وكأن العشق داء مستعبد للعاشق ومنه حديث معاذ من استخمر قوما أي أخذهم قهرا وتملك عليهم فالحب داء مخالط مستعبد فصل وأما الود فهو خالص الحب وألطفه وأرقه وهو من الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة قال اجلوهري وددت الرجل أوده ودا إذا أحببته والود والود والود المودة تقول بودي أن يكون كذا وأما قول الشاعر أيها العائد المسائل عنا ... وبوديك أن ترى أكفاني فإنما أشبع كسرة الدال ليستقيم له البيت فصارت ياء والود الوديد بمعنى المودود والجمع أود مثل قدح وأقدح وذئب وأذؤب وهما يتوادان وهم أوداء والودود المحب ورجال ودداء يستوي فيه المذكر والمؤنث لكونه وصفا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 46 داخلا على وصف للمبالغة قلت الودود من صفات الله سبحانه وتعالى أصله من المودة واختلف فيه على قولين فقيل هو ودود بمعنى واد كضروب بمعنى ضارب وقتول بمعنى قاتل ونؤوم بمعنى نائم ويشهد لهذا القول أن فعولا في صفات الله سبحانه وتعالى فاعل كغفور بمعنى غافر وشكور بمعنى شاكر وصبور بمعنى صابر وقيل بل هو بمعنى مودود وهو الحبيب وبذلك فسره البخاري في صحيحه فقال الودود الحبيب والأول أظهر لاقترانه بالغفور في قوله {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} وبالرحيم في قوله {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} وفيه سر لطيف وهو أنه يحب التوابين وأنه يحب عبده بعد المغفرة فيغفر له ويحبه كما قال {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} فالتائب حبيب الله فالود أصفى الحب وألطفه فصل وأما الخلة فتوحيد المحبة فالخليل هو الذي توحد حبه لمحبوبه وهي رتبة لا تقبل المشاركة ولهذا اختص بها في العالم الخليلان إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما كما قال الله تعالى {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وفي الصحيح عنه لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن وفي الصحيح أيضا إني أبرأ إلى كل خليل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 47 .. من خلته ولما كانت الخلة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله سبحانه إبراهيم الخليل بذبح ولده لما أخذ شعبة من قلبه فأراد سبحانه أن يخلص تلك الشعبة له ولا تكون لغيره فامتحنه بذبح ولده والمراد ذبحه من قلبه لا ذبحه بالمدية فلما أسلما لأمر الله وقدم محبة الله تعالى على محبة الولد خلص مقام الخلة وفدى الولد بالذبح وقيل إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح قال قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا والخلة الخليل يستوي فيه المذكر والمؤنث لأنه في الأصل مصدر قولك خليل بين الخلة والخلولة قال ألا أبلغا خلتي جابرا ... بأن خليلك لم يقتل ويجمع على خلال مثل قلة وقلال والخل الود والصديق والخلال أيضا مصدر بمعنى الخالة ومنه قوله تعالى {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} وقال في الآية الأخرى {لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ} قال امرؤ القيس ولست بمقلي الخلال ولا قالي والخليل الصديق والأنثى خليلة والخلالة والخلالة والخلالة بكسر الخاء وفتحها وضمها الصداقة والمودة قال وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 48 وقد ظن بعض من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل وقال محمد حبيب الله وإبراهيم خليل الله وهذا باطل من وجوه كثيرة منها إن الخلة خاصة والمحبة عامة فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وقال في عباده المؤمنين {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون له من أهل الأرض خليل وأخبر أن أحب النساء إليه عائشة ومن الرجال أبوها ومنها أنه قال إن الله اتخذني وخليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ومنها أنه قال لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته فصل وأما الخلم فهو مأخوذ من المخالمة وهي المصادقة والمودة والخلم الصديق والأخلام الأصحاب قال الكميت إذا ابتسر الحرب أخلامها ... كشافا وهيجت الأفحل فصل وأما الغرام فهو الحب اللازم يقال رجل مغرم بالحب أي قد لزمه الحب وأصل المادة من اللزوم ومنه قولهم رجل مغرم من الغرم أو الدين قال في الصحاح والغرام الولوع وقد أغرم بالشيء أي أولع به والغريم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 49 .. الذي عليه الدين يقال خذ من غريم السوء ما سنح ويكون الغريم أيضا الذي له الدين قال كثير عزة قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها ومن المادة قوله تعالى في جهنم {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} والغرام الشعر! الدائم اللازم والعذاب قال بشر ويوم النسار ويوم الجفا ... ركانا عذابا وكانا غراما وقال الأعشى إن يعاقب يكن غراما وإن يع ... ط جزيلا فإنه لا يبالي وقال أبو عبيدة إن عذابها كان غراما كان هلاكا ولزاما لهم وللطف المحبة عندهم واستعذابهم لها لم يكادوا يطلقون عليها لفظ الغرام وإن لهج به المتأخرون فصل وأما الهيام قال في الصحاح هام على وجهه يهيم هيما وهيمانا ذهب من العشق أو غيره وقلب مستهام أي هائم والهيام بالضم أشد العطش والهيام كالجنون من العشق والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم لا ترعى يقال ناقة هيماء قال والهيام بالكسر الإبل العطاش الواحد هيمان وناقة هيمى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 50 .. مثل عطشان وعطشى وقوم هيم أي عطاش وقد هاموا هياما وقوله تعالى {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} هي الإبل العطاش قلت جمع أهيم هيم مثل أحمر وحمر وهو جمع فعلاء أيضا كصفراء وصفر فصل وأما التدليه ففي الصحاح التدليه ذهاب العقل من الهوى يقال دلهه الحب أي حيره وأدهشه ودله هو يدله قال أبو زيد الدلوه الناقة لا تكاد تحن إلى إلف ولا ولد وقد دلهت عن إلفها وعن ولدها تدله دلوها فصل وأما الوله فقال في الصحاح الوله ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد ورجل واله وامرأة واله ووالهة قال الأعشى فأقبلت والها ثكلى على عجل ... كل دهاها وكل عندها اجتمعا وقد وله يوله ولها وولهانا وتوله واتله وهو افتعل أدغم قال الشاعر واتله الغيور والتوليه أن يفرق بين الأم وولدها وفي الحديث لا توله والدة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 51 بولدها أي لا تجعل والها وذلك في السبايا وناقة واله إذااشتد وجدها على ولدها والميلاه التي من عادتها أن يشتد وجدها على ولدها صارت الواو يا لكسرة ما قبلها وماء موله وموله أرسل في الصحراء فذهب وقول رؤبة به تمطت غول كل ميلة ... بنا حراجيج المهارى النفة أراد البلاد التي توله الإنسان أي تحيره فصل وأما التعبد فهو غاية الحب وغاية الذل يقال عبده الحب أي ذلله وطريق معبد بالأقدام أي مذلل وكذلك المحب قد ذلله الحب ووطأه ولا تصلح هذه المرتبة لأحد غير الله عز وجل ولا يغفر الله سبحانه لمن أشرك به في عبادته ويغفر ما دون ذلك لمن شاء فمحبة العبودية هي أشرف أنواع المحبة وهي خالص حق الله على عباده وفي الصحيح عن معاذ أنه قال كنت سائرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معاذ فقلت لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعديك قال ثم سار ساعة ثم قال يا معاذ قلت لبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعديك ثم سار ساعة فقال يا معاذ قلت لبيك رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعديك قال أتدري ما حق الله على عباده قلت الله ورسوله أعلم قال حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 52 فعلوا ذلك أن لا يعذبهم بالنار وقد ذكر الله سبحانه رسوله بالعبودية في أشرف مقاماته وهي مقام التحدي ومقام الإسراء ومقام الدعوة فقال في التحدي {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} وقال في مقام الإسراء سبحان الذي أسرى بعيده ليلا من المسجد الحرام وقال في مقام الدعوة وأنه لما قام عبد الله يدعوه وإذا تدافع أولو العزم الشفاعة الكبرى يوم القيامة يقول المسيح لهم اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فنال ذلك المقام بكمال العبودية لله وكمال مغفرة الله له فأشرف صفات العبد صفة العبودية وأحب أسمائه إلى الله اسم العبودية كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة وإنما كان حارث وهمام أصدقها لأن كل أحد لا بد له من هم وإرادة وعزم ينشأ عنه حرثه وفعله وكل أحد حارث وهمام وإنما كان أقبحها حرب ومرة لما في مسمى هذين الإسمين من الكراهة ونفور العقل عنهما وبالله التوفيق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 53 الباب الثالث في نسبة هذه الأسماء بعضها إلى بعض هل هي بالترادف أو التباين فالأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان أحدهما أن يدل عليه باعتبار الذات فقط فهذا النوع هو المترادف ترادفا محضا وهذا كالحنطة والقمح والبر والإسم والكنية واللقب إذا لم يكن فيه مدح ولا ذم وإنما أتي به لمجرد التعريف والنوع الثاني أن يدل على ذات واحده باعتبار تباين صفاتها كأسماء الرب تعالى وأسماء كلامه وأسماء نبيه وأسماء اليوم الآخر فهذا النوع مترادف بالنسبة إلى الذات متباين بالنسبة إلى الصفات فالرب والرحمن والعزيز والقدير والملك يدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة وكذلك البشير والنذير الحاشر والعاقب والماحي وكذلك يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التغابن ويوم الآزفة ونحوها وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهدى ونحوها وكذلك أسماء السيف فإن تعددها بحسب أوصاف وإضافات مختلفة كالمهند والعضب الصارم ونحوها وقد عرفت تباين الأوصاف في أسماء المحبة وقد أنكر كثير من الناس الترادف في اللغة وكأنهم أرادوا هذا المعنى وأنه ما من إسمين لمسمى واحد إلا وبينهما فرق في صفة أو نسبة أو إضافة سواء علمت لنا أو لم تعلم وهذا الذي قالوه صحيح باعتبار الواضع الواحد ولكن قد يقع الترادف باعتبار واضعين مختلفين بسمى أحدهما المسمى باسم ويسميه الواضع الآخر باسم غيره ويشتهر الوضعان عند القبيلة الواحدة وهذا كثير ومن ههنا يقع الاشتراك أيضا فالأصل في اللغة هو التباين وهو أكثر اللغة والله أعلم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 54 الباب الرابع: في أن العالم العلوي والسفلي إنما وجد بالمحبة ولأجلها وأن حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم وحركات الملائكة والحيوانات وحركة كل متحرك إنما وجدت بسبب الحب وهذا باب شريف من أشرف أبواب الكتاب وقبل تقريره لا بد من بيان مقدمة وهي أن الحركات ثلاث حركة إرادية وحركة طبيعية وحركة قسرية وبيان الحصر أن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك أو من غيره فإن كان من المتحرك فإما أن يقارنها شعوره وعلمه بها أولا فإن قارنها الشعور والعلم فهي الإرادية وإن لم يقارنها الشعور والعلم فهي الطبيعية وإن كانت من غيره فهي القسرية وإن شئت أن تقول المتحرك إما أن يتحرك بإرادته أو لا فإن تحرك بإرادته فحركته إرادية وإن تحرك بغير إرادته فإما أن تكون حركته إلى نحو مركزه أولا فإن تحرك إلى جهة مركزه فحركته طبيعية وإن تحرك إلى غير جهة مركزه فحركته قسرية إذا ثبت هذا فالحركة الإرادية تابعة لإرادة المتحرك والمراد إما أن يكون مرادا لنفسه أو لغيره ولا بد أن ينتهي المراد لغيره إلى مراد لنفسه دفعا للدور والتسلسل الإرادة إما أن تكون لجلب منفعة ولذة إما للمتحرك وإما لغيره أو دفع ألم ومضرة إما عن المتحرك أو عن غيره والعاقل لا يجلب لغيره منفعة ولا يدفع عنه مضرة إلا لما له في ذلك من اللذة ودفع الألم فصارت حركته الإرادية تابعة لمحبته بل هذا حكم كل حي متحرك وأما الحركة الطبيعية فهي حركة الشيء إلى مستقره ومركزه وتلك تابعة للحركة التي اقتضت خروجه عن مركزه وهي القسرية التي إنما تكون بقسر قاسر أخرجه عن مركزه إما باختياره كحركة الحجر إلى اسفل إذا رمى به الجزء: 1 ¦ الصفحة: 55 إلى جهة فوق وإما بغير اختيار محركه كتحريك الرياح للأجسام إلى جهة مهابها وهذه الحركة تابعة للقاسر وحركة القاسر ليست منه بل مبدؤها من غيره فإن الملائكة موكلة بالعالم العلوي والسفلي تدبره بأمر الله عز وجل كما قال الله تعالى {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} وقال فالمقسمات أمر وقال تعالى {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً} وقال {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} وقد وكل الله سبحانه بالأفلاك والشمس والقمر ملائكة تحركها ووكل بالرياح ملائكة تصرفها بأمره وهم خزنتها قال الله تعالى {وأما عاد فأ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} وقال غير واحد من السلف عتت على الخزان فلم يقدروا على ضبطها ذكره البخاري في صحيحه ووكل بالقطر ملائكة وبالسحاب ملائكة تسوقه إلى حيث أمرت به وقد ثيت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " بينا رجل بفلاة من الأرض إذ سمع صوتا في سحابة يقول اسق حديقة فلان فتتبع السحابة حتى انتهت إلى حديقة فأفرغت ماءها فيها فنظر فإذا رجل في الحديقة يحول الماء بمسحاة فقال له ما اسمك يا عبد الله فقال فلان الإسم الذي سمعه في السحابة فقال إني سمعت قائلا يقول في هذه السحابة اسق حديقة فلان فما تصنع في هذه الحديقة فقال إنى أنظر ما يخرج منها فأجعله ثلاثة أثلاث الجزء: 1 ¦ الصفحة: 56 ثلث أتصدق به وثلث انفقه على عيالي وثلث أرده فيها ووكل الله سبحانه بالجبال ملائكة" وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاءه ملك الجبال يسلم عليه ويستأذنه في هلاك قومه إن أحب فقال " بل أستأني لهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا ووكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة يا رب ذكر أم أنثى فما الرزق فم الأجل وشقي أم سعيد ووكل بكل عبد أربعة من الملائكة في هذه الدنيا حافظان عن يمينه وعن شماله يكتبان أعماله ومعقبات من بين يديه ومن خلفه أقلهم اثنان يحفظونه من أمر الله ووكل بالموت ملائكة ووكل بمساءلة الموتى ملائكة في القبور ووكل بالرحمة ملائكة وبالعذاب ملائكة وبالمؤمن ملائكة يثبتونه ويؤزونه إلى الطاعات أزا ووكل بالنار ملائكة يبنونها ويوقدونها ويصنعون أغلالها وسلاسلها ويقومون بإمرها ووكل بالجنة ملائكة يبنونها ويفرشونها ويصنعون أرائكها وسررها وصحافها ونمارقها وزرابيها فأمر العالم العلوي والسفلي والجنة والنار بتدبير الملائكة بإذن ربهم تبارك وتعالى وأمره {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} و {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 57 وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} فأخبر أنهم لا يعصونه في أمره وأنهم قادرون على تنفيذ أوامره ليس بهم عجز عنها بخلاف من يترك ما أمر به عجزا فلا يعصى الله ما أمره وإن لم يفعل ما أمره به وكذلك البحار قد وكلت بها ملائكة تسجرها وتمنعها أن تفيض على الأرض فتغرق أهلها وكذلك أعمال بني آدم خيرها وشرها قد وكلت بها ملائكة تحصيها وتحفظها وتكتبها ولهذا كان الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به وهي خمس الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإذا عرف ذلك عرف أن كل حركة في العالم فسببها الملائكة وحركتهم طاعة الله بأمره وإرادته فيرجع الأمر كله إلى تنفيذ مراد الرب تعالى شرعا وقدرا والملائكة هم المنفذون ذلك بأمره ولذلك سموا ملائكة من الألوكة وهي الرسالة فهم رسل الله في تنفيذ أوامره والمقصود أن حركات الأفلاك وما حوته تابعة للحركة الإرادية المستلزمة للمحبة فالمحبة والإرادة أصل كل فعل ومبداه فلا يكون الفعل إلا عن محبة وإرادة حتى دفعه للأمور التي يبغضها ويكرهها فإنما يدفعها بإرادته ومحبته لأضدادها واللذة التي يجدها بالدفع كما يقال شفى غيظه وشفى صدره والشفاء والعافية يكون للمحبوب وإن كان كريها مثل شرب الدواء الذي يدفع به ألم المرض فإنه وإن كان مكروها من وجه فهو محبوب لما فيه من زوال المكروه وحصول المحبوب وكذلك فعل الأشياء المخالفة للهوى فإنها وإن كانت مكروهة فإنما تفعل لمحبة وإرادة وإن لم تكن محبوبة لنفسها فإنه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 58 مستلزمة للمحبوب لنفسه فلا يترك الحي ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة ولذلك كانت المحبة والإرادة أصلا للبغض والكراهة فإن البغيض المكروه ينافي وجود المحبوب والفعل إما أن يتناول وجود المحبوب أو دفع المكروه المستلزم لوجود المحبوب فعاد الفعل كله إلى وجود المحبوب والحركة الاختيارية أصلها الإرادة والقسرية والطبيعية تابعتان لها فعاد الأمر إلى الحركة الإرادية فجميع حركات العالم العلوي والسفلي تابعة للإرادة والمحبة وبها تحرك العالم ولأجلها فهي العلة الفاعلية والغائية بل هي التي بها ولأجلها وجد العالم فما تحرك في العالم العلوي والسفلي حركة إلا والإرادة والمحبة سببها وغايتها بل حقيقة المحبة حركة نفس المحب إلى محبوبه فالمحبة حركة بلا سكون وكمال المحبة هو العبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب وهو الحق الذي به وله خلقت السموات والأرض والدنيا والآخرة قال تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال الله تعالى {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} وقال تعالى {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} والحق الذي خلق به ولأجله الخلق هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له ولوازم عبوديته من الأمر والنهى والثواب والعقاب ولأجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب وخلق الجنة والنار والسموات والأرض إنما قامت بالعدل الذي هو صراط الله الذي هو عليه وهو أحب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 59 الأشياء إلى الله تعالى قال الله تعالى حاكيا عن نبيه شعيب عليه السلام {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} فهو على صراط مستقيم في شرعه وقدره وهو العدل الذي به ظهر الخلق والأمر والثواب والعقاب وهو الحق الذي به وله خلقت السموات والأرض وما بينهما ولهذا قال المؤمنون في عبادتهم {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} فنزهوا ربهم سبحانه أن يكون خلق السموات عبثا لغير حكمة ولا غاية محمودة وهو سبحانه يحمد لهذه الغايات المحمودة كما يحمد لذاته وأوصافه فالغايات المحمودة في أفعاله هي الحكمة التي يحبها ويرضاها وخلق ما يكره لاستلزامه ما يحبه وترتب المحبوب له عليه ولذلك يترك سبحانه فعل بعض ما يحبه لما يترتب عليه من فوات محبوب له أعظم منه أو حصول مكروه أكره إليه من ذلك المحبوب وهذا كما ثبط قلوب أعدائه عن الأيمان به وطاعته لأنه يكره طاعاتهم ويفوت بها ما هو أحب إليه منها من جهادهم وما يترتب عليه من الموالاة فيه والمعاداة وبذل أوليائه نفوسهم فيه وإيثار محبته ورضاه على نفوسهم ولأجل هذا خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها قال تعالى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وقال {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} الجزء: 1 ¦ الصفحة: 60 وقال تعالى {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء لبلوكم أيكم أحسن عملا} فأخبر سبحانه عن خلق العالم والموت والحياة وتزيين الأرض بما عليها أنه للابتلاء والامتحان ليختبر خلقه أيهم أحسن عملا فيكون عمله موافقا لمحاب الرب تعالى فيوافق الغاية التي خلق هو لها وخلق لأجلها العالم وهي عبوديته المتضمنة لمحبته وطاعته وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه وقدر سبحانه مقادير تخالفها بحكمته في تقديرها وامتحن خلقه بين أمره وقدره ليبلوهم أيهم أحسن عملا فانقسم الخلق في هذاالابتلاء فريقين فريقا داروا مع أوامره ومحابه ووقفوا حيث وقف بهم الأمر وتحركوا حيث حركهم الأمر واستعملوا الأمر في القدر وركبو سفينة الأمر في بحر القدر وحكموا الأمر على القدر ونازعوا القدر بالقدر امتثالا لأمره واتباعا لمرضاته فهؤلاء هم الناجون والفريق الثاني عارضوا بين الأمر والقدر وبين ما يحبه ويرضاه وبين ما قدره وقضاه ثم افترقوا أربع فرق فرقة كذبت بالقدر محافظة على الأمر فأبطلت الأمر من حيث حافظت على القدر فإن الإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر وهو نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه إيمانه وفرقة ردت الأمر بالقدر وهؤلاء من أكفر الخلق وهم الذين حكى الله قولهم في القرآن إذ قالوا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا} الجزء: 1 ¦ الصفحة: 61 من شيء} وقالوا أيضا {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ} وقالوا ايضا {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} وقالوا أيضا {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ} فجعلهم الله سبحانه وتعالى بذلك مكذبين خارصين ليس لهم علم وأخبر أنهم في ضلال مبين وفرقة دارت مع القدر فسارت بسيره ونزلت بنزوله ودانت به ولم تبال وافق الأمر أو خالفه بل دينها القدر فالحلال ما حل بيدها قدرا والحرام ما حرمته قدرا وهم مع من غلب قدرا من مسلم أو كافر برا كان أو فاجرا وخواص هؤلاء وعبادهم لما شهدوا الحقيقة الكونية القدرية صاروا مع الكفار المسلطين بالقدر وهم خفراؤهم فهؤلاء أيضا كفار وفرقة وقفت مع القدر مع اعترافها بأنه خلاف الأمر ولم تدن به ولكنها استرسلت معه ولم تحكم عليه الأمر وعجزت عن دفع القدر بالقدر اتباعا للأمر فهؤلاء مفرطون وهم بين عاجز وعاص لله وهؤلاء الفرق كلهم مؤتمون بشيخهم إبليس فإنه أول من قدم القدر على الأمر وعارضه به وقال {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وقال {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} فرد أمر الله بقدره واحتج على ربه بالقدر وانقسم أتباعه أربع فرق كما رأيت فإبليس الجزء: 1 ¦ الصفحة: 62 وجنوده أرسلوا بالقدر إرسالا كونيا فالقدر دينهم قال الله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} فدينهم القدر ومصيرهم سقر فبعث الله الرسل بالأمر وأمرهم أن يحاربوا به أهل القدر وشرع لهم من أمره سفنا وأمرهم أن يركبوا فيها هم وأتباعهم في بحر القدر وخص بالنجاة من ركبها كما خص بالنجاة أصحاب السفينة وجعل ذلك آية للعالمين فأصحاب الأمر حرب لأصحاب القدر حتى يردوهم إلى الأمر وأصحاب القدر يحاربون أصحاب الأمر حتى يخرجوهم منه فالرسل دينهم الأمر مع إيمانهم بالقدر وتحكيم الأمر عليه وإبليس وأتباعه دينهم القدر ودفع الأمر به فتأمل هذه المسألة في القدر والأمر وانقسام العالم فيها إلى هذه الأقسام الخمسة وبالله التوفيق فحركات العالم العلوي والسفلي وما فيهما موافقة للأمر إما الأمر الديني الذي يحبه الله ويرضاه وإما الأمر الكوني الذي قدره وقضاه وهو سبحانه لم يقدره سدى ولا قضاه عبثا بل لما فيه من الحكمة والغايات الحميدة وما يترتب عليه من أمور يحب غاياتها وإن كره أسبابها ومادئها فإنه سبحانه وتعالى يحب المغفرة وإن كره معاصي عباده ويحب الستر وإن كره ما يستر عبده عليه ويحب العتق وإن كره السبب الذي يعتق عليه من النار ويحب العفو كما في الحديث (أللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) وإن كره ما يعفو عنه من الأوزار ويحب التوابين وتوبتبهم وإن كره معاصيهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 63 التي يتوبون إليه منها منها ويحب الجهاد وأهله بل هم أحب خلقه إليه وإن كره أفعال من يجاهدونه وهذا باب واسع قد فتح لك فادخل منه يطلعك على رياض من المعرفة مونقة مات من فاتته بحسرتها وبالله التوفيق وهذا موضع يضيق عنه عدة أسفار واللبيب يدخل إليه من بابه وسر هذا الباب أنه سبحانه كامل في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو يحب أسماءه وصفاته ويحب ظهور آثارها في خلقه فإن ذلك من لوازم كماله فإنه سبحانه وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلماء جواد يحب الأجواد قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف حيي يحب أهل الحياء وفي يحب أهل الوفاء شكور يحب الشاكرين صادق يحب الصادقين محسن يحب المحسنين فإذا كان يحب العفو والمغفرة والحلم والصفح والستر لم يكن بد من تقديره للأسباب التي تظهر آثار هذه الصفات فيها ويستدل بها عباده على كما أسمائه وصفاته ويكون ذلك أدعى لهم إلى محبته وحمده وتمجيده والثناء عليه بما هو أهله فتحصل الغاية التي خلق لها الخلق وإن فاتت من بعضهم فذلك لفوات سبب لكمالها وظهورها فتضمن ذلك الفوات المكروه له أمرا هو أحب إليه من عدمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل وهذا ينكشف يوم القيامة للخليفة بأجمعهم حين يجمعهم في صعيد واحد ويوصل إلى كل نفس ما ينبغي إيصاله إليها من الخير والشر واللذة والألم حتى مثقال الذرة ويوصل كل نفس إلى غاياتها التي تشهد هي أنها أولى بها فحينئذ ينطق الكون الجزء: 1 ¦ الصفحة: 64 بأجمعه بحمده تبارك وتعالى قالا وحالا كما قال سبحانه وتعالى {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فحذف فاعل القول لأنه غير معين بل كل أحد يحمده على ذلك الحكم الذي حكم فيه فيحمده أهل السموات وأهل الأرض والأبرار والفجار والإنس والجن حتى أهل النار قال الحسن أو غيره لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلا وهذا والله أعلم هو السر الذي حذف لأجله الفاعل في قوله {ِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} وقوله {وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم والله تعالى أعلم بالصواب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 65 الباب الخامس:في دواعي المحبة ومتعلقها الداعي قد يراد به الشعور الذي تتبعه الإرادة والميل فذلك قائم بالمحب وقد يراد به السبب الذي لأجله وجدت المحبة وتعلقت به وذلك قائم بالمحبوب ونحن نريد بالداعي مجموع الأمرين وهو ما قام بالمحبوب من الصفات التي تدعو إلى محبته وما قام بالمحب من الشعور بها والموافقة التي بين المحب والمحبوب وهي الرابطة بينهما وتسمى بين المخلوق والمخلوق مناسبة وملاءمة فها هنا أمور وصف المحبوب وجماله وشعور المحب به والمناسبة وهي العلاقة والملاءمة التي بين المحب والمحبوب فمتى قويت الثلاثة وكملت قويت المحبة واستحكمت ونقصان المحبة وضفعها بحسب ضعف هذه الثلاثة أو نقصها فمتى كان المحبوب في غاية الجمال وشعور المحب بجماله أتم شعور والمناسبة التي بين الروحين قوية فذلك الحب اللازم الدائم وقد يكون الجمال في نفسه ناقصا لكن هو في عين المحب كامل فتكون قوة محبته بحسب ذلك الجمال عنده فإن حبك للشيء يعمي ويصم فلا يرى المحب أحدا أحسن من محبوبه كما يحكى أن عزة دخلت على الحجاج فقال لها يا عزة والله ما أنت كما قال فيك كثير فقالت أيها الأمير إنه لم يرني بالعين التي رأيتني بها ولا ريب أن المحبوب أحلى في عين محبه وأكبر في صدره من غيره وقد أفصح بهذا القائل في قوله فوالله ما أدري أزيدت ملاحة ... وحسنا على النسوان أم ليس لي عقل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 66 وقد يكون الجمال موفرا لكنه ناقص الشعور به فتضعف محبته لذلك فلو كشف له عن حقيقته لأسر قلبه ولهذا أمر النساء بستر وجوههن عن الرجال فإن ظهور الوجه يسفر عن كمال المحاسن فيقع الافتتان ولهذا شرع للخاطب أن ينظر إلى المخطوبة فإنه إذا شاهد حسنها وجمالها كان ذلك أدعى إلى حصول المحبة والألفة بينهما كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما أي يلأم ويوافق ويصلح ومنه الأدام الذي يصلح به الخبز وإذا وجد ذلك كله وانتفت المناسبة والعلاقة التي بينهما لم تستحكم المحبة وربما لم تقع البتة فإن التناسب الذي بين الأرواح من أقوى أسباب المحبة فكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه وهذه المناسبة نوعان أصلية من أصل الخلقة وعارضة بسبب المجاورة أو الاشتراك في أمر من الأمور فإن من ناسب قصدك قصده حصل التوافق بين روحك وروحه فإذا اختلف القصد زال التوافق فأما التناسب الأصلي فهو اتفاق أخلاق وتشاكل أرواح وشوق كل نفس إلى مشاكلها فإن شبه الشيء ينجذب إليه بالطبع فتكون الروحان متشاكلتين في أصل الخلقة فتنجذب إليه بالطبع فتكون الروحان متشاكلتين في أصل الخلقة فتنجذب كل منهما إلى الأخرى بالطبع وقد يقع الانجذاب والميل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 67 بالخاصية وهذا لا يعلل ولا يعرف سببه كانجذاب الحديد إلى الحجر المغناطيس ولا ريب أن وقوع هذا القدر بين الأرواح أعظم من وقوعه بين الجمادات كما قيل محاسنها هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال وهذا الذي حمل بعض الناس على أن قال إن العشق لا يقف على الحسن والجمال ولا يلزم من عدمه عدمه وإنما هو تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة كما قيل وما الحب من حسن ولا من ملاحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف قال هذا القائل فحقيقته انه مرآة يبصر فيها المحب طباعة ورقته في صورة محبوبة ففي الحقيقة لم يحب إلا نفسه وطباعه ومشاكله قال بعضهم لمحبوبه صادفت فيك جوهر نفسي ومشاكلتها في كل أحوالها فانبعثت نفسي نحوك وانقادت إليك وإنما هويت نفسي وهذا صحيح من وجه فإن المناسبة علة الضم شرعا وقدرا وشاهد هذا بالاعتبار أن أحب الأغذية إلى الحيوان ما كان أشبه بجوهر بدنه وأكثر مناسبة له وكلما قويت المناسبة بين الغاذي والغذاء كان ميل النفس إليه أكثر وكلما بعدت المناسبة حصلت النفرة عنه ولا ريب أن هذا قدر زائد على مجرد الحسن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 68 والجمال ولهذا كانت النفوس الشريفة الزكية العلوية تعشق صفات الكمال بالذات فأحب شيء إليها العلم والشجاعة والعفة والجود والإحسان والصبر والثبات لمناسبة هذه الأوصاف لجوهرها بخلاف النفوس اللئيمة الدنية فإنها بمعزل عن محبة هذه الصفات وكثير من الناس يحمله على الجود والإحسان فرط عشقه ومحبته له واللذة التي يجدها في بذله كما قال المأمون لقد حبب إلي العفو حتى خشيت أن لا أؤجر عليه وقيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى تعلمت هذا العلم لله فقال أما لله فعزيز ولكن شيء حبب إلي ففعلته وقال آخر إني لأفرح بالعطاء وألتذ به أكثر وأعظم مما يفرح الآخذ بما يأخذه مني وفي هذا قيل في مدح بعض الكرماء من أبيات وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهتز عند البارح الغصن الرطب وقال شاعر الحماسة تراه إذا ماجئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله وكثير من الأجواد يعشق الجود أعظم عشق فلا يصبر عنه مع حاجته إلى ما يجود به ولا يقبل فيه عذل عاذل ولا تأخذه فيه لومة لائم وأما عشاق العلم فأعظم شغفا به وعشقا له من كل عاشق بمعشوقه وكثير منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر وقيل لامرأة الزبير بن بكار أو غيره هنيئا لك إذ ليست لك ضرة فقالت والله لهذه الكتب أضر علي من عدة ضرائر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 69 وحدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن تيمية عن أبيه قال كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى اسمع وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه فإذا وجد إفاقة قرأ فيه فإذا غلب وضعه فدخل عليه الطبيب يوما وهو كذلك فقال إن هذا لا يحل لك فإنك تعين على نفسك وتكون سببا لفوات مطلوبك وحدثني شيخنا قال ابتدأني مرض فقال لي الطبيب إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض فقلت له لا أصبر على ذلك وأنا أحاكمك إلى علمك أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة فدفعت المرض فقال بلى فقلت له فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة فقال هذا خارج عن علاجنا أو كما قال فعشق صفات الكمال من أنفع العشق وأعلاه وإنما يكون بالمناسبة التي بين الروح وتلك الصفات ولهذا كان أعلى الأرواح وأشرفها أعلاها وأشرفها معشوقا كما قيل أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي فإذا كانت المحبة بالمشاكلة والمناسبة ثبتت وتمكنت ولم يزلها إلا مانع أقوى من السبب وإذا لم تكن بالمشاكلة فإنما هي محبة لغرض من الأغراض تزول عند انقضائه وتضمحل فمن أحبك لأمر ولى عند انقضائه فداعى المحبة وباعثها إن كان غرضا للمحب لم يكن لمحبته بقاء وإن كان أمرا قائما بالمحبوب سريع الزوال والانتقال زالت محبته بزواله وإن كان صفة لازمة فمحبته باقية ببقاء داعيها مالم يارضه يعارضه يوجب زوالها وهو إما تغير حال في المحب أو أذى من المحبوب فإن الأذى إما أن يضعف المحبة أو يزيلها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 70 قال الشاعر خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذ اجتمعا لم يلبث الحب يذهب وهذا موضع انقسم المحبون فيه قسمين ففرقة قالت ليس بحب صحيح ما يزيله الأذى بل علامة الحب الصحيح أنه لا ينقص بالجفوة ولا يذهبه أذى قالوا بل المحب يلتذ بأذى محبوبه له كما قال أبو الشيص وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كن حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم فهذا هو الحب على الحقيقة فإنه متضمن لغاية الموافقة بحيث قد اتخذ مراده ومراد محبوبه من نفسه فأهان نفسه موافقة لإهانة محبوبه له وأحب أعداءه لما أشبههم محبوبه في أذاه وهذا وإن كانت الطباع تأباه لكنه موجب الحب التام ومقتضاه وقالت فرقة بل الأذى مزيل للحب فإن الطباع مجبولة على كراهة من يؤذيها كما أن القلوب مجبولة على حب من يحسن إليها وما ذكره أولئك فدعوى منهم والإنصاف أن يقال يجتمع في القلب بغض أذى الحبيب وكراهته ومحبته من وجه آخر فيحبه ويبغض أذاه وهذا هو الواقع والغالب منها يوارى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 71 المغلوب ويبقى الحكم له وقد كشف عن بعض هذا المعنى الشاعر في قوله ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضا لك أو مدن لنا من وصالك لقدمت رجلى نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلة من ضلالك وإن ساءني أن نلتني بمساءة ... فقد سرني أني خطرت ببالك فهذا قد أنصف حيث أخبر أنه يسوؤه أن يناله محبوبه بمساءة ويسره خطوره بباله لا كمن ادعى انه يلتذ بأذى محبوبه له فإن هذا خارج عن الطباع اللهم إلا أن يكون ذلك الأذى وسيلة إلى رضى المحبوب وقربه فإنه يلتذ به إذا لاحظ غايته وعاقبته فهذا يقع وقد أخبرني بعض الأطباء قال إني ألتذ بالدواء الكريه إذا علمت ما يحصل به من الشفاء وأضعه على لساني وأترشفه محبة له ومن هذا التذاذ المحبين بالمشاق التي توصلهم إلى وصال محبوبهم وقربه وكلما ذكروا روح الوصال وأن ما هم فيه طريق موصل إليه لذ لهم مقاساته وطاب لهم تحمله كما قال الشاعر لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حادي إذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح اللقاء فتقوى عند ميعاد والمقصود أن المحبة تستدعي مشاكلة ومناسبة وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها أن امرأة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 72 كانت تدخل على قريش فتضحكهم فقدمت المدينة فنزلت على امرأة تضحك الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم على من نزلت فلانة فالت على فلانة المضحكة فقال الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف وأصل الحديث في الصحيح وذكر لبقراط رجل من أهل النقص يحبه فاغتم لذلك وقال ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه وأخذا المتنبي هذا المعنى فقلبه وأجاد فقال وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل وقال بعض الأطباء العشق امتزاج الروح بالورح لما بينهما من التناسب والتشاكل فإذا امتزج الماء بالماء امتنع تخليص بعضه من بعض ولذلك تبلغ المحبة بين الشخصين حتى يتألم أحدهما بتألم الآخر ويسقم بسقمه وهو لا يشعر ويذكر أن رجلا كان يحب شخصا فمرض فدخل عليه أصحابه يعودونه فوجدوا به خفة فانبسط معهم وقال من أين جئتم قالوا من عند فلان عدناه فقال أو كان عليلا قالوا نعم وقد عوفي فقال والله لقد أنكرت علتي هذه ولم أعرف لها سببا غير أني توهمت أن ذلك لعلة نالت بعض من أحب ولقد وجدت في يومي هذا راحة ففرحت طمعا أن يكون الله سبحانه وتعالى شفاه ثم دعا بدواة فكتب إلى محبوبه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 73 إني حممت ولم أشعر بحماك ... حتى تحدث عوادي بشكواك فقلت ما كانت الحمى لتطرقني ... من غير ما سبب إلا لحماك وخصلة كنت فيها غير متهم ... عافاني الله منها حين عافاك حتى اتفقت نفسي ونفسك في ... هذا وذاك وفي هذا وفي ذاك ويحكى أن رجلا مرض من يحبه فعاده المحب فمرض من وقته فعوفي محبوبه فجاء يعوده فلما رآه عوفي من وقته وأنشد مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من حذري عليه وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه وأنت إذا تأملت الوجود لا تكاد تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما مشاكلةأو اتفاق في فعل أو حال أو مقصد فإذا تباينت المقاصد والأوصاف والأفعال والطرائق لم يكن هناك إلا النفرة والبعد بين القلوب ويكفي في هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فإنقيل فهذا الذي ذكرتم يقتضي أنه إذا أحب شخص شخصا أن يزن الآخر يحبه فيشتركان في المحبة والواقع يشهد بخلافه فكم من محب غير محبوب بل بسيف البغض مضروب قيل قد اختلف الناس في جواب هذا السؤال فأما أبو محمد بن حزم فإنه قال الذي أذهب إليه أن العشق اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخلقة في أصل عنصرها الرفيع لا على الجزء: 1 ¦ الصفحة: 74 ما حكاه محمد بن داود عن بعض أهل الفلسفة أن الأرواح أكر مقسومة لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي ومجاورتها في هيئة تركيبها وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال فالشكل إنما يستدعي شكله والمثل إلى مثله ساكن وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد والنزاع فيما تشابه موجود بيننا فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة والنفار والله تعالى {يقول هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} فجعل علة السكون أنها منه ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب أن لا يستحسن الأنقص من الصور ونحن نجد كثيرا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فلضل غيره ولا يجد محيدا لقلبه عنه ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه فعلمنا أنه شيء في ذات النفس وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب وتلك تفنى بفناء سببها قال ومما يؤكد هذا القول أننا قد علمنا أن المحبة ضروب فأفضلها محبة المتحابين في الله عز وجل إما لاجتهاد في العمل وإما لاتفاق في أصل المذهب وإما لفضل علم يمنحه الإنسان ومحبة القرابة ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب ومحبة التصاحب والمعرفة ومحبة لبر يضعه المرء عند أخيه ومحبة لطمع في جاه المحبوب ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره الجزء: 1 ¦ الصفحة: 75 ومحبة لبلوغ اللذة وقضاء الوطر ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس وكل هذه الأجناس فمنقضية مع انقضاء عللها وزائدة بزيادتها وناقصة بنقصانها متأكدة بدنوها فاترة ببعدها حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس ثم أورد هذا السؤال قال والجواب أن نفس الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء الذي كان متصلا بها قبل حلولها حيث هي ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة طالبة له قاصدة إليه باحثة عنه مشتهية لملاقاته جاذبة له لو أمكنها كالمغناطيس والحديد وكالنار في الحجر وأجابت طائفة أخرى أن الأرواح خلقت على هيئة الكرة ثم قسمت فأي روحين تلاقيتا هناك وتجاورتا تألفتا في هذا العالم وتحابتا وإن تنافرتا هناك تنافرتا هنا وإن تألفتا من وجه وتنافرتا من وجه كانتا كذلك ها هنا وهذا الجواب مبني على الأصل الفاسد الذي أصله هؤلاء أن الأرواح موجودة قبل الأجساد وأنها كانت متعارفة متجاورة هناك تتلاقى وتتعارف وهذا خطأ بل الصحيح الذي دل عليه الشرع والعقل أن الأرواح مخلوقة مع الأجساد وأن الملك الموكل بنفخ الروح في الجسد ينفخ فيه الروح إذا مضى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 76 على النطفة أربعة أشهر ودخلت في الخامس وذلك أول حدوث الروح فيه ومن قال إنها مخلوقة قبل ذلك فقد غلط وأقبح منه قول من قال إنها قديمة أو توقف في ذلك بل الصواب في الجواب أن يقال إن المحبة كما تقدم قسمان محبة عرضية غرضية فهذه لا يجب الاشتراك فيها بل يقارنها مقت المحبوب وبغضه للمحب كثيرا إلا إذا كان له معه غرض نظير غرضه فإنه يحبه لغرضه منه كما يكون بين الرجل والمرأة اللذين لكل منهما غرض مع صاحبه والقسم الثاني محبة روحانية سببها المشاكلة والاتفاق بين الروحين فهذه لا تكون إلا من الجانبين ولا بد فلو فتش المحب المحبة الصادقة قلب المحبوب لوجد عنده من محبته نظير ما عنده أو دونه أو فوقه فصل وإذا كانت المحبة من الجانبين استراح بها كل واحد من المحبين وسكن ذلك بعض ما به وعده نوعا من الوصال وقالت امرأة من العرب حججت ولم أحجج لذنب عملته ... ولكن لتعديني على قاطع الحبل ذهبت بعقلي في هواه صغيره ... وقد كبرت سني فرد به عقلي وإلا فسو الحب بيني وبينه ... فإنك يا مولاي توصف بالعدل وقال آخر فيا رب أشغلها بحبي كما بها ... شغلت فؤادي كي يخف الذي بيا وقالت امرأة تعاتب بعلها أسأل الذي قسم بين العباد معايشهم أن يقسم الحب بيني وبينك ثم أنشدت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 77 أدعو الذي صرف الهوى ... مني إليك ومنك عني أن يبتليك بما ابتلا ... ني أو يسل الحب مني وقال آخر فيا رب إن لم تقسم الحب بيننا ... بشطرين فاجعلني على هجرها جلدا وأعقبني السلوان عنها ورد لي ... فؤادي من سلمى أثبك به حمدا وقال أبو الهذيل العلاف لا يجوز في دور الفلك ولا في تركيب الطبائع ولا في الواجب ولا في الممكن أن يكون محب ليس لمحبوبه إليه ميل وإلى هذا المذهب ذهب أبو العباس الناشىء حيث يقول عيناك شاهدتان أنك من ... حر الهوى تجدين ما أجد بك ما بنا لكن على مضض ... تتجلدين وما بنا جلد وقال أبو عيينه تبيت بنا تهذي وأهذى بذكرها ... كلانا يقاسي الليل وهو مسهد وما رقدت إلا رأتني ضجيعها ... كذاك أراها في الكرى حين أرقد تقر بذنبي حين أغفو ونلتقي ... وأسألها يقظان عنه فتجحد كلانا سواء في الهوى غير أنها ... تجلد أحيانا وما لي تجلد وقال عروة بن أذينة إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها فبك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لصاحبه الصبابة كلها فإذا تشاكلت النفوس وتمازجت الأرواح وتفاعلت تفاعلت عنها الأبدان وطلبت نظير الامتزاج والجوار الذي بين الأرواح فإن البدن آلة الروح ومركبه وبهذا ركب الله سبحانه شهوة الجماع بين الذكر والأنثى طلبا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 78 .. للامتزاج والاختلاط بين البدنين كما هو بين الروحين ولهذا يسمى جماعا وخلاطا ونكاحا وإفضاء لأن كل واحد منهما يفضي إلى صاحبه فيزول الفضاء بينهما فإن قيل فهذا يوجب تأكد الحب بالجماع وقوته به والواقع خلافه فإن الجماع يطفىء نار المحبة ويبرد حرارتها ويسكن نفس المحب قيل الناس مختلفون في هذا فمنهم من يكون بعد الجماع أقوى محبة وأمكن وأثبت مما قبله ويكون بمنزلة من وصف له شيء ملائم فأحبه فلما ذاقه كان له اشد محبة وإليه أشد اشتياقا وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عروج الملائكة إلى ربهم أنه سبحانه يسألهم عن عباده وهو أعلم بهم فيقولون إنهم يسبحونك ويحمدونك ويقدسونك فيقول وهل رأوني فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوني تقول الملائكة لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا وتقديسا وتمجيدا ثم يقولون ويسألونك الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فتقول الملائكة لو رأوها لكانوا أشد لها طالبا وذكر الحديث ومعلوم أن محبة من ذاق الشيء الملائم وعدم صبره عنه أقوى من محبة من لم يذقه بل نفسه مفطومة عنه والمودة التي بين الزوجين والمحبة بعد الجماع أعظم من التي كانت قبله والسبب الطبيعي أن شهوة القلب ممتزجة بلذة العين فإذا رأت العين اشتهى القلب فإذا باشر الجسم الجسم اجتمع شهوة القلب ولذة العين ولذة المباشرة فإذا فارق هذه الحال كان نزاع نفسه إليها أشد وشوقه إليها أعظم كما قيل وأكثر ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار الجزء: 1 ¦ الصفحة: 79 ولذلك يتضاعف الألم والحسرة على من راى محبوبه أو باشره ثم حيل بينه وبينه فتضاعف ألمه وحسرته في مقابلة مضاعفة لذة من عاوده وهذا في جانب المرأة أقوى فإنها إذا ذاقت عسيلة الرجل ولا سيما أول عسيلة لم تكد تصبر عنه بعد ذلك قال أيمن بن خريم يميت العتاب ط خلاالنساء ... ويحي اجتناب الخلاط العتابا وتزوج زهير بن مسكين الفهري جارية ولم يكن عنده ما يرضيها به فلما أمكنته من نفسها لم تر عنده ما ترضى به فذهبت ولم تعد فقال في ذلك أشعارا كثيرة منها تقول وقد قبلتها ألف قبلة ... كفاك أما شيء لديك سوى القبل فقلت لها حب على القلب حفظه ... وطول بكاء تستفيض له المقل فقالت لعمر الله ما لذة الفتى ... من الحب في قول يخالفه الفعل وقال آخر رأت حبي سعاد بلا جماع ... فقالت حبلنا حبل انقطاع ولست أريد حبا ليس فيه ... متاع منك يدخل في متاعي فلو قبلتني ألفا وألفا ... لما أرضيت إلا بالجماع إذا ما الصب لم يك ذا جماع ... يرى المحبوب كالشيء المضاع جماع الصب غاية كل أنثى ... وداعية لأهل العشق داعي فقلت لها وقد ولت تعالي ... فإنك بعد هذا لن تراعي وإنك لو سألت بقاء يوم ... خلي عن جماعك لن تطاعي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 80 فقالت مرحبا بفتى كريم ... ولا أهلا بذي الخنع اليراع إذا ما البعل لم يك ذا جماع ... يرى في البيت من سقط المتاع وقال آخر ولما شكوت الحب قالت كذبتني ... فكم زورة مني قصدتك خاليا فما حل فيها من إزار للذة ... قعدت وحاجات الفؤاد كما هيا وهل راحة للمرء في ورد منهل ... ويرجع بعد الورد ظمآن صاديا وقال العباس بن الأحنف لم يصف وصل لمعشوقين لم يذقا ... وصلا يجل على كل اللذاذات وقال هدبة بن الخشرم والله ما يشفي الفؤاد الهائما ... نفث الرقى وعقدك التمائما ولا الحديث دون أن تلازما ... ولا اللزام دون أن تفاعما ولا الفعام دون أن تفاقما ... وتعلو القوائم القوائما وقال آخر قولا لعاتكة التي ... في نظرة قضت الوطر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 81 إني أريدك للنكاح ... ولا أريدك للنظر لو كان هذا مقنعي ... لقنعت عنها بالقمر وقال آخر دواء الحب تقبيل وشم ... ووضع للبطون على البطون ورهز تذرف العينان منه ... وأخذ بالمناكب والقرون وقالت امرأة وقد طلبت منها المحادثة ليس بهذا أمرتني أمي ... ولا بتقبيل ولا بشم لكن جماعا قد يسلي همي ... يسقط منه خاتمي في كمي وقد كشف الشاعر سبب ذلك حيث يقول لو ضم صب إلفه! ألفا لما ... أجدى وزادت لوعة وغرام أرواحهم من قبل ذاك تألفت ... فتألفت من بعدها الأجسام وقال المؤلف سألت فقيه الحب عن علة الهوى ... وقلت له أشكو إلى الشيخ حاليا فقال دواء الحب أن تلصق الحشا ... بأحشاء من تهوى إذا كنت خاليا وتتحدا من بعد ذاك تعانقا ... وتلثمه حتى يرى لك ناهيا فتقضي حاجات الفؤاد بأسرها ... على الأمن ما دام الحبيب مؤاتيا إذا كان هذا في حلال فحبذا ... وصالبه الرحمن تلقاه راضيا وإن كان هذا في حرام فإنه ... عذاب به تلقى العنا والمكاويا قال هؤلاء ولا يستحكم الحب إلا بعد أن يشق الرجل رداءه وتشق المرأة المعشوقة برقعها كما قال الشاعر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 82 إذا شق برد شق بالبرد برقع ... دواليك حتى كلنا غير لانس فكم قد شققنا من رداء محبر ... ومن برقع عن طفلة غير عانس ولما بلغ بعض الظرفاء قول المأمون ما الحب إلا قبلة الأبيات قال كذب المأمون ثم قال وباض الحب في قلبي ... فوا ويلا إذا فرخ وما ينفعني حبي ... إذا لم أكنس البربخ وإن لم يضع الأصل ... ع خرجيه على المطبخ وقال ابن الرومي أعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تداني وألثم فاها كي تزول صبابثي ... فيشتد ما ألقى من الهيمان ولم يك مقدار الذي بي من الجوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان كأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن أرى الروحين تمتزجان وقال الطبراني في معجمه الأوسط حدثنا بكر بن سهل حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا يتيمة قد خطبها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 83 رجلان موسر ومعسر وهي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر فقال لم ير للمتحابين مثل التزويج قال أبو القاسم الطبراني لم يروه عن طاوس إلا إبراهيم ولا رواه عن إبراهيم إلا محمد بن مسلم وسفيان الثوري تفرد به مؤمل بن إسماعيل عن الثوري انتهى وقد رواه أبو الفرج بن الجوزي من حديث حسان بن بشر حدثنا أحمد بن حرب حدثنا ابن عيينة حدثنا عمرو عن جابر فذكره وقال المعافى بن عمران حدثنا إبراهيم بن يزيد عن سليمان بن موسى عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما وحدثنا علي بن حرب الطائي حدثنا ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس وذكره الدارقطني في كتاب الغرائب وقالتفرد به يزيد ابن مروان عن عمرو بن هرون عن عثمان بن الأسود المكي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس وقالت هند بنت المهلب ما رأيت لصالحي النساء وشرارهن خيرا من إلحاقهن بمن يسكن إليه من الرجال ولرب مسكون إليه غير طائل والسكن على كل حال أوفق وذكر الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه أربع لا يشبعن من أربع أرض من مطر وأنثى من ذكر وعين من نظر وعالم من علم وهذا باطل قطعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كثير عن أبي هريرة رضي الله عنه وذكر الطبراني في معجمه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 84 الأوسط من حديث ابن عمر يرفعه فضل ما بين لذة المرأة ولذة الرجل كأثر المخيط في الطين إلا أن الله سترهن بالحياء وقال لم يروه عن ليث إلا أبو المسيب سلم بن سلام عن سويد عن عبد الله بن أسامة عن يعقوب ابن خالد عن عطاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قلت وهذا أيضا لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده مظلم لا يحتج بمثله فصل ورأت طائفة أن الجماع يفسد العشق ويبطله أو يضعفه واحتجت بأمور منها أن الجماع هو الغاية التي تطلب بالعشق فما دام العاشق طالبا فعشقه ثابت فإذا وصل إلى الغاية قضى وطره وبردت حرارة طلبه وطفئت نار عشقه قالوا وهذا شأن كل طالب لشيء إذا ظفر به كالظمآن إذا روي والجائع إذا شبع فلا معنى للطلب بعد الظفر ومنها أن سبب العشق فكري وكلما قوي الفكر زاد العشق وبعد الوصول لا يبقى الفكر ومنها أنه قبل الظفر ممنوع والنفس مولعة بحب ما منعت منه كما قال وزادني كلفا في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا وقال الآخر لولا طراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا قالوا وكانت الجاهلية الجهلاء في كفرهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وكانوا يصونون العشق عن الجماع كما ذكر أن أعرابيا علق امرأة فكان الجزء: 1 ¦ الصفحة: 85 يأتيها سنين وما جرى بينهما ريبة قال فرأيت ليلة بياض كفها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يدها فقالت مه لا تفسد ما صلح فإنه ما نكح حب إلا فسد فأخذ ذلك المأمون فقال ما الحب إلا نظرة ... وغمز كف وعضد أو كتب فيها رقى ... أجل من نفث العقد ما الحب إلا هكذا ... إن نكح الحب فسد من كان هذا حبه ... فإنما يبغي الولد وهوي آخر امرأة فدام الحال بينهما في اجتماع وحديث ونظر ثم إنه جامعها فقطعت الوصل بينهما فقال لو لم أواقع دام لي وصلها ... فليتني لا كنت واقعتها وقيل لآخر شكا فراق محبوبة له أكثرت من وطئها والوطء مسأمة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود وذكر عمر بن شبة عن بعض علماء أهل المدينة قال كان الرجل يحب الفتاة فإذا ظفر بها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار واليوم يشير إليها وتشير إليه فيعدها وتعده فإذا التقيا لم يشك حبا ولم ينشد شعرا وقام إليها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة رضي الله عنه لم يخط من داخل الدهليز منصرفا ... إلا وخلخالها قد قارب الساقا قال الأصمعي قلت لأعرابية ما تعدون العشق فيكم قالت العناق والضمة والغمزة والمحادثة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 86 ثم قالت يا حضري فكيف هو عندكم قلت يقعد بين شعبها الأربع ثم يجهدها قالت يا ابن أخي ما هذا عاشق هذا طالب ولد وسئل أعرابي عن ذلك فقال مص الريق ولثم الشفة والأخذ من أطايب الحديث فكيف هو فيكم أيها الحضري فقال العفس الشديد والجمع بين الركبة والوريد ورهز يوقظ النائم ويشفي القلب الهائم فقال بالله ما يفعل هذا العدو الشديد فكيف الحبيب الودود وقال بعضهم الحب يطيب بالنظر ويفسد بالغمز قال هؤلاء والحب الصحيح يوجب إعظام المحبوب وإجلاله والحياء منه فلا تطاوع نفسه أن يلقي جلباب الحياء عند محبوبه وأن يلقيه عنه ففي ذلك غاية إذلاله وقهره كما قيل إذا كان حظ المرء ممن يحبه ... حراما فحظي ما يحل ويجمل حديث كماء المزن بين فصوله ... عتاب به حسن الحديث يفصل ولثم فم عذب اللثات كأنما ... جناهن شهد فت فيه القرنفل وما العشق إلا عفة ونزاهة ... وأنس قلوب أنسهن التغزل وإني لأستحيي الحبيب من التي ... تريب وأدعى للجميل فأحمل وزعم بعضهم أنه كان يشرط بين العشيقة والعاشق أن له من نصفها الأعلى إلى سرتها ينال منه ما يشاء من ضم وتقبيل ورشف والنصف الأسفل يحرم عليه وفي ذلك قال شاعر القوم فللحب شطر مطلق من عقاله ... وللبعل شطر ما يرام منيع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 87 وقال الآخر لها شطر فمن حل وبل ... ونصف كالبحيرة ما يهاج وهذا كان من دين الجاهلية فأبطلته الشريعة وجعلت الشطرين كليهما للبعل والشعراء قاطبة لا يرون بالمحادثة والنظر للأجنبيات بأسا وهو مخالف للشرع العقل فإن فيه تعريضا للطبع لما هو مجبول على الميل إليه والطبع يسرق ويغلب وكم من مفتون بذلك في دينه ودنياه فإن قيل فقد أنشد الحاكم في مناقب الشافعي له يقولون لا تنظر وتلك بلية ... ألا كل ذي عينين لا بد ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بين ذاك الضمائر فإن صحت عن الشافعي فإنما أراد النظر الذي لا يدخل تحت التكليف كنظرة الفجأة أو النظر المباح وقد ذهب أبو بكر محمد بن داود الأصفهاني إلى جواز النظر إلى من لا يحل له كما سيأتي كلامه إن شاء الله تعالى قال أبو الفرج بن الجوزي وأخطأ في ذلك وجر عليه خطؤه اشتهاره بين الناس وافتضاحه وذهب أبو محمد بن حزم إلى جواز العشق للأجنبية من غير ريبة وأخطأ في ذلك خطأ ظاهرا فإن ذريعة العشق أعظم من ذريعة النظر وإذا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 88 كان الشرع قد حرم النظر لما يؤدي إليه من المفاسد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فكيف يجوز تعاطي عشق الرجل لمن لا يحل له والمقصود أن هذه الفرقة رأت أن الجماع يفسد العشق فغارت عليه مما يفسده وإن لم تتركه ديانة وقيل لبعض الأعراب ما ينال أحدكم من عشيقته إذا خلي بها قال اللمس والقبل وما يشاكلها قال فهل يتطاولان إلى الجماع فقال بأبي وأمي ليس هذا بعاشق هذا طالب ولد ويحكى أن رجلا عشق امرأة فقالت له يوما أنت صحيح الحب غير سقيمه وكانوا يسمون الحب على الخنا الحب السقيم فقال نعم فقالت اذهب بنا إلى المنزل فما هو إلا أن حصلت في منزله فلم يكن له همة غير جماعها فقالت له وهو كذلك أسرفت في وطئنا والوطء مقطعة ... فارفق بنفسك إن الرفق محمود فقال لها وهو على حاله لو لم أطأك لما دامت محبتنا ... لكن فعلى هذا فعل مجهود فنفرت من تحته وقالت يا خبيث أراك خلاف ما قلت من صحة الحب ولم تجعل جماعي إلا سببا لذهاب حبك والله لا ضمني وإياك سقف أبدا وسيأتي تمام الكلام في هذا في باب عفاف المحبين إن شاء الله تعالى فصل الخطاب بين الفريقين أن الجماع الحرام يفسد الحب ولا بد أن تنتهي المحبة بينهما إلى المعاداة والتباغض والقلى كما هو مشاهد بالعيان فكل محبة لغير الله آخرها قلى وبغض فكيف إذا قارنها ما هو من أكبر الكبائر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 89 وهذه عدواة بين يدي العداوة الكبرى التي قال الله تعالى فيها {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} وسنذكر إن شاء الله تعالى من ظفر بمحبوبه وترك قضاء وطره منه رغبة في بقاء محبته وخشية أن تنقلب قلى وبغضا في الباب الموعود به فإن ذلك أليق به وأما الجماع المباح فإنه يزيد الحب إذا صادف مراد المحب فإنه إذا ذاق لذته وطعمه أوجب له ذلك رغبة أخرى لم تكن حاصلة قبل الذوق ولهذا لا يكاد البكران يصبر أحدهما عن الآخر هذا ما لم يعرض للحب ما يفسده ويوجب نقله إلى غير المحبوب وأما ما احتج به الآخرون فجوابه أن الشهوة والإرادة لم تطفأ نارها بالكلية بل فترت شهوة ذلك الوقت ثم تعود أمثالها وإنما يظهر هذا إذا غاب أحدهما عن حبيبه وإلا فما دام بمرأى منه وهو قادر عليه متى أحب فإن النفس تسكن بذلك وتطمئن به وهذا حال كل من كان بحضرته ما يحتاج إليه من طعام وشراب ولباس وهو قادر عليه فإن نفسه تسكن عنده فإذا حيل بينه وبينه اشتد طلبه له ونزاع نفسه إليه على أن المحب للشيء متى أفرط في تناول محبوبه نفرت نفسه منه وربما انقلبت محبته كراهية وسيأتي مزيد بيان لهذا في باب سلو المحبين إن شاء الله تعالى فصل: ودواعي الحب من المحبوب جماله إما الظاهر أو الباطن أو هما معا فمتى كان جميل الصورة جميل الأخلاق والشيم والأوصاف كان الداعي منه أقوى وداعي الحب من المحب أربعة أشياء أولها النظر إما بالعين أو بالقلب إذا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 90 وصف له فكثير من الناس يحب غيره ويفنى فيه محبة وما رآه لكن وصف له ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تنعت المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها والحديث في الصحيح الثاني الاستحسان فإن لم يورث نظره استحسانا لم تقع المحبة الثالث الفكر في المنظور وحديث النفس به فإن شغل عنه بغيره مما هو أهم عنده منه لم يعلق حبه بقلبه وإن كان لا يعدم خطرات وسوانح ولهذا قيل العشق حركة قلب فارغ ومتى صادف هذا النظر والاستحسان والفكر قلبا خاليا تمكن منه كما قيل أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا فإن قيل فهل يتوقف على الطمع في الوصول إلى المحبوب أم لا قيل الناس في هذا على أقسام منهم من يعشق الجمال المطلق فقلبه معلق به إن استقلت ركائبه وإن حلت مضاربه وهذا لا يتوقف عشقه على الطمع ومنهم من يعشق الجمال المقيد سواء طمعت نفسه في وصاله أم لم تطمع ومنهم من لا يعشق إلا من طمعت نفسه في وصاله فإن يئس منه لم يعلق حبه بقلبه والأقسام الثلاثة واقعة في الناس فإذا وجد النظر والاستحسان والفكر والطمع هاجت بلابله وأمكن من معشوقه مقاتله واستحكم داؤه وعجز عن الأطباء دواؤه تالله ما أسر الهوى من عاشق ... إلا وعز على النفوس فكاكه وإذا كان النظر مبدأ العشق فحقيق بالمطلق أن لا يعرض نفسه للإسار الدائم بواسطة عينه وإذ قد أفضى بنا الكلام إلى النظر فلنذكر حكمه وغائلته الجزء: 1 ¦ الصفحة: 91 الباب السادس: في أحكام النظر وعائلته وما يجني على صاحبه قال الله تعالى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} الآية فلما كان غض البصر أصلا لحفظ الفرج بدأ بذكره ولما كان تحريمه تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم يعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة لم يأمر سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك عم الأمر بحفظه وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته وفي الصحيح أن الفضل بن عباس رضي الله عنهما كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر من مزدلفة إلى منى فمرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلى الشق الآخر وهذا منع وإنكار بالفعل فلو كان النظر جائزا لأقره عليه وفي الصحيح عنه أنه قال إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 92 أدرك ذلك لا محالة فالعين تزني وزناها النظر واللسان يزني وزناه النطق والرجل تزني وزناها الخطى واليد تزني وزناها البطش والقلب يهوى ويتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه فبدأ بزنى العين لأنه أصل زنى اليد والرجل والقلب ولافرج ونبه بزنى اللسان بالكلام على زنى الفم بالقبل وجعل الفرج مصدقا لذلك إن حقق الفعل أو مكذبا له إن لم يحققه وهذا الحديث من أبين الأشياء على أن العين تعصي بالنظر أن ذلك زناها ففيه رد على من أباح النظر مطلقا وثبت عنه أنه قال يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الثانية ووقعت مسألة ما تقول السادة العلماء في رجل نظر إلى امرأة نظرة فعلق حبها بقلبه واشتد عليه الأمر فقالت له نفسه هذا كله من أول نظرة فلو أعدت النظر إليها لرأيتها دون ما في نفسك فسلوت عنها فهل يجوز له تعمد النظر ثانيا لهذا المعنى فكان الجواب الحمد لله لا يجوز هذا لعشرة أوجه أحدها أن الله سبحانه أمر بغض البصر ولم يجعل شفاء القلب فيما حرمه على العبد الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن نظر الفجأة وقد علم أنه يؤثر في القلب فأمر بمداواته بصرف البصر لا بتكرار النظر الثالث أنه صرح بأن الأولى له وليست له الثانية ومحال أن يكون داؤه مما له ودواؤه فيما ليس له الرابع أن الظاهر قوة الأمر بالنظرة الثانية لا تناقصه والتجربة شاهدة به والظاهر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 93 أن الأمر كما رآه أول مرة فلا تحسن المخاطرة بالإعادة الخامس أنه ربما رأى ما هو فوق الذي في نفسه فزاد عذابه السادس أن إبليس عند قصده للنظرة الثانية يقوم في ركائبه فيزين له ما ليس بحسن لتتم البلية السابع أنه لا يعان على بليته إذا أعرض عن امتثال أوامر الشرع وتداوى بما حرمه عليه بل هو جدير أن تتخلف عنه المعونة الثامن أن النظرة الأولى سهم مسموم من سهام إبليس ومعلوم أن الثانية أشد سما فكيف يتداوى من السم بالسم التاسع أن صاحب هذا المقام في مقام معاملة الحق عز وجل في ترك محبوب كما زعم وهو يريد بالنظرة الثانية أن يتبين حال المنظور إليه فإن لم يكن مرضيا تركه فإذا يكون تركه لأنه لا يلائم غرضه لا لله تعالى فأين معاملة الله سبحانه بترك المحبوب لأجله العاشر يتبين بضرب مثل مطابق للحال وهو أنك إذا ركبت فرسا جديدا فمالت بك إلى درب ضيق لا ينفذ ولا يمكنها تستدير فيه للخروج فإذا همت بالدخول فيه فاكبحها لئلا تدخل فإذا دخلت خطوة أو خطوتين فصح بها وردها إلى وراء عاجلا قبل أن يتمكن دخولها فإن رددتها إلى ورائها سهل الأمر وإن توانيت حتى ولجت وسقتها داخلا ثم قمت تجذبها بذنبها عسر عليك أو تعذر خروجها فهل يقول عاقل إن طريق تخليصها سوقها إلى داخل فكذلك النظرة إذا أثرت في القلب فإن عجل الحازم وحسم المادة من أولها سهل علاجه وإن كرر النظر ونقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب فارغ فنقشها فيه تمكنت المحبة وكلما تواصلت النظرات كانت كالماء يسقي الشجرة فلا تزال شجرة الحب تنمى حتى يفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به فيخرج الجزء: 1 ¦ الصفحة: 94 صاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات والفتن ويلقي القلب في التلف والسبب في هذا أن الناظر التذت عينه بأول نظرة فطلبت المعاودة كأكل الطعام اللذيذ إذا تناول منه لقمة ولو أنه غض أولا لاستراح قلبه وسلم وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فإن السهم شأنه أن يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم فإن بادر استفرغه وإلا قتله ولا بد قال المروذي قلت لأحمد الرجل ينظر إلى المملوكة قال أخاف عليه الفتنة كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل وقال ابن عباس الشيطان من الرجل في ثلاثة في نظره وقلبه وذكره وهو من المرأة في ثلاثة في بصرها وقلبها وعجزها فصل: ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه وأباحته في موضع الحاجة وهذا شأن كل ما حرم تحريم الوسائل فإنه يباح للمصلحة الراجحة كما حرمت الصلاة في أوقات النهي لئلا تكون وسيلة إلى التشبه بالكفار في سجودهم للشمس أبيحت للمصلحة الراجحة كقضاء الفوائت وصلاة الجنازة وفعل ذوات الأسباب على الصحيح وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة يجدها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 95 إلى يوم يلقاه أو كما قال وقال جرير بن عبد الله رضي الله عنهما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري ونظرة الفجأة هي النظرة الأولى التي تقع بغير قصد من الناظر فما لم يعتمده القلب لا يعاقب عليه فإذا نظر الثانية تعمدا أثم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم عند نظرة الفجأة أن يصرف بصره ولا يستديم النظر فإن استدامته كتكريره وأرشد من ابتلي بنظرة الفجأة أن يداويه بإتيان امرأته وقال إن معها مثل الذي معها فإن في ذلك التسلي عن المطلوب بجنسه والثاني أن النظر يثير قوة الشهوة فأمره بتنقيصها بإتيان أهله ففتنة النظر أصل كل فتنة كما ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "اتقوا الدنيا واتقوا النساء" وفي مسند محمد بن إسحاق السراج من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمر" وقال ابن عباس رضي الله عنهما لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء وكفر من بقي من قبل النساء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 96 فصل: وفي غض البصر عدة فوائد أحدها تخليص القلب من ألم الحسرة فإن من أطلق نظره دامت حسرته فأضر شيء على القلب إرسال البصر فإنه يريه ما يشتد طلبه ولا صبر له عنه ولا وصول له إليه وذلك غاية ألمه وعذابه قال الأصمعي رأيت جارية في الطواف كأنها مهاة فجعلت أنظر إليها وأملأ عيني من محاسنها فقالت لي يا هذا ما شأنك قلت وما عليك من النظر فأنشأت تقول وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر والنظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس فإن لم يحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل كل الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها ... فتك السهام بلا قوس ولا وتر والمرء ما دام ذا عين يقلبها ... في أعين الغيد موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبا بسرور عاد بالضرر والناظر يرمي من نظره بسهام غرضها قلبه وهو لا يشعر فهو إنما يرمي قلبه ولي من أبيات يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له ... توقه إنه يأتيك بالعطب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 97 وقال الفرزدق تزود منها نظرة لم تدع له ... فؤادا ولم يشعر بما قد تزودا فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا ... بغير سلاح مثلها حين أقصدا وقال آخر ومن كان يؤتى من عدو وحاسد ... فإني من عيني أتيت ومن قلبي هما اعتوراني نظرة ثم فكرة ... فما أبقيا لي كل من رقاد ولا لب وقال آخر رماني بها طرفي فلم تخط مقلتي ... وما كل من يرمى تصاب مقاتله إذا مت فابكوني قتيلا لطرفه ... قتيل صديق حاضر ما يزيله وقال ابن المعتز متيم يرعى نجوم الدجى ... يبكي عليه رحمة عاذله عيني أشاطت بدمى في الهوى ... فابكوا قتيلا بعضه قاتله ومثله للمتنبي وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل وقال أيضا يا نظرة نفت لرقاد وغادرت ... في حد قلبي ما بقيت فلولا كانت من الكحلاء سؤلي وإنما ... أجلي تمثل في فؤادي سولا وقال أيضا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 98 وقي الأمير من العيون فإنه ... مالا يزول ببأسه وسخائه يستأسر البطل الكمي بنظرة ... ويحول بين فؤاده وعزائه وقال الصوري إذا أنت لم ترع البروق اللوامحا ... ونمت جرى من تحتك السيل سائحا غرست الهوى باللحظ ثم احتقرته ... وأهملته مستأنسا متسامحا ولم تدر حتى أينعت شجراته ... وهبت رياح الوجد فيه لواقحا فأمسيت تستدعي من الصبر عازبا ... عليك وتستدني من النوم نازحا ودخل أصبهان مغن فكان يتغنى بهذين البيتين سماعا يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح فإن الحب آخره المنايا ... وأوله شبيه بالمزاح وقال آخر وشادن لما بدا ... أسلمني إلى الردى بظرفه ولطفه ... وطرفه لما بدا أردت أن أصيده ... فصاد قلبي وعدا وقال آخر يعاتب عينه والله يا بصري الجاني على جسدي ... لأطفئن بدمعي لوعة الحزن تالله تطمع أن أبكي هوى وضنى ... وأنت تشبع من غمض ومن وسن هيهات حتى ترى طرفا بلا نظر ... كما أرى في الهوى شخصا بلا بدن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 99 وقال آخر يا من يرى سقمي يزيد ... وعلتي أعيت طبيبي لا تعجبن فهكذا ... تجني العيون على القلوب وقال آخر لواحظنا تجني ولا علم عندنا ... وأنفسنا مأخوذة بالجرائر ولم أرى أغبى من نفوس عفائف ... تصدق أخهار العيون الفواجر ومن كانت الأجفان حجاب قلبه ... أذن على أحشائه بالفواقر وقال آخر ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر فوالله ما تدري أيدري بما جنث ... على قلبه أم أهلكته وما يدري وقال آخر أنا ما بين عدوين هما قلبي وطرفي ... ينظر الطرف ويهوى القلب والمقصود حتفي وقال الخفاجي رمت عينها عيني وراحت سليمة ... فمن حاكم بين الكحيلة والعبرى فيا طرف قد حذرتك النظرة التي ... خلست فما راقبت نهيا ولا زجرا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 100 ويا قلب قد أرداك طرفي مرة ... فويحك لم طاوعته مرة أخرى ولي من أبيات لعل معناها مبتكر ألم أقل لك لا تسرق ملاحظة ... فسارق اللحظ لا ينجو من الدرك نصبت طرفي له لما بدا شركا ... فكان قلبي أولى منه بالشرك الفائدة الثانية أنه يورث القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمة تظهر في وجهه وجوارحه ولهذا والله أعلم ذكر الله سبحانه آية النور في قوله تعالى {الله نور السموات والأرض} عقيب قوله {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} وجاء الحديث مطابقا لهذا حتى كأنه مشتق منه وهو قوله "النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه نورا" الحديث الفائدة الثالثة أنه يورث صحةالفراسة فإنها من النور وثمراته وإذا استنار القلب صحت الفراسة لأنه يصير بمنزلةالمرآة المجلوة تظهر فيها المعلومات كما هي والنظر بمنزلة التنفس فيها فإذا أطلق العبد نظرة تنفست نفسه الصعداء في مرآة قلبه فطمست نورها كما قيل مرآة قلبك لا تريك صلاحه ... والنفس فيها دائما تتنفس وقال شجاع الكرماني من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وأكل من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 101 الحلال لم تخطىء فراسته وكان شجاع لا تخطىء له فراسة والله سبحانه وتعالى يجزى العبد على عمله بما هو من جنسه فمن غض بصره عن المحارم عوضه الله سبحانه وتعالى إطلاق نور بصيرته فلما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته الفائدة الرابعة أنه يفتح له طرق العلم وأبوابه ويسهل عليه أسبابه وذلك بسبب نور القلب فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات وانكشفت له بسرعة ونفذ من بعضها إلى بعض ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم وانسد عليه باب العلم وطرقه الفائدة الخامسة أنه يورث قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل له سلطان البصير مع سلطان الحجة وفي الأثر إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه قال الحسن إنهم وإن هملجت بهم البغال طقطقت بهم البراذين إن ذل المعصية لفي قلوبهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه وقال بعض الشيوخ الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وفيه قسط ونصيب من فعل من عاداه بمعاصيه وفي دعاء القنوت إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت الفائدة السادسة أنه يورث القلب سرورا وفرحة وانشراحا أعظم من اللذة والسرور الحاصل بالنظر وذلك لقهره عدوه بمخالفته ومخالفة نفسه وهواه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 102 وأيضا فإنه لما كف لذته وحبس شهوته لله وفيها مسرة نفسه الأمارة بالسوء أعاضه الله سبحانه مسرة ولذة أكمل منها كما قال بعضهم والله للذة العفة أعظم من لذة الذنب ولا ريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها ذلك فرحا وسرورا ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى بما لا نسبة بينهما وهاهنا يمتاز العقل من الهوى الفائدة السابعة أنه يخلص القلب من أسر الشهوة فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه فهو كما قيل طليق برأي العين وهو أسير ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار كعصفورة في كف طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب الفائدة الثامنة أنه يسد عنه بابا من أبواب جهنم فإن النظر باب الشهوة الحاملة على مواقعة الفعل وتحريم الرب تعالى وشرعه حجاب مانع من الوصول فمتى هتك الحجاب ضري على المحظور ولم تقف نفسه منه عند غاية فإن النفس في هذا الباب لا تقتع بغاية تقف عندها وذلك أن لذتها في الشيء الجديد فصاحب الطارف لا يقتعه التليد وإن كان أحسن منه منظرا وأطيب مخبرا فغض البصر يسد عنه هذا الباب الذي عجزت الملوك عن استيفاء أغراضهم فيه الفائدةالتاسعة أنه يقوي عقله ويزيده ويثبته فإن إطلاق البصر وإرساله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 103 لا يحصل إلا من خفة العقل وطيشه وعدم ملاحظته للعواقب فإن خاصة العقل ملاحظة العواقب ومرسل النظر لو علم ما تجني عواقب نظره عليه لما أطلق بصره قال الشاعر بو أعقل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يفكر ما تجني عواقبه الفائدة العاشرة أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة فإن إطلاق البصر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق كما قال الله تعالى عن عشاق الصور {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} فالنظرة كأس من خمر والعشق هو سكر ذلك الشراب وسكر العشق أعظم من سكر الخمر فإن سكران الخمر يفيق وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات كما قيل سكران سكر هوى وسكر مدامة ... ومتى إفاقته من به سكران وفوائد غض البصر وآفات إرساله أضعاف أضعاف ما ذكرنا وإنما نبهتا عليه تنبيها ولا سيما النظر إلى من لم يجعل الله سبيلا إلى قضاء الوطر منه شرعا كالمردان الحسان فإن إطلاق النظر إليهم السم الناقع والداء العضال وقد روى الحافظ محمد بن ناصر من حديث الشعبي مرسلا قال قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم وراء ظهره وقال كانت خطيئة من مضى من النظر وقال سعيد بن المسيب إذا رأيتم الرجل يحد النظر إلى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 104 الغلام الأمرد فاتهموه وقد ذكر ابن عدي في كامله من حديث بقية عن الوازع عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد وكان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهما من السلف ينهون عن مجالة المردان قال النخعي مجالستهم فتنة وإنما هم بمنزلة النساء وبالجملة فكم من مرسل لحظاته رجع بجيش صبره مغلولا ولم يقلع حتى تشحط بينهم قتيلا يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 105 الباب السابع: في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل واحد منهما صاحبه والحكم بينهما ... الباب السابع:في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل منهما صاحبه والحكم بينهما لما كانت العين رائدا والقلب باعثا وطالبا وهذه لها لذة الرؤية وهذا له لذة الظفر كانا في الهوى شريكي عنان ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه فقال القلب للعين أنت التي سقتني إلى موارد الهلكات وأوقعتني في الحسرات بمتابعتك اللحظات ونزهت طرفك في تلك الرياض وطلبت الشفاء من الحدق المراض وخالفت قول أحكم الحاكمين {قل للمؤمنين} وقول رسوله "النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركه من خوف الله عز وجل أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه" رواه الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة وقال عمر بن شبة حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن القرشي حدثنا أبو الحسن المدني حدثنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نظر الرجل في محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس مسموم فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره " فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم أو ما علمت أنه ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان فما عطب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 106 أكثر من عطب إلا بهما وما هلك أكثر من هلك إلا بسببهما فلله كم من مورد هلكة أورداه ومصدر ردى عنه أصدراه فمن أحب أن يحيا سعيدا أو يعيش حميدا فليغض من عنان طرفه ولسانه ليسلم من الضرر فإنه كامن في فضول الكلام وفضول النظر وقد صرح الصادق المصدوق بأن العينين تزنيان وهما أصل زنى الفرج فإنهما له رائدان وإليه داعيان وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمر السائل أن يصرف بصره فأرشده إلى ما ينفعه ويدفع عنه ضرره وقال لابن عمه علي رضي الله عنه محذرا له مما يوقع في الفتنة ويورث الحسرة "لا تتبع النظرة النظرة" أوما سمعت قول العقلاء من سرح ناظره أتعب خاطره ومن كثرت لحظاته دامت حسراته وضاعت عليه أوقاته وفاضت عبراته وقول الناظم نظر العيون إلى العيون هو الذي ... جعل الهلاك إلى الفؤاد سبيلا ما زالت اللحظات تغزو قلبه ... حتى تشحط فيهن قتيلا وقال آخر تمتعتما يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أمر الموارد أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من الظلم سعى اثنين في قتل واحد فصل: قالت العين ظلمتني أولا وآخرا وبؤت بإثمي باطنا وظاهرا وما أنا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 107 إلا رسولك الداعي إليك ورائدك الدال عليك وإذا بعثت برائد نحو الذي ... تهوى وتعتبه ظلمت الرائدا فأنت الملك المطاع ونحن الجنود والأتباع أركبتني في حاجتك خيل البريد ثم أقبلت علي بالتهديد والوعيد فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي علي حجابي لسمعت وأطعت ولما رعيت في الحمى ورتعت أرسلتني لصيد قد نصيت لك حبائله وأشراكه واستدارت حولك فخاخه وشباكه فغدوت أسيرا بعد أن كنت أميرا وأصبحت مملوكا بعد أن كنت مليكا هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام حيث يقول "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب" وقال أبو هريرة رضي الله عنه القلب ملك والأعضاء جنوده فإن طاب الملك طابت جنوده وإذا خبث الملك خبثت جنوده ولو أنعمت النظر لعلمت أن فساد رعيتك بفسادك وصلاحها ورشدها برشادك ولكنك هلكت وأهلكت رعيتك وحملت على العين الضعيفة خطيئتك وأصل بليتك أنه خلا منك حب الله وحب ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته وأقبلت على غيره وأعرضت عنه وتعوضت بحب من سواه والرغبة فيه منه هذا وقد سمعت ما قص عليك من إنكاره سبحانه على بني إسرائيل استبدالهم طعاما بطعام أدنى منه فذمهم على ذلك ونعاه عليهم وقال {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} الجزء: 1 ¦ الصفحة: 108 فكيف بمن استبدل بمحبة خالقه وفاطره ووليه ومالك أمره الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور ولا فرحة ولا نجاة إلا بأن يوحده في الحب ويكون أحب إليه مما سواه فانظر بالله بمن استبدلت وبمحبة من تعوضت رضيت لنفسك بالحبس في الحش وقلوب محبيه تجول حول العرش فلو أقبلت عليه وأعرضت عمن سواه لرأيت العجائب ولأمنت من المتالف والمعاطب أوما علمت أنه خص بالفوز والنعيم من أتاه بقلب سليم أي سليم مما سواه ليس فيه غير حبه واتباع رضاه قالت وبين ذنبي وذنبك عند الناس كما بين عماي وعماك في القياس وقد قال من بيده أزمة الأمور {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمىالقلوب التي في الصدور} فصل: فلما سمعت الكبد تحاورهما الكلام وتناولهما الخصام قالت أنتما على هلاكي تساعدتما وعلى قتلي تعاونتما ولقد أنصف من حكى مناظرتكما وعلى لساني متظلما منكما يقول: طرفي لقلبي هجت لي سقما ... والعين تزعم أن القلب أنكاها والجسم يشهد أن العين كاذبة ... وهي التي هيجت للقلب بلواها لولا العيون وما يجنين من سقم ... ما كنت مطرحا من بعض قتلاها فقالت الكبد المظلومة اتئدا ... قطعتماني وما راقبتما الله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 109 وقال آخر يقول قلبي لطرفي أن بكى جزعا ... تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا فقال طرفي له فيما يعاتبه ... بل أنت حملتني الآمال والطمعا حتى إذا ما خلا كل بصاحبه ... كلاهما بطويل السقم قد قنعا نادتهما كبدي لا تبعدا فلقد ... قطعتماني بما لاقيتما قطعا وقال آخر عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا فألزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا فقلت كفا جميعا ... تركتماني قتيلا ثم قالت أنا أتولى الحكم بينكما أنتما في البلية شريكا عنان كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان فالعين تلتذ والقلب يتمنى ويشتهي ولهذا قال فيكما القائل ولما سلوت الحب بشر ناظري ... لقلبي فقال القلب لي ولك الهنا تخلصت من إحياء ليلك ساهرا ... وخلصتني من لوعة الهجر والضنا كلانا مهنا بالبقاء فإن تعد ... فلا أنت يبقيك الغرام ولا أنا وإن لم تدرككما عناية مقلب القلوب والأبصار وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار قال الشاعر فوالله ما أدري أنفسي ألومها ... على الحب أم عيني المشومة أم قلبي فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 110 فعيني وقلبي قد تقاسمتما دمي ... فيا رب كن عونا على العين والقلب قالت هذه ولما سقيت القلب ماء المحبة بكؤوسك أوقدت عليه نار الشوق فارتفع إليك البخار فتقاطر منك فشرقت بشربه أولا وشرقت بحر ناره ثانيا قال خذي بيدي ثم اكشفي الثوب فانظري ... ضنى جسدي لكنني أتستر وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها روح تذوب فتقطر قالت والحاكم بينكما الذي يحكم بين الروح والجسد إذا اختصما بين يديه فإن في الأثر المشهور لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتى تختصم الروح والجسد فيقول الجسد للروح أنت الذي حركتني وأمرتني وصرفتني وإلا فأنا لم أكن أتحرك ولا أفعل بدونك فتقول الروح له وأنت ألذي أكلت وشربت وباشرت وتنعمت فأنت الذي تستحق العقوبة فيرسل الله سبحانه إليهما ملكا يحكم بينهما فيقول مثلكما مثل مقعد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانا فقال المقعد للأعمى أنا أرى ما فيه من الثمار ولكن لا أستطيع القيام وقال الأعمى أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئا فقال له المقعد تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول فعلى من تكون العقوبة فيقول عليهما قال فكذلك أنتما وبالله التوفيق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 111 الباب الثامن: في ذكر الشبه التي احتج بها من أباح النظر إلى من لا يحل له الاستمتاع به وأباح عشقه قالت هذه الطائفة بيننا وبينكم الكتاب والسنة وأقوال أئمة الإسلام والمعقول الصحيح أما الكتاب فقوله تعالى {أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء} وهذا يعم جميع ما خلق الله فما الذي أخرج من عمومه الوجه المليح وهو من أحسن ما خلق وموضع الاستدلال به والاعتبار أقوى ولذلك يسبح الخالق سبحانه عند رؤيته كما قال بعض الناظرين إلى جميل الصورة ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومماطف جلت يمين الغارس مرت بأرجاء الخيال طيوفه ... فبكت على رسم السلو الدارس ورؤية الجمال البديع تنطق ألسنة الناظرين بقولهم سبحان الله رب العالمين وتبارك الله أحسن الخالقين والله تعالى لم يخلق هذه المحاسن عبثا وإنما أظهرها ليستدل الناظر إليها على قدرته ووحدانيته وبديع صنعه فلا تعطل عما خلقت له وأما السنة فالحديث المشهور "النظر إلى الوجه المليح عبادة " الجزء: 1 ¦ الصفحة: 112 وفي الحديث الآخر "اطلبوا الخير من حسان الوجوه " وفي هذا إرشاد إلى تصفح الوجوه وتأملها وخطب رجل امرأة فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم في نكاحها فقال هل نظرت إليها فقال لا قال اذهب فانظر إليها ولو كان النظر حراما لما أطلق له أن ينظر فإنه لا يأمن الفتنة وأما أقوال الأئمة فحكى السمعاني أن الشافعي رضي الله عنه كتب إليه رجل في رقعة سل المفتى المكي هل في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح فأجابه الشافعي معاذ إله العرش أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح وذكر الخرائطي هذا السؤال والجواب عن عطاء بن أبي رباح وأوله سألت عطاء المكي وذكر الحاكم في مناقب الشافعي رضي الله عنه من شعره يقولون لا تنظر وتلك بلية ... ألا كل ذي عينين لا بد ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عف فيما بين الضمائر وذكر الاسترباذي في كتاب مناقب الشافعي أن رجلا كتب إلى سعيد ابن المسيب يا سيد التابعين والبرره ... نسيت في العشق سورة البقره فكن بفتواك مشفقا رفقا ... باهى بك الله أكرم البرره هل حرم الله لثم خد فتى ... أوصافه بالجمال مشتهره الجزء: 1 ¦ الصفحة: 113 فأجابه سعيد يا سائلي عن خفي لوعته ... عليك بالصبر تحمدن أثره ولا تكن طالبا لفاحشة ... أو كالذي ساق سيله مطره وراقب الله واخش سطوته ... وخالف الفاسقين والفجره وقبل الخد من حبيبك ذا ... في كل يوم وليلة عشره وقال أبو العباس المبرد في الكامل قال أعرابي أنشدنيه أبو العالية سألت الفتى المكي ذا العلم ما الذي ... يحل من التقبيل في رمضان فقال لي المكي أما لزوجة ... فسبع وأما خلة فثمان وذكر أبو بكر الخطيب في كتاب رواه مالك عن بعضهم أقول لمفت بين مكة والصفا ... لك الخير هل في وصلهن حرام وهل في صموت الحجل مهضومة الحشا ... عذاب الثنايا إن لثمت أثام فقال لي المفتي وسالت دموعه ... على الخد من عينيه فهي تؤام ألا ليتني قبلت تلك عشية ... ببطن منى والمحرمون نيام وقال الحاكم في كتاب مناقب الشافعي حدثنا أبو العلاء بن كوشيار الحاري أنبأنا علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن الجهم قال سمعت الربيع يقول حضرت الشافعي بمكة وقد دفع إليه رجل رقعة فيها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 114 أقول لمفتي خيف مكة والصفا ... لك الخير هل في وصلهن حرام وهل في صموت الحجل مهضومة الحشا ... عذاب الثنايا إن لثمت أثام قال فوقع الشافعي فيها فقال لي المفتي وفاضت دموعه ... على الخد من عين وهن تؤام ألا ليتني قبلت تلك عشية ... ببطن منى والمحرمون قيام وقال عمرو بن سفيان ابن ابنة جامع بن مرخية إنا سألنا مالكا وقرينه ... ليث بن سعد عن لثام الوامق أيجوز قالا والذي خلق الورى ... ما حرم الرحمن قبلة عاشق ذكر ذلك صاحب كتاب رستاق الاتفاق وهو شاعر المصريين وأنشد فيه لعمرو بن سفيان هذا وكتب بها إلى ابن عيينة قلنا لسفيان الهلالي مرة ... حرمت ضم العاشق المشتاق لحبيبه من بعد نأي ناله ... فأجاب لا والواحد الخلاق وأنشد فيه لجده جامع وكتب بها إلى علي بن زيد بن جدعان سألنا ابن جدعان بن عمر وأخا العلا ... أيحرم لثم الحب في ليلة القدر فقال لنا المكي وناهيك علمه ... ألا لا ومن قد جاء بالشفع والوتر وأنشد لإبراهيم بن المدبر وكتب بها إلى أبي بكر بن عياش أحد أئمة القراء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 115 .. ... سألت ابن عياش وكان معلما ... لك الخير هل في ضمة الحب من وزر فقال أبو بكر ولا في لثامه ... ألم يأتنا التنزيل بالوضع للإصر وأنشد لآخر وكتب بها إلى الإمام أحمد بن حنبل قال وزعم بعضهم أنه إسحاق بن معاذ بن زهير شاعر أهل مصر في وقته سألت إمام الناس نجل ابن حنبل ... عن الضم والتقبيل هل فيه من باس فقال إذا جل العزاء فواجب ... لأنك قد أحييت عبدا من الناس وأنشد لابن مرخية وكتب بها إلى أبي حنيفة كتبت إلى النعمان يوما رسالة ... نسائله عن لثم حب ممنع فقال لنا لا إثم فيه وإنه ... شهي إذا كانت لعشر وأربع وكتب رجل إلى أبي جعفر الطحاوي أبا جعفر ماذا تقول فإنه ... إذا نابنا خطب عليك المعول فلا تنكرن قولي وأبشر برحمة ال ... إله عن الأمر الذي عنه نسأل أب الحب عار أم من الحب مهرب ... وهل من لحا أهل الصبابة يجهل وهل بمباح فيه قتل متيم ... يهاجره أحبابه وهو يوصل فرأيك في رد الجواب فإنني ... بما فيه تقضي أيها الشيخ أفعل فأجابه الطحاوي سأقضي قضاء في الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين فأعدل فديتك ما بالحب عار علمته ... وللعار ترك الحب إن كنت تعقل ومهما لحا في الحب لاح فإنه ... لعمرك عندي من ذوي الجهل أجهل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 116 وليس مباحا عندنا قتل مسلم ... بلا ترة بل قاتل النفس يقتل ولكنه إن مات في الحب لم يكن ... له قود فيه ولا عنه يعقل وصالك من تهوى وإن صد واجب ... عليك كذا حكم المتيم يفعل فهذا جواب فيه عندي قناعة ... لما جئت عنه أيها الصب تسأل ويكفي أن المعتزلة من أشد الناس تعظيما للذنوب وهم يخلدون أصحاب الكبائر ولا يرون تحريم ذلك كما ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في تاريخه المشهور لبعض المعتزلة سألنا أبا عثمان عمرا وواصلا ... عن الضم والتقبيل للخد والجيد فقالا جميعا والذي هو عادل ... يجوز بلا إثم فدع قول تفنيد وقال إسحاق بن شبيب سألنا شيوخ الواسطيين كلهم ... عن الرشف والتقبيل هل فيهما إثم فقالوا جميعا ليس إثما لزوجة ... ولا خلة والضم من هذه غنم وأنشد أبو الحسن علي بن إبراهيم بن محمد بن سعد الخير في كتابه شرح الكامل فلما أن أبيح لنا التلاقي ... تعانقنا كما اعتنق الصديق وهل حرجا تراه أو حراما ... مشوق ضمه صب مشوق وقال الخطيب في تاريخ بغداد حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب بن الحسن إملاء حدثنا أبو عبد الله المرزباني وابن حيويه وابن شاذان قالوا حدثنا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 117 أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه بقرطبة قال دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه فقلت له كيف تجدك قال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت له ما منعك عن الاستمتاع به مع القدرة عليه قال الاستمتاع على وجهين أحدهما النظر المباح والثاني اللذة المحظورة فأما النظر المباح فأورثني ما ترى وذكر القصة وستأتي في باب عفاف العشاق والمقصود أنه لم ير النظر إلى معشوقه ولا عشقه حراما وجرى على هذا المذهب أبو محمد بن حزم في كتاب طوق الحمامة له قالوا ونحن نحاكمكم إلى واحد يعد بآلاف مؤلفة وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه سئل ما تقول السادة الفقهاء رضي الله عنهم في رجل عاشق في صورة وهي مصرة على هجره منذ زمن طويل لا تزيده إلا بعدا ولا يزداد لها إلا حبا وعشقه لهذه الصورة من غير فسق ولا خنى ولا هو ممن يدنس عشقه بزنى وقد أفضى به الحال إلى الهلاك لا محالة إن بقي مع محبوبه على هذه الحالة فهل يحل لمن هذه حاله أن يهجر وهل يجب وصاله علىالمحبوب المذكور وهل يأثم ببقائه على هجره وما يجب من تفاصيل أمرهما وما لكل واحد منهما على الآخر من الحقوق مما يوافق الشرع الشريف فأجاب بخطه بجواب طويل قال في أثنائه فالعاشق له ثلاث مقامات ابتداء وتوسط ونهاية أما ابتداؤه فواجب عليه فيه كتمان ذلك وعدم إفشائه للخلق مراعيا في ذلك شرائط الفتوة من العفة مع القدرة فإن زاد به الحال إلى المقام الأوسط فلا بأس بإعلام محبوبه بمحبته إياه فيخف بإعلامه وشكواه إليه ما يجد منه ويحذر من اطلاع الناس على ذلك فإن زاد به الأمر حتى خرج عن الحدود والضوابط التحق بالمجانين والموسوسين فانقسم العشاق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 118 قسمين قسم قنعوا بالنظرة بعد النظرة فمنهم من يموت وهو كذلك ولا يظهر سره لأحد حتى محبوبه لا يدري به وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد والقسم الثاني أباحوا لمن وصل إلى حد يخاف على نفسه منه القبلة في الحين قالوا لأن تركها قد يؤدي إلى هلاك النفس والقبلة صغيرة وهلاك النفس كبيرة وإذا وقع الإنسان في مرضين داوى الأخطر ولا خطر أعظم من قتل النفس حتى أوجبوا على المحبوب مطاوعته على ذلك إذا علم أن ترك ذلك يؤدي إلى هلاكه واحتجوا بقول الله تعالى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} وبقوله تعالى {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} وبحديث الذي قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لقيت امرأة أجنبية فأصبت منها كل شيء إلا النكاح قال أصليت معنا قال نعم قال إن الله قد غفر لك فأنزل الله تعالى {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ثم قال فإن كان هذا السائل كما زعم ممن لا يدنس عشقه بزنى ولا يصحبه بخنى فينظر في حاله فإن كان من الطبقة الأولى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 119 فالنظر كاف لهم إن صدقت دعواهم وإن كان من الطبقة الثانية فلا بأس بشكواه إلى محبوبه كي يرق عليه ويرحمه وإن غلب عليه الحال فالتحق بالثالثة أبيح له ما ذكرنا بشرط أن لا يكون أنموذجا لفعل القبيح المحرم فيلتحق بالكبائر ويستحق القتل عند ذلك ويزول عنه العذر ويحق عليه كلمة العذاب انتهى ما ذكرناه من جوابه قالوا وقد جوزت طائفة من فقهاء السلف والخلف والعلماء استمناء الإنسان بيده إذا خاف الزنى وقد جوزت طائفة من الفقهاء لمن خاف على نفسه في الصوم الواجب من شدة الشبق أن تتشقق أنثياه أن يجامع امرأته وبنوا على ذلك فرعا وهو إذا كان له امرأتان حائض وصائمة فهل يطأ هذه أو هذه على وجهين ولا ريب أن النظر والقبلة والضم إذا تضمن شفاءه من دائه كان أسهل من الاستمناء باليد والوطء في نهار رمضان وقد جوز بعض الفقهاء للمرأة إذا خافت الزنى أن تتخذ لها شيئا تدخله في فرجها وتخرجه لئلا تقع في محظور الزنى ولا ريب أن الشريعة جاءت بالتزام الدخول في أدنى المفسدتين دفعا لأعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلا لأعلاهما فأين مفسدة النظر والقبلة والضم من مفسدة المرض والجنون أو الهلاك جملة فهذا ما احتجت به هذه الفرقة ونحن نذكر ما لها وما عليها في ذلك بحول الله وقوته وعونه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 120 الباب: التاسع في الجواب عما احتجت به هذه الطائفة وما لها وما عليها في هذا الاحتجاج وشبههم التي ذكروها دائرة بين ثلاثة أقسام أحدها نقول صحيحة لا حجة لهم فيها والثاني نقول كاذبة عمن نسبت إليه من وضع الفساق والفجار كما سنبينه الثالث نقول مجملة محتملة لخلاف ما ذهبوا إليه فأما احتجاجهم بقوله تعالى {أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء} فهو نظير احتجاجهم بعينه على إباحة السماع الشيطاني الفسقي بقوله تعالى {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} قالوا والقول عام فحملوا لفظه ومعناه ما هو بريء منه وإنما القول هاهنا ما أمرهم الله باستماعه وهو وحيه الذي أنزله على رسوله وهو الذي قال فيه {أفلم يدبروا القرآن} وقال تعالى {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} فهذا هو القول الذي أمروا باتباع أحسنه كما قال {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} والنظر الذي أمرنا سبحانه به المؤدي إلى معرفته والإيمان به ومحبته والاستدلال على صدق رسله فيما أخبروا به عنه من أسمائه وصفاته وأفعاله وعقابه وثوابه لا النظر الذي يوجب تعلق الناظر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 121 بالصورة التي يحرم عليه الاستمتاع بها نظرا ومباشرة فهذا النظر الذي أمر الله سبحانه وتعالى صاحبه بغض بصره هذا مع أن القوم لم يبتلوا بالمردان وهم كانوا أشرف نفوسا وأطهر قلوبا من ذلك فإذا أمرهم بغض أبصارهم عن الصورة التي تباح لهم في بعض الأحوال خشية الافتتان فكيف النظر إلى صورة لا تباح بحال ثم يقال لهذه الطائفة النظر الذي ندب الله إليه نظر يثاب عليه الناظر وهو نظر موافق لأمره يقصد به معرفة ربه ومحبته لا النظر الشيطاني ويشبه هذا الاستدلال استدلال بعض الزنادقة المنتسبين إلى الفقه على حل الفاحشة بمملوك الرجل بقوله تعالى {إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} ومعتقد ذلك كافر حلال الدم بعد قيام الحجة عليه وإنما تسترت هذه الطائفة لهواها وشهواتها وأوهمت أنها تنظر عبرة واستدلالا حتى آل ببعضهم الأمر إلى أن ظنوا أن نظرهم عبادة لأنهم ينظرون إلى مظاهر الجمال الإلهي ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى عن قول إخوان النصارى يظهر في تلك الصورة الجميلة ويجعلون هذا طريقا إلى الله كما وقع فيه طوائف كثيرة ممن يدعي المعرفة والسلوك قال شيخنا رحمه الله تعالى وكفر هؤلاء شر من كفر قوم لوط وشر من كفر عباد الأصنام فإن أولئك لم يقولوا إن الله سبحانه يتجلى في تلك الصورة وعباد الأصنام غاية ما قالوه {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وهؤلاء قالوا نعبدهم لأن الله ظهر في صورهم وحكى لي شيخنا أن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 122 رجلا من هؤلاء مر به شاب جميل فجعل يتبعه بصره فأنكر عليه جليس له وقال لا يصلح هذا لمثلك فقال إني أرى فيه صفات معبودي وهو مظهر من مظاهر جماله فقال لقد فعلت به وصنعت فقال وإن قال شيخنا فلعن الله أمة معبودها موطوؤها قال وسئل أفضل متأخريهم العفيف التلمساني فقيل له إذا كان الوجود واحدا فما الفرق بين الأخت والبنت والأجنبية حتى تحل هذه فقال الجميع عندنا سواء ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ومن هؤلاء الزنادقة من يخص ذلك ببعض الصور فهؤلاء من جنس النصارى بل هم إخوانهم فالنظر عند هؤلاء إلى الصور المحرمة عبادة ويشبه أن يكون هذا الحديث من وضع بعض هؤلاء الزنادقة أو مجان الفساق وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم بريء منه وسئل شيخنا عمن يقول النظر إلى الوجه الحسن عبادة ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فهل ذلك صحيح أم لا فأجاب بأن قال هذا كذب باطل ومن روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يشبهه فقد كذب عليه فإن هذا لم يروه أحد من أهل الحديث لا بإسناد صحيح ولا ضعيف بل هو من الموضوعات وهو مخالف لإجماع المسلمين فإنه لم يقل أحد إن النظر إلى المرأة الأجنبية والصبي الأمرد عبادة ومن زعم ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإن النظر منه ما هو حرام ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مباح والله أعلم وأما الحديث الآخر وهو "أطلبوا الخير من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 123 حسان الوجوه" فهذا وإن كان قد روي بإسناد إلا أنه باطل لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو صح لم يكن فيه حجة لهذه الطائفة فإنه إنما أمر بطلب الخير منهم لا بطلب وصالهم ونيل المحرم منهم فإن الوجه الجميل مظنة الفعل الجميل فإن الأخلاق في الغالب مناسبة للخلقة بينهما نسب قريب وأما أمر النبي صلى الله عليه وسلم للخاطب بأن ينظر إلى المخطوبة فذلك نظر للحاجة وهو مأمور به أمر استحباب عند الجمهور وأمر إيجاب عند بعض أهل الظاهر وهو من النظر المأذون فيه لمصلحة راجحة وهو دخول الزوج على بصيرة وأبعد من ندمه ونفرته عن المرأة فالنظر المباح أنواع هذا أحدها بخلاف النظر إلى الصورة المحرمة فصل: وأما ما ذكره السمعاني عن الشافعي رحمه الله تعالى فمن تحريف الناقل والسائل لم يذكر لفظ الشافعي والبيتان هكذا سألت الفتى المكي في تزاور ... ونظرة مشتاق الفؤاد جناح فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح فهذا السائل هو الذي ذكر السؤال والجواب وهو مجهول لا يعرف هل هو ثقة أم لا ثم إن الجواب لا يدل على مقصود هذه الفرقة بوجه ما بل هو حجة عليها فإنه نهى أن يذهب التقى تلاصق هذه الأكباد فكأنه قال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 124 لا تتلاصق هذه الأكباد لئلا يذهب تلاصقها التقى فالتلاصق المذكور فاعل والتقى مفعول فكأنه قال لا يفعل لئلا يذهب التلاصق التقى وجواب آخر وهو أن هذا التلاصق إنما يكون غير مذهب للتقى إذا كان في عشق مباح بل مستحب كعشق الزوجة والأمة وأما ما ذكروا عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى فقد أجاب عنه سعيد نفسه فإنه لما مر به مرخية هذا السائل وكان من بني كلاب قال سعيد هذا من أكذب العرب قيل كيف يا أبا محمد قال أليس الذي يقول: سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة ... هل في حب دهماء من وزر فقال سعيد بن المسيب إنما ... تلام على ما تستطيع من الأمر كذب والله ما سألني عن شيء من هذا قط ولا أفتيته وإذا كان هذا جواب سعيد في مثل هذا فما جوابه لمن سأله أن يقبل حبيبا أجنبيا كل يوم وليلة عشرة فقبح الله الفسقة الكذابين على العلماء لا سيما على مثل سعيد فهؤلاء كلهم فسقة كاذبون أرادوا تنفيق فسقهم بالكذب على علماء وقتهم كما نفق الفاسق أبو نواس كذبه على إسحاق بن يوسف الأزرق قال عبد الله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 125 ابن محمد بن عائشة أتيت إسحاق بن يوسف الأزرق يوما فلما رآني بكى قلت ما يبكيك قال هذا أبو نواس قلت ماله قال يا جارية ائتيني بالقرطاس فإذا فيه مكتوب يا ساحر المقلتين والجيد ... وقاتلي منه بالمواعيد توعدني الوصل ثم تخلفني ... ويلاه من مخلف لموعودي حدثني الأزرق المحدث عن ... شمر وعوف عن ابن مسعود لا يخلف الوعد غير كافرة ... أو كافر في الجحيم مصفود كذب والله علي وعلى التابعين وعلى الصحابة ولو صح عن سعيد لم يكن لكم فيه حجة فإن سعيدا أمره بالصبر أولا ومراقبة الله وخوف سطوته ومخالفة الفسقة ثم أمره بتقبيل خد من يحبه كل يوم عشر مرات وهذا قطعا إنما أراد به من يحل له تقبيله من زوجة أو سرية فأمره أن يعتاض بقبلتها من لا يحل له ولا يظن بعلماء الإسلام غير هذا إلا مفرط في الجهل أو متهم على الدين وأما ذكره المبرد عن الأعرابي الذي سأل المفتي المكي عن القبلة في رمضان فقال للزوجة سبع وللخلة ثمان فهذا المستفتي والمفتي لا يعرف واحد منهما حتى يقبل خيره ولو صح ذلك وعرف المستفتي والمفتي لكانت الخلة هي أمته الجميلة وهي التي يحل تقبيلها ثمانيا فأكثر وأما أن يفتي أحد من أهل الإسلام بأنه يحل تقبيل المرأة الأجنبية المحرمة عليه ثمانيا في رمضان أو غيره فمعاذ الله من ذلك وهكذا حكم الأثر الذي ذكره الخطيب في كتاب رواه مالك ولا يظن بعالم أنه تمنى أن يقبل امرأة أجنبية وهو محرم ببطن منى فإن القبلة المذكورة تعرض الحج للفساد وتبطله عند طائفة فإن صح هذا فإنما اراد امرأته أو أمته الجزء: 1 ¦ الصفحة: 126 وأما الأثر الذي ذكره الحاكم في مناقب الشافعي رحمه الله تعالى فليس بين الحاكم وبين الربيع من يحتج به ويدل على أن القصة كذب ظاهر أن المستفتي زعم أن الشافعي أجاب بقوله فقال لي المفتي وفاضت دموعه وهذا إنما هو حكاية المستفتي قول المفتي فمن هو الحاكي عن الشافعي فدعوا هذه الأكاذيب والترهات وأما ما ذكرتم عن عمرو بن سفيان ابن بنت جامع فمن ذكر هذا عن عمرو ابن سفيان ومن هو عمرو بن سفيان ابن بنت جامع بن مرخية هذا وهذا موضع البيتين المشهورين سألنا عن ثمالة كل حي ... فقال القائلون ومن ثماله فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا زدتنا بهم جهاله وهل يحل لأحد أن يصدق عن مالك والليث بن سعد أنهما أجازا تقبيل خد المرأة الأجنبية المعشوقة أو خد الأمرد الجميل الصورة هذا وقصة مالك مع الذي ضم صبياإليه فأفتى بضربه ستمائة سوط فمات فقال له أبو الفتى قتلت ابني فقال قتله الله فمن هذا تشديده وفتواه هل يفتي بجواز تقبيل خدود المرد الحسان نعم ما حرم الرحمن قبلة عاشق يحل لمعشوقه مواصلته ولا قبلة الرجل خد ولده كما قبل الصديق رضي الله عنه خد ابنته عائشة رضي الله عنها ورأى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أحد ابني ابنته فقال وإنكم لتقبلون الصبيان إن لي عشرة من الولد ما قبلتهم فقال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 127 "وأملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك" وأما صاحب كتاب رستاق الاتفاق وهو شاعر المصريين فلعمر الله لقد أفسدت إذ أسندت فإنه الفاسق الماجن المسمى أبا الرقعمق ولكن لا ينكر هذا المتن بهذا الإسناد فإنه لا يليق إلا به وأما قصة إبراهيم بن المدبر عن أبي بكر بن عياش فنقل غير مصدق عن قائل غير معصوم وأما ما ذكروا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فوالذي لا إله غيره إنه لمن أقبح الكذب عليه ولو أن هذا الكاذب الفاسق نفق هذه الكذبة بغيره لراج أمرها بعض الرواج ولكن من شدة جهله نفقها بأحمد ابن حنبل وهو كمن نسب إليه القول بأن القرآن مخلوق أو تقديم علي على أبي بكر أو تقديم الرأي على السنة وأمثال ذلك وكذلك ما ذكره عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولو صح لم يكن فيه حجة لهذه الطائفة فإنه قال لا إثم فيه إذا كانت لعشر وأربع ولم يقل إذا كانت أجنبية ونحن نقول بما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى إذا كان المعشوق حلالا وأما ما ذكر عن الطحاوي فلا نعلم صحته وإن صح فإنما أراد به التقبيل المباح فإن الرجل قد يبتلى بهجر زوجته أو أمته له فيسأل أطباء الدين وأطباء الجسم وأطباء الحب عن دوائه فيجيبه كل منهم بمقتضى علمه وما عنده وقد شكى مغيث زوج بريرة حبه لها فشفع عندها النبي صلى الله عليه وسلم أن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 128 تراجعه فلم تفعل وشكى إليه رجل أن امرأته لا ترد يد لامس فقال طلقها فقال إني أخاف أن تتبعها نفسي فقال استمتع بها ذكره الإمام أحمد والنسائي قال بعض أهل العلم راعى النبي صلى الله عليه وسلم دفع أعلى المفسدتين بأدناهما فإنه لما شكى إليه أنها لا ترد يد لامس أمره بطلاقها فلما أخبره عن حبها وأنه يخاف أن لا يصبر عنها ولعل حبه لها يدعوه إلى معصية أمره أن يمسكها مداواة لقلبه ودفعا للمفسدة التي يخافها باحتمال المفسدة التي شكا منها وأجاب أبو عبيدة عنه بأنها كانت لا ترد يد لامس يطلب منها العطاء فكانت لا ترد يد من سألها شيئا من مال الزوج ورد عليه هذا التأويل بأنه لا يقال لطالب العطاء لامس وإنما يقال له ملتمس وأجابت طائفة أخرى عنه بأن طرآن المعصية على النكاح لا توجب فساده وقال النسائي هذا الحديث منكر وعندي أن له وجها غير هذا كله فإن الرجل لم يشك من المرأة أنها تزني بكل من اراد ذلك منها ولو سأل عن ذلك لما أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقيم مع بغي ويكون زوج بغي ديوثا وإنما شكى إليه أنها لا تجذب نفسها ممن لاعبها ووضع يده عليها أو جذب ثوبها ونحو ذلك فإن من النساء من تلين عند الحديث واللعب ونحوه وهي حصان عفيفة إذا أريد منها الزنى وهذا كان عادة كثير من نساء العرب ولا يعدون ذلك عيبا بل كانوا في الجاهلية يرون للزوج النصف الأسفل وللعشيق النصف الأعلى فللحب ما ضمت عليه نقابها ... وللبعل ما ضمت عليه المآزر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 129 والمقصود أن القوم كانوا مع العاشق على معشوقه إذا كان يباح له وصاله وسنذكر ذلك في باب مساعدة العشاق بالمباح من التلاق إن شاء الله تعالى وأما ما ذكروا عن شيوخ المعتزلة وشيوخ الواسطيين فأما أبو عثمان المذكور وهو عمرو بن عبيد وواصل وهو واصل بن عطاء وهما شيخا القوم ولو أفتيا بذلك لكانت فتيا من مبتدعين مذمومين عند السلف والخلف فكيف والمخبر بذلك رجل مجهول من المعتزلة كذب على من يعظمهما المعتزلة لينفق فسقه وأما قصة محمد بن داود الأصبهاني فغايتها أن تكون من سعيه المعفو المغفور لا من عمله المشكور وسلط الناس بذلك على عرضه والله يغفر لنا وله فإنه تعرض بالنظر إلى السقم الذي صار به صاحب فراش وهذا لو كان ممن يباح له لكان نقصا وعيبا فكيف من صبي أجنبي وأرضاه الشيطان بحبه والنظر إليه عن مواصلته إذا لم يطمع في ذلك منه فنال منه ما عرف أن كيده لا يتجاوزه وجعله قدوة لمن يأتم به بعده كأبي محمد بن حزم الظاهري وغيره وكيد الشيطان أدق من هذا وأما أبو محمد فإنه على قدر يبسه وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه للمعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية انماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة فوسع هذا الباب جدا وضيق باب المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جدا وهو من انحرافه في الطرفين حين رد الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في تحريم آلات اللهو بأنه معلق غير مسند وخفي عليه أن البخاري لقي من علقه عنه وسمع منه وهو هشام بن عمار وخفي عليه أن الحديث قد أسنده غير واحد من أئمة الحديث غير هشام بن عمار فأبطل سنة صحيحة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 130 ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مطعن فيها بوجه وأما من حاكمتمونا إليه وهو شيخ الإسلام ابن تيمية فنحن راضون بحكمه فأين أباح لكم النظر المحرم وعشق المردان والنساء الأجانب وهل هذه إلا كذب ظاهر عليه وهذه تصانيفه وفتاواه كلها ناطقة بخلاف ما حكيتموه عنه وأما الفتيا التي حكيتموها فكذب عليه لا تناسب كلامه بوجه ولولا الإطالة لذكرناها جميعها حتى يعلم الواقف عليها أنها لا تصدر عمن دونه فضلا عنه وقلت لمن أوقفني عليها هذه كذب عليه لا يشبه كلامه وكان بعض الأمراء قد أوقفني عليها قديما وهي بخط رجل متهم بالكذب وقال لي ما كنت أظن الشيخ برقة هذه الحاشية ثم تأملتها فإذا هي كذب عليه ولولا الإطالة لذكرنا من فتاويه ما يبين أن هذه كذب وأما ما ذكرتم من مسألة التزام أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما فنحن لا ننكر هذه القاعدة بل هي من أصح قواعد الشريعة ولكن الشأن في إدخال هذه الصورة فيها بل نحاكمكم إلى هذه القاعدة نفسها فإن احتمال مفسدة ألم الحب مع غض البصر وعدم تقبيل المحبوب وضمه ونحو ذلك أقل من مفسدة النظر والتقبيل فإن هذه المفسدة تجر إلى هلاك القلب وفساد الدين وغاية ما يقدر من مفسدة الإمساك عن ذلك سقم الجسد أو الموت تفاديا عن التعرض للحرام فأين إحدى المفسدتين من الأخرى على أن النظر والقبلة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 131 والضم لا يمنع السقم والموت الحاصل بسبب الحب فإن العشق يزيد بذلك ولا يزول فما صبابة مشتاق على أمل ... من الوصال كمشتاق بلا أمل ولا ريب في أن محبة من له طمع أقوى من محبة من يئس من محبوبه ولهذا قال الشاعر وأبرح ما يكن الحب يوما ... إذا دنت الديار من الديار فإن قيل فقد أباح الله سبحانه للمضطر الميتة والدم ولحم الخنزير وتناولها في هذه الحال واجب عليه قال مسروق والإمام أحمد رحمهما الله تعالى من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل فمات دخل النار فغاية النظرة والقبلة والضمة أن تكون محرمة فإذا اضطر العاشق إليها فإن لم تكن واجبة فلا أقل من أن تكون مباحة فهذا قياس واعتبار صحيح وأين مفسدة موت العاشق إلى مفسدة ضمه ولمه فالجواب أن هذا يتبين بذكر قاعدة وهي أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل في العبد اضطرارا إلى الجماع بحيث إن لم يفعله مات بخلاف اضطراره إلى الأكل والشرب واللباس فإنه من قوام البدن الذي إن لم يباشره هلك ولهذا لم يبح من الوطء الحرام ما أباح من تناول الغذاء والشراب المحرم فإن هذا من قبيل الشهوة واللذة التي هي تتمة وفضلة ولهذا يمكن الإنسان أن يعيش طول عمره بغير تزوج وغير تسر ولا يمكنه أن يعيش بغير طعام ولا شراب ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشباب أن يداووا هذه الشهوة بالصوم وقال تعالى عن عشاق المردان {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 132 النِّسَاءِ} فأخبر أن الحامل على ذلك مجرد الشهوة لا الحاجة فضلا عن الضرورة والشهوة المجردة لا تلتحق بالضروريات ولا بالحاجات والحمية عنها خشية إفضائها إلى مرض أصعب منها جار مجرى الحمية عن تناول ما يضر من الأطعمة والأشربة وذلك لا تدعو الضرورة إلى تناوله وإن كانت النفس قد تشتهيه فالقبلة والنظر والضم ونحوها جار مجرى تناول الفاكهة المضرة والزفرة المضر للمحموم ومن به مرض يضره معه تناول ذلك فإذا قال المريض أنا إن لم أتناول ذلك وإلا خشيت الموت لم يكن صادقا في قوله وإنما الحامل له على ذلك مجرد الشهوة وربما زاد تناول ذلك في مرضه فالطبيب الناصح لا يفسح له فيه فكيف يفسح الشارع الحكيم الذي شريعته غاية طب القلوب والأديان وبها تحفظ صحتها وتدفع موادها الفاسدة في تناول ما يزيد الداء ويقويه ويمده هذا من المحال بل الشريعة تأمر بالحمية عن أسباب هذا الداء خوفا من استحكامه وتولد داء آخر أصعب منه وأما مسألة من خاف تشقق أنثييه وأنه يباح له الوطء في رمضان فهذا ليس على إطلاقه بل إن أمكنه إخراج مائه بغير الوطء لم يجز له الوطء بلا نزاع وإن لم يمكنه ذلك إلا بالوطء المباح فإنه يجري مجرى الإفطار لعذر المرض ثم يقضي ذلك اليوم والإفطار بالمرض لا يتوقف على خوف الهلاك فكيف إذا خاف تلف عضو من أعضائه القاتلة بل هذا نظير من اشتد عطشه وخاف إن لم يشرب أن يحدث له داء من الأدواء أو يتلف عضو الجزء: 1 ¦ الصفحة: 133 من أعضائه فإنه يجوز له الشرب ثم يقضي يوما مكانه فإن قيل فلو اتفق له ذلك ولم يكن عنده إلا أجنبية هل يباح له وطؤها لئلا تتلف أنثياه قيل لا يباح له ذلك ولكن له أن يخرج ماءه باستمنائه فإن تعذر عليه فهل يجوز له أن يمكنها من استخراج مائه بيدها هذا فيه نظر فإن أبيح جرى مجرى تطبيب المرأة الأجنبية للرجل ومسها منه ما تدعو الحاجة إلى مسه وكذلك تطبيب الرجل للمرأة الأجنبية ومسه ما تدعو الحاجة إليه والله أعلم وقد سئل أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني في رقعة قل لأبي الخطاب نجم الهدى ... وقدوة العالم في عصره لا زلت في فتواك مستأمنا ... من خدع الشيطان أو مكره ماذا ترى في رشإ أغيد ... حاز اللمى والدرر في ثغره لم يحك بدر التم في حسنه ... حتى حكى الزنبور في حضره فهل يجيز الشرع تقبيله ... لمستهام خاف من وزره أم هل على المشتاق في ضمه ... من غير إدناء إلى صدره إثم إذا ما لم يكن مضمرا ... غير الذي قدم من ذكره فأجاب يا أيها الشيخ الأديب الذي ... قد فاق أهل العصر في شعره تسأل عن تقبيل بدر الدجى ... وعطف زنديك على نحره الجزء: 1 ¦ الصفحة: 134 هل ورد الشرع بتحليله ... لمستهام خاف من وزره من قارف الفتنة ثم ادعى ال ... عصمة قد نافق في أمره هل فتنة المرء سوى الضم والت ... قبيل للحب على ثغره وهل دواعي ذلك المشتهى ... إلا عناق البدر في خدره وبذله ذاك لمشتاقه ... يزري على هاروت في سحره ولا يجيز الشرع أسباب ما ... يورط المسلم في حظره فانج ودع عنك صداع الهوى ... عساك أن تسلم من شره هذا جواب الكلوزاني قد ... جاءك يرجو الله في أجره فهذا جواب أهل العلم وهو مطابق لما ذكرناه والله تعالى أعلم وسئل الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله بأبيات يا أيها العالم ماذا ترى ... في عاشق ذاب من الوجد من حب ظبي أغيد أهيف ... سهل المحيا حسن القد فهل ترى تقبيله جائزا ... في الفم والعينين والخد من غير ما فحش ولا ريبة ... بل بعناق جائز الحد إن كنت ما تفتي فإني إذا ... أصيح من وجدي وأستعدي فكتب رحمه الله تعالى الجواب ياذا الذي ذاب من الوجد ... وظل في ضر وفي جهد إسمع فدتك النفس من ناصح ... بنصحه يهدي إلى الرشد لو صح منك العشق ما جئتني ... تسألني عنه وتستعدي فالعاشق الصادق في حبه ... ما باله يسأل ما عندي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 135 غيبه العشق فما إن يرى ... يعيد في العشق ولا يبدي وكل ما تذكر مستفتيا ... حرمه الله على العبد إلا لما حلله ربنا ... في الشرع بالإبرام والعقد فعد من طرق الهوى معرضا ... وقف بباب الواحد الفرد وسله يشفيك ولا يبتلي ... قلبك بالتعذيب والصد وعف في العشق ولا تبده ... واصبر وكاتم غاية الجهد فإن تمت محتسبا صابرا ... تفز غدا في جنة الخلد الجزء: 1 ¦ الصفحة: 136 الباب العاشر: في ذكر حقيقة العشق وأوصافه وكلام الناس فيه فالذي عليه الأطباء قاطبة أنه مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا يجلبه المرء إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور والشمائل وسببه النفساني الاستحسان والفكر وسببه البدني ارتفاع بخار رديء إلى الدماغ عن مني محتقن ولذلك أكثر ما يعتري العزاب وكثرة الجماع تزيله بسرعة وقال بعض الفلاسفة العشق طمع يتولد في القلب ويتحرك وينمي ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص وكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج والتمادي في الطمع والحرص على الطلب حتى يؤديه ذلك إلى الغم والقلق ويكون احتراق الدم عند ذلك باستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إليها ومن غلبة السوداء يحصل له فسادالفكر ومع فساد الفكر يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون وتمني مالا يتم حتى يؤدي إلى الجنون فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه وربما مات غما وربما نظر إلى معشوقه فمات فرحا وربما شهق شهقة فتختنق روحه فيبقى أربعة وعشرين ساعة فيظن أنه قد مات فيدفن وهو حي وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه وينضم عليها القلب ولا ينفرج حتى يموت وتراه إذا ذكر له من يهواه هرب دمه واستحال لونه وقال أفلاطون العشق حركة النفس الفارغة وقال أرسطاطاليس العشق عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب ومن هذا أخذ جرير قوله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 137 فلست براء عيب ذي الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا فعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا وقال أرسطو العشق جهل عارض صادف قلبا فارغا لا شغل له من تجارة ولا صناعة وقال غيره هو سوء اختيار صادف نفسا فارغة قال قيس بن الملوح أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا وقال بعضهم لم أر حقا أشبه بباطل ولا باطلا أشبه بحق من العشق هزله جد وجده هزل وأوله لعب وآخره عطب وقال الجاحظ العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أن السرف اسم لما جاوز الجود والبخل اسم لما جاوز الاقتصاد فكل عشق يسمى حبا وليس كل حب يسمى عشقا والمحبة جنس والعشق نوع منها ألا ترى أن كل محبة شوق وليس كل شوق محبة وقالت فرقة أخرى العشق هو الاستهيام والتضرع واللوذان بالمعشوق والوجد هو الحب الساكن والهوى أن يهوى الشيء فيتبعه غيا كان أو رشدا والحب حرف ينتظم هذه الثلاثة وقال المأمون ليحيى بن أكثم ما العشق فقال سوانح تسنح للمرء فيهيم بها قلبه وتؤثرها نفسه فقال له ثمامة بن أشرس اسكت يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد ظبيا فأما هذه فمن مسائلنا نحن فقال له المأمون قل يا ثمامة قال العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب ملك مسالكه لطيفة ومذاهبه غامضة وأحكامه جارية ملك الأبدان وأرواحها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 138 والقلوب وخواطرها والعقول وآراءها قد أعطي عنان طاعتها وقوة تصرفها توارى عن الأبصار مدخله وعمي في القلوب مسلكه فقال له المأمون أحسنت يا ثمامة وأمر له بألف دينار وقال بعضهم قلت لمجنون قد أذهب عقله العشق أجز هذاالبيت وما الحب إلا شعلة قدحت بها ... عيون المها باللحظ بين الجوانح فقال بديها ونار الهوى تخفى وفي القلب فعلها ... كفعل الذي جاءت به كف قادح وقال الأصمعي سألت أعرابيا عن العشق فقال جل والله عن أن يرى وخفي عن أبصار الورى فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر إن قدح أوري وإن ترك توارى وقال بعضهم العشق نوع من الجنون والجنون فنون فالعشق فن من فنونه واحتج بقول قيس قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ألعشق أعظم مما بالمجانين العشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين وقال آخر إذا امتزجت جواهر النفوس بوصف المشاكلة أنتجت لمح نور ساطع تستضيء به النفس في معرفة محاسن المعشوق فتسلك طريق الوصول إليه وقال أعرابي العشق أعظم مسلكا في القلب من الروح في الجسم وأملك بالنفس من ذاتها بطن وظهر فامتنع وصفه عن اللسان وخفي نعته عن البيان فهو بين السحر والجنون لطيف المسلك والكمون وقيل العشق ملك غشوم مسلط ظلوم دانت له القلوب وانقادت له الألباب وخضعت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 139 .. له النفوس العقل أسيره والنظر رسوله واللحظ لفظه دقيق المسلك عسير المخرج وقيل لآخر ما تقول في العشق فقال إن لم يكن طرفا من الجنون فهو نوع من السحر وأما الفلاسفة المشاؤون فقالوا هو اتفاق أخلاق وتشاكل محبات وتجانسها وشوق كل نفس إلى مشاكلها ومجانسها في الخلقة القديمة قبل إهباطها إلى الأجساد قلت هذا مبني على قولهم الفاسد بتقدم النفوس على الأبدان وعليه بنى ابن سينا قصيدته المشهورة هبطت إليك من المحل الأرفع وسمعت شيخنا يحكي عن بعض فضلاء المغاربة وهو جمال الدين بن الشريشي شارح المقامات أنه كان ينكر أن تكون هذه له قال وهي مخالفة لما قرره في كتبه من أن حدوث النفس الناطقة مع البدن وقال آخرون في وصفه دق عن الأفهام مسلكه وخفي عن الأبصار موضعه وحارت العقول في كيفية تمكنه غير أن ابتداء حركته وعظم سلطانه من القلب ثم يتغشى سائر الأعضاء فيبدي الرعدة في الأطراف والصفرة في الألوان والضعف في الرأي واللجلجة في الكلام والزلل والعثار حتى ينسب صاحبه إلى الجنون وقيل لأبي زهير المديني ما العشق قال الجنون والذل وهو داء أهل الظرف ونظر عاشق إلى معشوقه فارتعدت فرائصه وغشي عليه فقيل لحكيم ما الذي أصابه فقال نظر إلى من يحبه فانفرج له قلبه فتحرك الجسم بانفراج القلب فقيل له نحن نحب أولادنا وأهلنا ولا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 140 يصيبنا ذلك فقال تلك محبة العقل وهذه محبة الروح قال وما هو إلا أن يراها فجاءة ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب وقال العشق ملك مسلط على قهر النفوس وأسر القلوب قال الشاعر ملك القلوب فأصبحت في أسره ... وبودها أن لا يفك إسارها وقال أعرابي في وصفه بالقلب وثبته وبالفؤاد وجبته وبالأحشاء ناره وسائر الأعضاء خدامه فالقلب من العاشق ذاهل والدمع منه هامل والجسم منه ناحل مرور الليالي تجدده وإساءة المحبوب لا تفسده وقيل ليس هو موقوفا على الحسن والجمال وإنما هو تشاكل النفوس وتمازجها في الطباع المخلوقة فيها كما قيل وما الحب من حسن ولا من ملاحة ... ولكنه شيء به الروح تكلف وقيل أول العشق عناء وأوسطه سقم وآخره قتل كما قال ابن الفارض رحمه الله هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل وعش خاليا فالحب أوله عنى ... وأوسطه سقم وآخره قتل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 141 الباب الحادي عشر: في العشق هل هو اضطراري خارج عن الاختيار أو أمر اختياري واختلاف الناس في ذلك وذكر الصواب فيه فنقول اختلف الناس في العشق هل هو اختياري أو اضطراري خارج عن مقدور البشر فقالت فرقة هو اضطراري وليس باختياري قالوا وهو بمنزلة محبة الظمآن للماء البارد والجائع للطعام وهذا مما لا يملك قال بعضهم والله لو كان لي من الأمر شيء ما عذبت عاشقا لأن ذنوب العشاق اضطرارية فإذا كان هذا قوله فيما تولد عن العشق من فعل اختياري فما الظن بالعشق نفسه وقال أبو محمد بن حزم قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة فعشقتها فقال عمر ذاك مما لا يملك وقال كامل في سلمى يلومونني في حب سلمى كأنما ... يرون الهوى شيئا تيممته عمدا ألا إنما الحب الذي صدع الحشا ... قضاء من الرحمن يبلو به العبدا وقال التميمي في كتاب امتزاج الأرواح سئل بعض الأطباء عن العشق فقال إن وقوعه بأهله ليس باختيار منهم ولا بحرصهم عليه ولا لذة لأكثرهم فيه ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المدنفة والأمراض المتلفة لا فرق بينه وبين ذلك وقال المدائني لام رجل رجلا من أهل الهوى فقال لو صح لذي هوى اختيار لاختار أن لا يهوى ويدل على ذلك من السنة ما رواه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 142 البخاري في صحيحه من قصة بريرة أن زوجها كان يمشي خلفها بعد فراقها له وقد صارت أجنبية منه ودموعه تسيل على خديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا ثم قال لها لو راجعتيه فقالت أتأمرني فقال إنما أنا شافع قالت لا حاجة لي فيه" ولم ينهه عن عشقها في هذه الحال إذ ذلك شيء لا يملك ولا يدخل تحت الاختيار وقال جامع سألت سعيد بن المسيب مفتي ال ... مدينة هل في حب دهماء من وزر فقال سعيد بن المسيب إنما ... يلام على ما يستطاع من الأمر قالوا والعشق نوع من العذاب والعاقل لا يختار عذاب نفسه وفي هذا قال المؤمل شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر يكفي المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها سقر فيقال إنه عمي بعد هذا وقال آخر ليس الهوى إلى الرأي فيملكه ولا إلى العقل فيدركه ثم أنشد ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبيك عنه مثل خبير ليس أمر الهوى يدبر بالرأ ... ي ولا بالقياس والتفكير إنما الأمر في الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور وقال القاضي أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن سلمان النوقاتي في كتابه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 143 محنة الظراف العشاق معذورون على الأحوال إذ العشق إنما دهاهم عن غير اختيار بل اعتراهم عن جبر واضطرار والمرء إنما يلام على ما يستطيع من الأمور لا على المقضي عليه والمقدور فقد قيل إن الحامل كانت ترى يوسف عليه الصلاة والسلام فتضع حملها فكيف ترى هذه وضعته أباختيار كان ذلك أم باضطرار قال غيره وهؤلاء النسوة قطعن أيديهن لما بدا لهن حسن يوسف عليه السلام وما تمكن حبه من قلوبهن فكيف لو شغفن حبا وكان مصعب بن الزبير إذا رأته المرأة حاضت لحسنه وجماله قال فيه الشاعر إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء ومن هاهنا أخذ أحمد بن الحسين الكندي المتنبي قوله تق الله واستر ذا الجمال ببرقع ... فإن لحت حاضت في الخدور العواتق فإذا كان هذا من مجرد الرؤية فكيف بالمحبة التي لا تملك وقال هشام ابن عروة عن أبيه مات بالمدينة عاشق فصلى عليه زيد بن ثابت فقيل له في ذلك فقال إني رحمته ورؤي أبو السائب المخزومي وكان من العلم والدين بمكان متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم ارحم العاشقين وقو قلوبهم واعطف عليهم قلوب المعشوقين فقيل له في ذلك فقال والله للدعاء لهم أفضل من عمرة من الجعرانة ثم أنشد يا هجر كف عن الهوى ودع الهوى ... للعاشقين يطيب يا هجر ماذا تريد من الذين جفونهم ... قرحى وحشو قلوبهم جمر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 144 متبلدين من الهوى ألوانهم ... مما تجن قلوبهم صفر وسوابق العبرات فوق خدودهم ... درر تفيض كأنها قطر ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجارية تتغنى هل علي ويحكما ... إن هويت من حرج فتبسم وقال "لا حرج إن شاء الله " قالوا وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى {ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به} بالعشق وهذا لم يريدوا به التخصيص وإنما أرادوا به التمثيل وأن العشق من تحميل مالا يطاق والمراد بالتحميل هاهنا التحميل القدري لا الشرعي الأمري قالوا وقد رأينا جماعة من العشاق يطوفون على من يدعو لهم أن يعافيهم الله من العشق ولو كان اختيارا لأزالوه عن نفوسهم ومن هاهنا يتبين خطأ كثير من العاذلين وعذلهم في هذه الحال بمنزلة عذل المريض في مرضه قال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 145 ياعاذلي والأمر في يده ... هلا عذلت وفي يدي الأمر وإنما ينبغي العذل قبل تعلق هذا الداء بالقلب كما قيل فيه يذكرني حم ولرمح شاجر ... فهلا تلاحم قبل التقدم وقالت فرقة أخرى بل اختياري تابع لهوى النفس وإرادتها بل هو استحكام الهوى الذي مدح الله من نهى عنه نفسه فقال تعالى {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى} فمحال أن ينهى الإنسان نفسه عما لا يدخل تحت قدرته قالوا والعشق حركة اختيارية للنفس إلى نحو محبوبها وليس بمنزلة الحركات الاضطرارية التي لا تدخل تحت قدرة العبد قالوا وقد ذم الله سبحانه وتعالى أصحاب المحبة الفاسدة الذين يحبون من دونه أندادا ولو كانت المحبة اضطرارية لما ذموا على ذلك قالوا ولأن المحبة إرادة قوية والعبد يحمد ويذم على إرادته ولهذا يحمد مريد الخير وإن لم يفعله ويذم مريد الشر وإن لم يفعله وقد ذم الله الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وأخبر أن لهم عذابا أليما ولو كانت المحبة لا تملك لم يتوعدهم بالعذاب على الجزء: 1 ¦ الصفحة: 146 ما لا يدخل تحت قدرتهم قالوا والعقلاء قاطبة مطبقون على لوم من يحب ما يتضرر بمحبته وهذا فطرة فطر الله عليها الخلق فلو اعتذر بأني لا أملك قلبي لم يقبلوا له عذرا فصل: وفصل النزاع بين الفريقين أن مبادىء العشق وأسبابه اختيارية داخلة تحت التكليف فإن النظر والتفكر والتعرض للمحبة أمر اختياري فإذا أتى بالأسباب كان ترتب المسبب عليها بغير اختياره كما قيل تولع بالعشق حتى عشق ... فلما استقل به لم يطق رأى لجة ظنها موجة ... فلما تمكن منها غرق تمنى الإقالة من ذنبه ... فلم يستطعها ولم يستطق وهذا بمنزلة السكر من شرب الخمر فإن تناول المسكر اختياري وما يتولد عنه السكر اضطراري فمتى كان السبب واقعا باختياره لم يكن معذورا فيما تولد عنه بغير اختياره فمتى كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا ولا ريب أن متابعة النظر واستدامة الفكر بمنزلة شرب المسكر فهو يلام على السبب ولهذا إذا حصل العشق بسبب غير محظور لم يلم عليه صاحبه كمن كان يعشق امرأته أو جاريته ثم فارقها وبقي عشقها غير مفارق له فهذا لا يلام على ذلك كما تقدم في قصة بريرة ومغيث وكذلك إذا نظر نظرة فجاءة ثم صرف بصره وقد تمكن العشق من قلبه بغير اختياره على أن عليه مدافعته وصرفه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 147 عن قلبه بضده فإذا جاء أمر يغلبه فهناك لا يلام بعد بذل الجهد في دفعه ومما يبين ما قلناه أن سكر العشق أعظم من سكر الخمر كما قال الله تعالى عن عشاق الصور من قوم لوط {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} وإذا كان أدنى السكرين لا يعذر صاحبه إذا تعاطى أسبابه فكيف يعذر صاحب السكر الأقوى مع تعاطي أسبابه وإذ قد وصلنا إلى هذا الموضع فلنذكر بابا في سكرة الحب وسببها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 148 الباب الثاني عشر: في سكرة العشاق ولا بد قبل الخوض في ذلك من بيان حقيقة السكر وسببه وتولده فنقول السكر لذة يغيب معها العقل الذي يعلم به القول ويحصل معه التمييز قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكران أن يعلم ما يقول فمتى لم يعلم ما يقول فهو في السكر وإذا علم ما يقول خرج عن حكمه وهذا هو حد السكران عند جمهور أهل العلم قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى بماذا يعلم أنه سكران فقال إذا لم يعرف ثوبه من ثوب غيره ونعله من نعل غيره ويذكر عن الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال إذا اختلط كلامه المنظوم وأفشى سره المكتوم وقال محمد بن داود الأصفهاني إذا عزبت عنه الهموم وباح بسره المكتوم فالسكر يجمع معنيين وجود لذة وعدم تمييز والذي يقصد السكر قد يقصد أحدهما وقد يقصد كليهما فإن النفس لها هوى وشهوات تلتذ بإدراكها والعلم بما في تلك اللذات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها والعقل يأمرها بأن لا تفعل فإذا زال العقل الآمر والعلم الكاشف انبسطت النفس في هواها وصادفت مجالا واسعا وحرم الله سبحانه وتعالى السكر لشيئين ذكرهما في كتابه من قوله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 149 {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فأخبر الله سبحانه أنه يوجب المفسدة الناشئة من النفس بواسطة زوال العقل ويمنع المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل وقد يكون سبب السكر ألما كما يكون لذة قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} وقد يكون سببه قوة الفرح بإدراك المحبوب بحيث يختلط كلامه وتتغير أفعاله بحيث يزول عقله وربما قتله الفرح بسبب طبيعي وهو انبساط دم القلب انبساطا خارجا عن العادة والدم حامل الحار الغريزي فيبرد القلب بسبب انبساط دمه فيحدث الموت وقد جرى هذا لأحمد بن طولون أمير مصر فإنه مر بصياد في يوم بارد وعنده بني له فرق عليهما وأمر غلامه أن يدفع إليه ما معه من الذهب فصبه في حجره ومضى فاشتد فرحه به فلم يحمل ما ورد عليه من الفرح فقضى مكانه فعاد الأمير من شأنه فوجد الرجل ميتا والصبي يبكي عند رأسه فقال من قتله فقال مر بنا رجل لا جزاه الله خيرا فصب في حجر أبي شيئا فقتله مكانه فقال الأمير صدق نحن قتلناه أتاه الغنى وهلة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 150 واحدة فعجز عن احتماله فقتله ولو أعطيناه ذلك بالتدريج لم يقتله فحرض الصبي على أن يأخذ الذهب فأبى وقال والله لا أمسك شيئا قتلي أبي والمقصود أن السكر يوجب اللذة ويمنع العلم فمنه السكر بالأطعمة والأشربة فإن صاحبها يحصل له لذة وسرور بها يحمله على تناولها لأنها تغيب عنه عقله فتغيب عن الهموم والغموم والأحزان تلك الساعة ولكن يغلط في ذلك فإنها لا تزول ولكن تتوارى فإذا صحا عادت أعظم ما كانت وأوفره فيدعوه عودها إلى العود كما قال الشاعر وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها ومن الناس من يقصد بها منفعة البدن وهو غالط فإنه يترتب عليها من المضرة المتولدة عن السكر ما هو أعظم من تلك المنفعة بكثير واللذة الحاصلة بذكر الله والصلاة عاجلا وآجلا أعظم وأبقى وأدفع للهموم والغموم والأحزان وتلك اللذة أجلب شيء للهموم والغموم عاجلا وآجلا ففي لذة ذكر الله والإقبال عليه والصلاة بالقلب والبدن من المنفعة الشريفةالعظيمة السالمة عن المفاسد الدافعة للمضار غنى وعوض للإنسان الذي هو إنسان عن تلك اللذة الناقصة القاصرة المانعة لما هو أكمل منها الجالبة لألم أعظم منها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 151 فصل ومن أسباب السكر حب الصور فإنه إذا استحكم الحب وقوي أسكر المحب وأشعارهم بذلك مشهورة كثيرة ولا سيما إذا اتصل الجماع بذلك الحب فإن صاحبه ينقص تمييزه أو يعدم في تلك الحالة بحيث لا يميز فإن انضاف إلى ذلك السكر سكر الشراب بحيث يجتمع عليه سكر الهوى وسكر الخمر وسكر لذة الجماع فذلك غاية السكر ومنه ما يكون سببه حب المال والرئاسة وقوة الغضب فإن الغضب إذا قوي أوجب سكرا يقرب من سكر الخمر ويدخل ذلك في الإغلاق الذي أبطل النبي صلى الله عليه وسلم وقوع الطلاق فيه بقوله "لا طلاق في إغلاق" رواه أبو داود وقال أظنه الغضب وفسره الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أيضا بالغضب ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} قال السلف في تفسيرها هو الرجل يدعو على نفسه وأهله في وقت الغضب من غير إرادة منه لذلك فلو استجاب الله دعاءه لأهلكه وأهلك من دعا عليه ولكن لرحمته لما علم أن الحامل له على ذلك سكر الغضب لا يجيب دعاءه ومن هذا قول الواجد لراحلته بعد يأسه منها وإيقانه بالهلاك اللهم أنت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 152 عبدي وأنا ربك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخطأ من شدة الفرح " ولم يكن بذلك كافرا لعدم قصده وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تحقيقا لشدة الفرح الذي أفضى به إلى ذلك وإنما كانت هذه الأشياء قد توجب السكر لأن السكر سببه ما يوجب اللذة القاهرة التي تغمر العقل وسبب اللذة إدراك المحبوب فإذا كانت المحبة قوية وإدراك المحبوب قويا والعقل ضعيفا حدث السكر لكن ضعف العقل يكون تارة من ضعف المحبة وتارة من قوة السبب الوارد ولهذا يحصل السكر للمبتدئين في إدراك الرئاسة والمال والعشق والخمر مالا يحصل لمن اعتاد ذلك وتمكن فيه فصل ومن أقوى أسباب السكر الموجبة له سماع الأصوات المطربة من جهتين من جهة أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل ومن جهة أنها تحرم النفس إلى نحو محبوبها كائنا ما كان فيحصل بتلك الحركة الشوق والطلب مع التخيل للمحبوب وإدناء صورته إلى القلب واستيلائها على الفكرة لذة عظيمة تقهر العقل فتجتمع لذة الألحان ولذة الأشجان ولهذا يقرن المعنيون بهذه اللذات سماع الألحان بالشراب كثيرا ليكمل لهم السكر بالشراب والعشق والصوت المطرب فيجدون من لذة الوصال وسكره في هذه الحال مالا يجدونه بدونها فالخمر شراب النفوس والألحان شراب الأرواح ولا سيما إذا اقترن بها من الأقوال ما فيه ذكر المحبوب ووصف حال المحب على مقتضىالحال التي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 153 هو فيها فيجتمع سماع الأصوات الطيبة وإدراك المعاني المناسبة وذلك أقوى بكثير من اللذة الحاصلة بكل واحد منها على انفراده فتستولي اللذة على النفس والروح والبدن أتم استيلاء فيحدث غاية السكر فكيف يدعى العذر من تعاطى هذه الأسباب ويقول إن ما تولد عنها اضطراري غير اختياري وبالله التوفيق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 154 الباب الثالث عشر: في أن اللذة تابعة للمحبة في الكمال والنقصان فكلما قويت المحبة قويت اللذة بإدراك المحبوب وهذا الباب من أجل أبواب الكتاب وأنفعها ونذكر فيه بيان معرفة اللذة وأقسامها ومراتبها فنقول أما اللذة ففسرت بأنها إدراك الملائم كما أن الألم إدراك المنافي قال شيخنا والصواب أن يقال إدراك الملائم سبب اللذة وإدراك المنافي سبب الألم فاللذة والألم ينشآن عن إدراك الملائم والمنافي والإدراك سبب لهما واللذة أظهر من كل ما تعرف به فإنها أمر وجداني وإنما تعرف بأسبابها وأحكامها واللذة والبهجة والسرور وقرة العين وطيب النفس والنعيم ألفاظ متقاربة المعنى وهي أمر مطلوب في الجملة بل ذلك مقصود كل حي وذلك أمر ضروري من وجوده وذلك في القاصد والغايات بمنزلة الحس والعلوم البديهية في المبادىء والمقدمات فإن كل حي له علم وإحساس وله عمل وإرادة وعلم الإنسان لا يجوز أن يكون كله نظريا استدلاليا لاستحالة الدور والتسلسل بل لا بد له من علم أوله بديهي يبده النفس ويبتدىء فيها فلذلك يسمى بديهيا وأوليا وهو من نوع ما تضطر إليه النفس ويسمى ضروريا فإن النفس تضطر إلى العلم تارة إلى العمل أخرى وكذلك العمل الاختياري المرادي له مراد فذلك المراد إما أن يراد لنفسه أو لشيء آخر ولا يجوز أن يكون كل مراد مرادا لغيره حذرا من الدور والتسلسل فلا بد من مراد مطلوب محبوب لنفسه فإذا حصل المطلوب المراد المحبوب فاقتران اللذة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 155 والنعمة والفرح والسرور وقرة العين به على قدر قوة محبته وإرادته والرغبة فيه وذلك أمر ذوقي وجدي ولهذا يغلب على أهل الإرادة والعمل من السالكين اسم الذوق والوجد لما في وجود المراد المطلوب من الذوق والوجد الموجب للفرح والسرور والنعيم فهاهنا ثلاثة أنواع من الأسماء متقاربة المعاني أحدها الشهوة والإرادة والميل والطلب والمحبة والرغبة ونحوها الثاني الذوق والوجد والوصول والظفر والإدراك والحصول والنيل ونحوها الثالث اللذة والفرح والنعيم والسرور وطيب النفس وقرة العين ونحوها وهذه الأمور الثلاثة متلازم فصل وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي إنما تذم إذا أعقبت ألما أعظم منها أو منعت لذة خيرا منها وتحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة المستقرة وهي لذة الدار الآخرة ونعيمها الذي هو أفضل نعيم وأجله كما قال الله تعالى {وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} وقال تعالى {لَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} وقال تعالى {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وقال تعالى {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} وقال العارفون بتفاوت ما بين الأمرين لفرعون الجزء: 1 ¦ الصفحة: 156 {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لدار القرار وجعل اللذة كلها بأسرها فيها كما قال الله تعالى {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ} وقال تعالى {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم "يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " بله ما اطلعتم أي غير ما اطلعتم عليه وهذا هو الذي قصده الناصح لقومه الشفيق عليهم حيث قال {يََا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} فأخبرهم أن الدنيا متاع يتمتع بها إلى غيرها والآخرة هي المستقر والغاية فصل: وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الدار الآخرة ولذلك خلقت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "الدنيا متاع وخير متاع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 157 الدنيا المرأة الصالحة" فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة فهي محبوبة مرضية للرب تعالى فصاحبها يلتذ بها من وجهين من جهة تنعمه وقرة عينه بها ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها لا اللذة التي تعقبه غاية الألم وتفوت عليه أعظم اللذات ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها فلا نسبة بين لذة صاحب الزوجة أو الأمة الجميلة التي يحبها وعينه قد قرت بها فإنه إذا باشرها والتذ قلبه وبدنه ونفسه بوصالها أثيب على تلك اللذة في مقابلة عقوبة صاحب اللذة المحرمة على لذته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " وفي بضع أحدكم أجر قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر قالوا نعم قال فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر " واعلم أن هذه اللذة تتضاعف وتتزايد بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله وإخلاص العمل له والرغبة في الدار الآخرة فإن الشهوة والإرادة المنقسمة في الصور اجتمعت له في صورة واحدة والخوف والهم والغم الذي في اللذة المحرمة معدوم في لذته فإذا اتفق له مع هذا صورة جميلة ورزق حبها ورزقت حبه وانصرفت دواعي شهوته إليها وقصرت بصره عن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 158 النظر إلى سواها ونفسه عن التطلع إلى غيرها فلا مناسبة بين لذته ولذة صاحب الصورة المحرمة وهذا أطيب نعيم ينال من الدنيا وجعله النبي صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة بها ينال خير الدنيا والآخرة وهي قلب شاكر ولسان ذاكر وزوجة حسناء إن نظر إليها سرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله فالله المستعان وقال القاسم بن عبد الرحمن كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرأ القرآن فإذا فرغ قال أين العزاب فيقول ادنوا مني ثم قولوا اللهم ارزقني امرأة إذا نظرت إليها! سرتني وإذا أمرتها أطاعتني وإذا غبت عنها حفظت غيبتي في نفسها ومالي والألم والحزن والهم والغم ينشأ من عدم العلم بالمحبوب النافع أو من عدم إرادته وإيثاره مع العلم به أو من عدم إدراكه والظفر به مع محبته وإرادته وهذا من أعظم الألم ولهذا يكون ألم الإنسان في البرزخ وفي دار الحيوان بفوات محبوبه أعظم من ألمه بفواته في الدنيا من ثلاثة أوجه أحدها معرفته هناك بكمال ما فاته ومقداره الثاني شدة حاجته إليه وشوق نفسه إليه مع أنه قد حيل بينه وبينه كما قال الله تعالى {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} الثالث حصول ضده المؤلم له فليتأمل العاقل هذا الموضع ولينزل نفسه منزلة من قد فاته أعظم محبوب وأنفعه وهو أفقر شيىء وأحوجه إليه فواتا لا يرجى تداركه وحصل على ضده فيا لها من مصيبة ما أوجعها وحالة ما أفظعها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 159 فأين هذه الحال من حالة من يلتذ في الدنيا بكل ما يقصد به وجه الله سبحانه وتعالى من الأكل والشرب واللباس والنكاح وشفاء الغيظ بقهر العدو وجهاد في سبيله فضلا عما يلتذ به من معرفة ربه وحبه له وتوحيده والإثابة إليه والتوكل عليه والإقبال عليه وإخلاص العمل له والرضا به وعنه والتفويض إليه وفرح القلب وسروره بقربه والأنس به والشوق إلى لقائه كما في الحديث الذي صححه ابن حبان والحاكم وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وهذه اللذة لا تزال في الدنيا في زيادة مع تنقيصها بالعدو الباطن من الشيطان والهوى والنفس والدنيا والعدو الظاهر فكيف إذا تجردت الروح وفارقت دار الأحزان والآفات واتصلت بالرفيق الأعلى {مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً} فإذا أفضى إلى دار النعيم فهنا لك من أنواع اللذة والبهجة والسرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فبؤسا وتعسا للنفوس الوضيعة الدنيئة التي لا يهزها الشوق إلى ذلك طربا ولا تتقد نار إرادتها لذلك رغبا ولا تعبد عما يصد عن ذلك رهبا فبصائرها كما قيل خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ولاءمها قطع من الليل مظلم تجول حول الحش إذا جالت النفوس العلوية حول العرش وتندس في الأحجار إذا طارت النفوس الزكية إلى أعلى الأوكار الجزء: 1 ¦ الصفحة: 160 فلم تر أمثال الرجال تفاوتوا ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد فصل وكل لذة أعقبت ألما أو منعت لذة أكمل منها فليست بلذة في الحقيقة وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها فأي لذة لآكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم وذلك مثل لذة العين اتخذوا من دون الله أولياء يحبونهم كحب الله فنالوا بهم مودة بينهم في الحياة الدنيا ثم استحالت تلك اللذة أعظم ألم وأمره ومن ذلك لذة العقائد الفاسدة والفرح بها ولذة غلبة أهل الجور والظلم والعدوان والزنى والسرقة وشرب المسكرات وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه لم يمكنهم من ذلك لخير يريده بهم إنما هو استدراج منه لينيلهم به أعظم الألم قال الله تعالى {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ} وقال تعالى {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} فصل وأما اللذة التي لا تعقب ألما في دار القرار ولا توصل إلى لذة هناك فهي لذة باطلة إلا لا منفعة فيها ولا مضرة وزمنها يسير ليس لتمتع النفس بها قدر وهي لا بد أن تشغل عما هو خير وأنفع منها في العاجلة والآجلة وإن لم تشغل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 161 عن أصل اللذة في الآخرة وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق " رواه مسلم ولهذا كانت لذة اللعب بالدف في العرس جائزة فإنها تعين على النكاح كما تعين لذة الرمي بالقوس وتأديب الفرس على الجهاد وكلاهما محبوب لله فما أعان على حصول محبوبه فهو من الحق ولهذا عد ملاعبة الرجل امرأته من الحق لإعانتها على مقاصد النكاح الذي يحبه الله سبحانه وتعالى وما لم يعن على محبوب الرب تعالى فهو باطل لا فائدة فيه ولكن إذا لم يكن فيه مضرة راجحة لم يحرم ولم ينه عنه ولكن إذا صد عن ذكر الله وعن الصلاة صار مكروها بغيضا للرب عز وجل مقيتا عنده إما بأصله وإما بالتجاوز فيه وكل ما صد عن اللذة المطلوبة فهو وبال على صاحبه فإنه لو اشتغل حين مباشرته له بما ينفعه ويجلب له اللذة المطلوبة الباقية لكان خيرا له وأنفع ولما كانت النفوس الضعيفة كنفوس النساء والصبيان لا تنقاد إلى أسباب اللذة العظمى إلا بإعطائها شيئا من لذة اللهو واللعب بحيث لو فطمت عنه كل الفطام طلبت ما هو شر لها منه رخص لها من ذلك فيما لم يرخص فيه لغيرها وهذا كما دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده جوار يضربن بالدف فأسكتهن لدخوله وقال " هذا رجل لا يحب الباطل" فأخبر أن ذلك باطل ولم يمنعهن منه لما يترتب لهن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 162 عليه من المصلحة الراجحة ويتركن به مفسدة أرجح من مفسدته وأيضا فيحصل لهم من التألم بتركه مفسدة هي أعظم من مفسدته فتمكينهم من ذلك من باب الرحمة والشفقة والإحسان كما مكن النبي صلى الله عليه وسلم أبا عمير من اللعب بالعصفور بحضرته ومكن الجاريتين من الغناء بحضرته ومكن عائشة رضي الله عنها من النظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ومكن تلك المرأة أن تضرب على رأسه بالدف ونظائر ذلك فأين هذا من اتخاذ الشيوخ المشار إليهم المقتدى بهم ذلك دينا وطريقا مع التوسع فيه غاية التوسع بما لا ريب في تحريمه ونظير هذا إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم من الزكاة والغنيمة لضعف قلوبهم عن قلوب الراسخين في الإيمان من أصحابه ولهذا أعطى هؤلاء ومنع هؤلاء وقال أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغناء والخير ونظير هذا مزاحه مع من كان يمزح معه من الأعراب والصبيان والنساء تطييبا لقلوبهم واستجلابا لإيمانهم وتفريحا لهم وفي مراسيل الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أصحاب الدركلة فقال خذوا يا بني أرفدة حتى تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة ذكره أبو عبيد وقال الدركلة لعبة العجم فالنبي صلى الله عليه وسلم يبذل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألفها به على الحق المأمور به ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه لأن ذلك وسيلة إلى غيره ولا يفعل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 163 ذلك مع من لا يحتاج إليه كالمهاجرين والأنصار بل يبذل لهم أنواعا أخر من الإحسان إليهم والمنافع في دينهم ودنياهم ولما كان عمر نب الخطاب رضي الله عنه ممن لا يحب هذا الباطل ولا سماعه ولا يحتاج أن يتألف بما يتألف به غيره وليس مأمورا بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التأليف على الإيمان به وطاعته بكل طريق كان إعراضه عنه كمالا بالنسبة إليه وحال النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه أكمل فصل إذا عرف هذا فأقسام اللذات ثلاثة لذة جثمانية ولذة خيالية وهمية ولذة عقلية روحانية فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب والجماع وهذه اللذة يشترك فيها مع الإنسان الحيوان البهيم فليس كمال الإنسان بهذه اللذة لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها ولأنها لو كانت كمالا لكان أفضل الإنسان وأشرفهم وأكملهم أكثرهم أكلا وشربا وجماعا وأيضا لو كانت كمالا لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كاملا وإنما تكون كما لا إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى كما تقدم فصل وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرئاسة والتعاظم على الخلق والفخر والاستطالة عليهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 164 وهذه اللذة وإن كان طلابها أشرف نفوسا من طلاب اللذة الأولى فإن آلامها وما توجبه من المفاسد والمضار أعظم من التذاذ النفس بها فإن صاحبها منتصب لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه ولهذا شروط وحقوق تفوت على صاحبها كثيرا من لذاته الحسية ولا يتم إلا بتحمل مشاق وآلام أعظم منها فليست هذه في الحقيقة بلذة وإن فرحت بها النفس وسرت بحصولها وقد قيل إنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع ولذلك يدفع ألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرئاسة والجاه والتحقيق أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد فصل وأما اللذة العقلية الروحانية فهي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم والمروءة وغيرها فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته وحده لا شريك له والرضا به عوضا عن كل شيء ولا يتعوض بغيره عنه فصاحب هذه اللذة في جنة عاجلة نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة الجنة إلى لذة الدنيا فإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده وقرة العين به والأنس بقربه والشوق إلى لقائه ورؤيته وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام الجزء: 1 ¦ الصفحة: 165 فكيف بالإيمان الذي يمنع دخولها قال بعض العارفين من قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ويكفي في فضل هذه اللذة وشرفها أنها تخرج من القلب ألم الحسرة على ما يفوت من هذه الدنيا حتى إنه ليتألم بأعظم ما يلتذ به أهلها ويفر منه فرارهم من المؤلم وهذا موضع الحاكم فيه الذوق لا مجرد لسان العلم وكان بعض العارفين يقول مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا طيب نعيمها فيقال له وما هو فيقول محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه ومعرفة أسمائه وصفاته وقال آخر أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته وألذ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة وقال آخر والله إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب وأنت ترى محبة من في محبته عذاب القلب والروح كيف توجب لصاحبها لذة يتمنى أنه لا يفارقه حبه كما قال شاعر الحماسة تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي قالت رابعة شغلوا قلوبهم بحب الدنيا عن الله ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت إليهم بطرائف الفوائد وقال سلم الخواص تركتموه وأقبل بعضكم على بعض ولو أقبلتم عليه لرأيتم العجائب وقالت امرأة من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 166 العابدات لو طالعت قلوب المؤمنين بفكرها ما ذخر لها في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لها في الدنيا عيش ولم تقر لها في الدنيا عين وقال بعض المحبين إن حبه عز وجل شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبة غيره فليس لهم في الدنيا مع حبه عز وجل لذة تداني محبته ولا يؤملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه محبوبهم وقال بعض السلف ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما من اللذة والنعيم مالا خطر له مما وعد به من لا أصدق منه حديثا وإذا أراد به غير ذلك تركه على ما هو عليه ثم قرأ {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} ولو لم يكن للقلب المشتغل بمحبة غير الله المعرض عن ذكره العقوبة إلا صدؤه وقسوته وتعطيله عما خلق له لكفى بذلك عقوبة وقد روى عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما جلاؤها قال تلاوة القرآن" وقال بعض العارفين إن الحديد إذا لم يستعمل غشيه الصدأ حتى يفسده كذلك القلب إذا عطل من حب الله والشوق إليه وذكره غلبه الجهل حتى يميته ويهلكه وقال رجل للحسن يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي قال أذبه بالذكر وأبعد القلوب من الله القلب القاسي ولا يذهب قساوته إلا حب مقلق أو خوف مزعج فإن قيل ما السبب الذي لأجله يلتذ المحب بحبه وإن لم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 167 يظفر بحبيبه قيل الحب يوجب حركة النفس وشدة طلبها والنفس خلقت متحركة بالطبع كحركة النار فالحب حركتها الطبيعية فكل من أحب شيئا من الأشياء وجد في حبه لذة وروحا فإذا خلا عن الحب مطلقا تعطلت النفس عن حركتها وثقلت وكسلت وفارقها خفة النشاط ولهذا تجد الكسالى أكثر الناس هما وغما وحزنا ليس لهم فرح ولا سرور بخلافأرباب النشاط والجد في العمل أي عمل كان فإن كان النشاط في عمل هم عالمون بحسن عواقبه وحلاوة غايته كان التذاذهم بحبه ونشاطهم فيه أقوى وبالله التوفيق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 168 ا لباب الرابع عشر: فيمن مدح العشق وتمناه وغبط صاحبه على ما أوتيه من مناه هذا موضع انقسم الناس فيه قسمين وربما كان الشخص الواحد فيه مجموع الحالتين فقسم مدحوا العشق وتمنوه ورغبوا فيه وزعموا أن من لم يذق طعمه لم يذق طعم العيش قالوا وقد تبين أن كمال اللذة تابع لكمال الحب فأعظم الناس لذة بالشيء أكثرهم محبة له وقد تقدم بقريره قالوا وقد حبب الله سبحانه وتعالى إلى رسله وأنبيائه نساءهم وسراريهم فكان آدم أبو البشر شديد المحبة لحواء وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أنه خلق زوجته منه ليسكن إليها قالوا وحبه لها هو الذي حمله على موافقتها في الأكل من الشجرة قالوا وأول حب كان في هذا العالم حب آدم لحواء وصار ذلك سنة في ولده في المحبة بين الزوجين قالوا وهذا داود من محبته للنساء جمع بين مائة امرأة وكذلك ابنه سليمان قالوا وقد عاب اليهود عليهم لعائن الله رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة النساء وكثرة تزوجه فأنزل الله سبحانه وتعالى ذبا عن رسوله وإخبارا بأن ذلك من فضله وإنعامه عليه {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً} قالوا وقد كان عند إبراهيم خليل الرحمن أجمل النساء سارة ثم تسرى بهاجر وكانت المحبة لها قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان إبراهيم الخليل يحب سريته هاجر محبة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 169 شديدة وكان يزورها في كل يوم على البراق من الشام من شغفه بها قال الخرائطي حدثنا نصر بن داود حدثنا الواقدي عن محمد بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن عامر عن سعد عن أبيه فذكره وقد ثبت في الصحيح من حديث الشعبي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فلما رجعت قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك قال وما تريد قلت أحب أن أعلم قال عائشة قلت إنما أعني من الرجال قال أبوها وذكر مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن عمته عن عائشة أن فاطمة رضي الله عنهم ذكرتها عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها يا بنية إنها حبيبة أبيك وأصل الحديث في الصحيح من حديث الليث عن ابن شهاب عن محمد ابن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم إليه فدخلت وهو مضطجع معي في مرطي فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألست تحبين ما أحب قالت بلى قال فأحبي هذه " وثبت في الصحيح من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 170 ويقول اللهم هذا فعلي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يريد أنه يطيق العدل بينهن في النفقة عليهن والقسم بينهن وأما التسوية بينهن في المحبة فليست إليه ولا يملكها وقال ابن سيرين سألت عبيدة عن قوله تعالى {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} فقال يعني الحب والجماع وقال ابن عباس لا يستطيع أن يعدل بينهن في الشهوة ولو حرص وقال أبو قيس مولى عمرو بن العاص بعثني عمرو إلى أم سلمة فقال سلها أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل أهله وهو صائم فإن قالت لا فقل لها إن عائشة رضي الله عنها حدثتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم فسألها فقالت لا فأخبرها بما قال عبد الله فقالت أم سلمة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى عائشة رضي الله عنها لم يتمالك عنها أما أنا فلا وقال بيان الشعبي أتاني رجل فقال كل أمهات المؤمنين أحب إلا عائشة فقلت أما أنت فقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عائشة رضي الله عنها أحبهن إلى قلبه وقال مصعب بن سعد فرض عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن عشرة آلافعشرة آلاف وزاد عائشة ألفين وقال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 171 إنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مسروق إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها يقول حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول رب العالمين المبرأة من فوق سبع سموات قال أبو محمد بن حزم وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير قال الخرائطي واشترى عبد الله بن عمر جارية رومية فكان يحبها حبا شديدا فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويفديها وكانت تقول له أنت قالون تعني جيد ثم إنها هربت منه فوجد عليها وجدا شديدا وقال قد كنت أحسبني قالون فانصرفت ... فاليوم أعلم أني غير قالون وقصة مغيث وعشقه بريرة حتى إنه كان يطوف وراءها ودموعه تسيل على خديه في الصحيح وكان عروة بن أذينة شيخ مالك من العلماء الثقات الصلحاء وقفت عليه امرأة فقالت أنت الذي يقال له الرجل الصالح وأنت تقول إذا وجدت لهيب الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد هذا بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد وكان محمد بن سيرين ينشد إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لألقيت نفسي نحوها وقضيت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 172 وقال صالح عن ابن شهاب حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن مسعود رضي الله عنه قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في قريب من ثمانين رجلا ليس فيهم إلا قرشي والله ما رأيت صفحة وجوه قط أحسن من وجوههم يومئذ قال فذكروا النساء فتحدثوا فيهن وتحدثت معهم حتى أحببت أن نسكت قالوا ولولا لطافة الحب ولذته ما تمناه المتمنون وقال شاعر الحماسة تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكانت لقلبي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي قالوا والعشق المباح مما يؤجر عليه العاشق كما قال شريك بن عبد الله وقد سئل عن العشاق فقال أشدهم حبا أعظمهم أجرا وصدق والله إذا كان المعشوق ممن يحب الله للعاشق قربه ووصله وقالت امرأة لن يقبل الله من معشوقه عملا ... يوما وعاشقها لهفان مهجور ليست بمأجورة في قتل عاشقها ... لكن عاشقها في ذاك مأجور ونحن نقول متى باتت مهاجرة لفراش عاشقها الذي هو بعلها لعنتها الملائكة حتى تصبح قالوا والعشق يصفي العقل ويذهب الهم ويبعث على حسن اللباس وطيب المطعم ومكارم الأخلاق ويعلي الهمة ويحمل على طيب الرائحة وكرم العشرة وحفظ الأدب والمروءة وهو بلاء الصالحين ومحنة العابدين وهو ميزان العقول وجلاء الأذهان وهو خلق الكرام كما قيل وما أحببتها فحشا ولكن ... رأيت الحب أخلاق الكرام قالوا وأرواح العشاق عطرة لطيفة وأبدانهم رقيقة ضعيفة وأزواجهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 173 بطيئة الانقياد لمن قادها حاشا سكنها الذي سكنت إليه وعقدت حبها عليه وكلامهم ومنادمتهم تزيد في العقول وتحرك النفوس وتطرب الأرواح وتلهو بأخبارهم أولو الألباب فأحاديث العشاق زينة مجالسهم وروح محادثتهم ويكفي أن يكون الأعرابي الذي لا يذكر مع الملوك ولا مع الشجعان الأبطال يعشق ويشتهر بالعشق فيذكر في مجالس الملوك والخلفاء ومن دونهم وتدون أخباره وتروى أشعاره ويبقى له العشق ذكرا مخلدا ولولا العشق لم يذكر له اسم ولم يرفع له رأس وقال بعض العقلاء العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان إن تركته ضرك وإن أكثرت منه قتلك وقال ابن عبد البر في كتابه بهجة المجالس وجد في صحيف لبعض أهل الهند العشق ارتياح جعل في الروح وهو معنى تنتجه النجوم في مطارح شعاعها ويتولد في الطباع بوصلة أشكالها وتقبله الروح بلطيف جوهرها وهو يعد جلاء القلوب وصيقل الأذهان ما لم يفرط فإذا أفرط صار سقما قاتلا ومرضا منهكا لا تنفذ فيه الآراء ولا تنجع فيه الحيل والعلاج منه زيادة فيه وقال أعرابي هو أنيس النفس ومحادث العقل تجنه الضمائر وتخدمه الجوارح وقال عبد الله بن طاهر أمير خراسان لولده اعشقوا تظرفوا وعفوا تشرفوا وقال قدامة وصفه بعض البلغاء فقال يشجع الجبان ويسخي البخيل ويصفي ذهن البليد ويفصح لسان العيي ويبعث حزم العاجز الجزء: 1 ¦ الصفحة: 174 ويويذل له عز الملوك وتصدع له صولة ... الشجاع وهو داعية الأدب وأول باب تفتق به الأذهان والفطن وتستخرج به دقائق المكايد والحيل وإليه تستروح الهمم وتسكن نوافر الأخلاق والشيم يمتع جليسه ويؤنس أليفه وله سرور يجول في النفوس وفرح يسكن في القلوب وقيل لبعض الرؤساء ابنك قد عشق فقال الحمد لله الآن رقت حواشيه ولطفت معانيه وملحت إشاراته وظرفت حركاته وحسنت عباراته وجادت رسائله وحلت شمائله فواظب على المليح واجتنب القبيح وقيل لآخر ذلك فقال إذا عشق لطف وظرف ودق ورق وقيل لبعضهم متى يكون الفتى بليعا قال إذا صنف كتابا أو وصف هوى أو حبيبا وقيل لسعيد بن أسلم إن ابنك شرع في الرقيق من الشعر فقال دعوه يظرف وينظف ويلطف وقال العباس بن الأحنف وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى ... ولا خير فيمن لا يحب ويعشق وقال الحسين بن مطير إن الغواني جنة ريحانها ... نضر الحياة فأين عنها نعزف لولا ملاحتهن ما كانت لنا ... دنيا نلذ بها ولا نتصرف وقال غيره ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... وأنت وحيد مفرد غير عاشق وقال آخر هل العيش إلا أن تروح وتغتدي ... وأنت بكأس العشق في الناس نشوان الجزء: 1 ¦ الصفحة: 175 وقال العطوي ما دنت بالحب إلا ... والحب دين الكرام وقال آخر نظرت إليها نظرة فهويتها ... ومن ذا له عقل سليم ولا يهوى وقال آخر وما سرني أني خلي من الهوى ... ولو أن لي ما بين شرق ومغرب وقال آخر وما تلفت إلا من العشق مهجتي ... وهل طاب عيش لامرئ غير عاشق وقال آخر ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولا في نعيم ليس فيه حبيب وقال الكميت ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق ألعشق فيه حلاوة ومرارة ... فاسأل بذلك من تطعم أو ذوق وقال آخر وما طابت الدنيا بغير محبة ... وأي نعيم لامرئ غير عاشق وقال آخر أسكن إلى سكن تلذ بحبه ... ذهب الزمان وأنت خال مفرد وقال آخر إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فأنت وعير في الفلاة سواء وقال آخر إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 176 وقال آخر إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فقم فاعتلف تبنا فأنت حمار وقال آخر إذا لم تذق في هذه الدار صبوة ... فموتك فيها والحياة سواء وقال الأقرع بن معاذ ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيبا ولا وافى إليك حبيب وقال آخر وما ذاق طعم العيش من لم يكن له ... حبيب إليه يطمئن ويسكن وقال علي بن أبي كثير لابن أبي الزرقاء هل عشقت قط حتى تكاتب وتراسل وتواعد قال لا فقال لا يجيء منك شيء وكان لبعض الملوك ولد واحد ساقط الهمة دنيء النفس فاتر فأراد أن يرشحه للملك فسلط عليه الجواري والقيان فعشق منهن واحدة فأعلم بذلك الملك فسر وأرسل إلى المعشوقة أن تجني عليه وقولي إني لا أصلح إلا لملك أو عالم فلما قالت له ذلك أخذ في التعلم وما عليه الملوك من أدوات الملك حتى برع في ذلك وقال المرزباني سئل أبو نوفل هل يسلم أحد من العشق فقال نعم الجلف الجافي الذي ليس له فضل ولا عنده فهم فأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دمائة أهل الحجاز وظرف أهل العراق فهيهات وقال علي بن عبدة لا يخلو أحد من صبوة إلا أن يكون جافي الخلقة ناقصا أو منقوص الهمة أو على خلاف تركيب الاعتدال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 177 قالوا ولا يكمل أحد قط إلا من عشقه لأهل الكمال وتشبه بهم فالعالم يبلغ في العلم بحسب عشقه له وكذلك صاحب كل صناعة وحرفة ويكفي أن العاشق يرتاح لكريم الأخلاق والأفعال والشيم لتحمد شمائله عند معشوقه كما قال ويرتاح للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله وقال أبو المنجاب رأيت في الطواف فتى نحيف الجسم بين الضعف يلوذ ويتعوذ ويقول وددت بأن الحب يجمع كله ... فيقذف في قلبي وينغلق الصدر فلا ينقضي ما في فؤادي من الهوى ... ومن فرحي بالحب أو ينقضي العمر فقلت يا فتى أما لهذه البنية حرمة تمنعك عن هذا الكلام فقال بلى والله ولكن الحب ملأ قلبي بفرح التذكر ففاضت الفكرة في سرعة الأوبة إلى من لا يشذ عنه معرفة ما بي فتمنيت المنى والله ما يسرني ما بقلبي منه ما فيه أمير المؤمنين من الملك وإني أدعو الله أن يثبته في قلبي عمري ويجعله ضجيعي في قبري دريت به أو لم أدر هذا دعائي أو انصرف من حجتي ثم بكى فقلت ما يبكيك قال خوف أن لا يستجاب دعائي وله قصدت وفيه رغبت مما يعطي الله سائر خلقه ثم مضى قالت هذه الفرقة وغاية ما يقدر في أمر العشق أنه يقتل صاحبه كما هو معروف عند جماعة من العشاق وقد قال سويد بن سعيد الحدثاني حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 178 نه قال من عشق فكتم وعف وصبر فمات فهو شهيد رواه عن سويد جماعة وقال الخطيب حدثنا أبو الحسن علي بن أيوب إملاء منه حدثنا أبو عبد الله المرزباني وابن حيوية وابن شاذان قالوا حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه قال دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه فقلت له كيف تجدك فقال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت ما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه فقال الاستمتاع على وجهين أحدهما النظر المباح والثاني اللذة المحظورة فأما النظر المباح فأورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة فإنه منعني منها ما حدثني أبي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة" قال الحاكم أبو عبد الله إنما أتعجب من هذا الحديث فإنه لم يحدث به غير سويد وهو وداود بن علي وابنه أبو بكر ثقات ثم رواه الخطيب حدثنا الأزهري حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا قطبة بن الفضل بن إبراهيم الأنصاري حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق حدثنا سويد حدثنا ابن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا ورواه الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم به ولفظه من عشق فعف فمات فهو شهيد رواه أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب اعتلال القلوب حدثنا أبو يوسف يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن بن عوف عن الزبير فذكره فخرج سويد الجزء: 1 ¦ الصفحة: 179 عن عهدة التفرد به على أنه لو تفرد به فهو ثقة احتج به مسلم في صحيحه وقال عبد الله بن أحمد قال لي أبي أكتب عنه حديث ضمام وقال البغوي كان حافظا وكان أحمد ينتقي لولديه عليه صالح وعبد الله فكانا يختلفان إليه وقال مسلم ثقة ثقة وقال أبو حاتم الرازي ويعقوب بن شيبة هو صدوق وأكثر ما عيب به التدليس وقد صرح هاهنا بالتحديث وعيب بأنه ذهب بصره في آخر عمره فربما أدخل عليه هذا الحديث في كتبه ولكن رواية الأكابر عنه هذا الحديث كان قبل ذهاب بصره لأنه إنما عمي في آخر عمره وليس هذا بقادح في حديثه قلت وهذا حديث باطل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا لا يشبه كلامه وقد صح عنه أنه عد الشهداء ستا فلم يذكر فيهم قتيل العشق شهيدا ولا يمكن أن يكون كل قتيل بالعشق شهيدا فإنه قد يعشق عشقا يستحق عليه العقوبة وقد أنسكر حفاظ الإسلام هذا الحديث على سويد وقد تكلم الناس فيه فقال ابن المديني ليس بشيء والضرير إذا كان عنده كتب فهو عيب شديد وقال يعقوب بن شيبة صدوق مضطرب الحفظ ولا سيما بعد ما عمي وقال البخاري كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه وقال أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث أحد ما أنكر على سويد وأنكره البيهقي وأبو الفضل بن طاهر وأبو الفرج بن الجوزي وأدخله في كتابه الموضوعات ولما رواه أبو بكر الأزرق عن سويد عاتبه عليه ابن المرزبان فأسقط ذكر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 180 النبي صلى الله عليه وسلم منه وكان سويد إذا سئل عنه لا يرفعه وهذا أحسن أحواله أن يكون موقوفا ولذلك رواه أبو محمد الحسين القاري من حديث أبي سعد البقال عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله وأما سياق الخطيب له من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها فلا يشك من شم رائحة الحديث أن هذا باطل على هشام عن أبيه عن عائشة ولا يحتمل هذا المتن هذا الإسناد بوجه والتحاكم في ذلك إلى أهل الحديث لا إلى العارين الغرباء منه والظاهر أن ابن مسروق سرقه وغير إسناده وأما حديث الزبير بن بكار فمن رواية يعقوب بن عيسى وهو ضعيف لا تقوم به حجة قد ضعفه أهل الحديث ونسبوه إلى الكذب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 181 الباب الخامس عشر فيمن ذم العشق وتبرم به وما احتج به كل فريق على صحة مذهبه قال الله تعالى إخبارا عن المؤمنين ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا وقد أثنى الله عليهم سبحانه بهذا الدعاء الذي سألوه فيه أن لا يحملهم مالا طاقة لهم به وقد فسر ذلك بالعشق وليس المراد اختصاصه به بل المراد أن العشق مما لا طاقة للعبد به وقال مكحول هو شدة الغلمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي للمرء أن يذل نفسه قال الإمام أحمد تفسيره أن يتعرض من البلاء لما لا يطيق وهذا مطابق لحال العاشق فإنه أذل الناس لمعشوقه ولما يحصل به رضاه والحب مبناه على الذل والخضوع للمحبوب كما قيل اخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد وقال آخر مساكين أهل العشق حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 182 وقال آخر قالوا عهدناك ذا عز فقلت لهم ... لا يعجب الناس من ذل المحبينا لا تنكروا ذلة العشاق إنهم ... مستعبدون برق الحب راضونا قالوا وإذا اقتحم العبد بحر العشق ولعبت به أمواجه فهو إلى الهلاك أدنى منه إلى السلامة كما ذكر الخرائطي أنه كان بالمدينة جارية ظريفة فهويت رجلا من قريش وكان لا يفارقها ولا تفارقه فملها وزاد حبها له فسقمت وجعل مولاها لا يعبأ بشكواها ولا يرق لها حتى هامت على وجهها ومزقت ثيابها وأفضت إلى أمر عظيم فلما رأى ما صرت إليه عالجها فلم ينفع فيها العلاج وكانت تدور في السكك بالليل وتقول ألحب أول ما يكون لجاجة ... تأتي به وتسوقه الأقدار حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار من ذا يطيق كما نطيق من الهوى ... غلب العزاء وباحت الأسرار قال الخرائطي وأنشدني بعض أصحابنا الحب أوله شيء يهيم به ... قلب المحب فيلقى الموت كاللعب يكون مبدؤه من نظرة عرضت ... ومزحة أشعلت في القلب كاللهب كالنار مبدؤها من قدحة فإذا ... تضرمت أحرقت مستجمع الحطب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 183 قالوا وكيف يمدح أمر يمنع القرار ويسلب المنام ويوله العقل ويحدث الجنون بل هو نفسه جنون كما قال بعض الحكماء الجنون فنون والعشق فن من فنونه كما قال بعض العشاق قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم ... ألعشق أعظم مما بالمجانين ألعشق لا يستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين قالوا وكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله وعرضه ونفسه وضيع أهله ومصالح دينه ودنياه قال الزبير بن بكار جاءت بدوية إلى أخت لها فقالت كيف بك من حب فلان قالت حرك والله حبه الساكن وسكن المتحرك ثم أنشأت تقول فلو أن ما بي بالحصى فلق الحصى ... وبالريح لم يسمع لهن هبوب ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب علي ذنوب فقلت والله لأسألنه كيف هو من حبك فجاءته فسألته فقال إنما الهوى هوان ولكنه خولف باسمه وإنما يعرف ذلك من استبكته المعالم والطلول وأنشد أبو الفضل الربعي قد أمطرت عيني دما فدماؤها ... بعد الدموع من الجفون هوامل كيف العزاء ولا يزال من الضنى ... في الجسم مني والجوانح نازل لهفي على زمن مضى تجتازني ... فيه صروف الدهر وهي عواقل قالوا والعشق هو الداء الدوي الذي تذوب معه الأرواح ولا يقع معه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 184 الارتياح بل هو بحر من ركبه غرق فإنه لا ساحل له ولا نجاة منه وهو الذي قال فيه القائل وما أحد في الناس يحمد أمره ... فيوجد إلا وهو في الحب أحمق وما أحد ما ذاق بؤس معيشة ... فيعشق إلا ذاقها حين يعشق وقال العباس بن الأحنف ويح المحبين ما أشقى نفوسهم ... إن كان مثل الذي بي بالمحبينا يشقون في هذه الدنيا بعشقهم ... لا يرزقون به دنيا ولا دينا وقال آخر ألعشق مشغلة عن كل صالحة ... وسكرة العشق تنفي لذة الوسن وقال محمد بن أبي محمد اليزيدي كيف يطيق الناس وصف الهوى ... وهو جليل ما له قدر بل كيف يصفو لحليف الهوى ... عيش وفيه البين والهجر وقال محمد بن أمية قرين الحب يأنس بالهموم ... ويكثر فكرة القلب السقيم وأعظم ما يكون به اغتباطا ... على خطر ومطلع عظيم وقال أبو تمام أما الهوى فهو العذاب فإن جرت ... فيه النوى فأليم كل عذاب وقال ابن أبي حصينة والعشق يجتذب النفوس إلى الردى ... بالطبع واحسدي لمن لم يعشق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 185 وقال ابن المعتز الحب داء عضال لا دواء له ... يحار فيه الأطباء النحارير قد كنت أحسب أن العاشقين غلوا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصير وقال أعرابي ألا ما الهوى والحب بالشيء هكذا ... يذل به طوع اللسان فيوصف ولكنه شيء قضى الله أن ... هو الموت أو شيء من الموت أعنف فأوله سقم وآخره ضنى ... وأوسطه شوق يشف ويتلف وروع وتسهيد وهم وحسرة ... ووجد على وجد يزيد ويضعف وقال عبد المحسن الصوري ما الحب إلا مسلك خطر ... عسر النجاة وموطىء زلق وقال آخر وكان ابتداء الذي بي مجونا ... فلما تمكن أمسى جنونا وكنت أظن الهوى هينا ... فلاقيت منه عذابا مهينا وقالت امرأة رأيت الهوى حلوا إذا اجتمع الشمل ... ومرا على الهجران لا بل هو القتل فمن لم يذق للهجر طعما فإنه ... إذا ذاق طعم الحب لم يدر ما الوصل وقد ذقت طعميه على القرب والنوى ... فأبعده قتل وأقربه خبل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 186 قالوا والعشق يترك الملك مملوكا والسلطان عبدا كما قال الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل وكان ملك الأندلس ظل من فرط حبه مملوكا ... ولقد كان قبل ذاك مليكا تركته جآذر القصر صبا ... مستهاما على الصعيد تريكا يجعل الخد واضعا فوق ترب ... للذي يجعل الحرير أريكا هكذا يحسن التذلل بالحر ... إذا كان في الهوى مملوكا وقال الرشيد وقد عشق ثلاث جوار من جواريه ويقال إنه المأمون ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني وقال بعض الملوك في جارية له عشقها وكانت كثيرة التجني عليه أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو جهدت على تلافي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي وقال ابن طاهر ملك خراسان فإني وإن حنت إليك ضمائري ... فما قدر حبي أن يذل له قدري وقال ابن الأحمر ملك الأندلس أيا ربة الخدر التي أذهبت نسكي ... على كل حال أنت لا بد لي منك فإما بذل وهو أليق بالهوى ... وإما بعز وهو أليق بالملك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 187 قالوا وكم ممن هرب من الحب إلى مظان التلف ليتخلص من التلف بالتلف قال دعبل الشاعر كنت بالثغر فنودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا بفتى يجر رمحه بين يدي فالتفت فنظر إلي فقال أنت دعبل قلت نعم قال اسمع مني ثم أنشدني فقال أنا في أمري رشاد ... بين غزو وجهاد بدني يغزو عدوي ... والهوى يغزو فؤادي ثم قال كيف ترى قلت جيد والله قال فوالله ما خرجت إلا هاربا من الحب ثم قاتل حتى قتل وقال أصرم بن حميد نحن قوم تليننا الحدق النجل ... على أننا نلين الحديدا طوع أيدي الظباء تقتادنا العين ... ونقتاد بالطعان الأسودا تتقي سخطنا الليوث ونخشى ... صولة الخشف حين يبدي الصدودا وترانا عند الكريهة أحرا ... را وفي السلم للغواني عبيدا قالوا ورأينا الداخل فيه يتمنى منه الخلاص ولات حين مناص قال الخرائطي أنشدني أبو جعفر العبدي إن الله نجاني من الحب لم أعد ... إليه ولم اقبل مقالة عاذلي ومن لي بمنجاة من الحب بعدما ... رمتني دواعي الحب بين الحبائل وقال أبو عبيدة الحبائل الموت قال وأنشدني أبو عبيد الله بن الدولابي دعوت ربي دعاء فاستجاب له ... كما دعا ربه نوح وأيوب أن ينزع الداء من صدري ويجعله ... في صدر سلمى وحمل الداء تعطيب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 188 أو يشف قلبي سريعا من صبابته ... فلا أحن إذا حن المطاريب قالوا وكم أكبت فتنة العشق رؤوسا على مناخرها في الجحيم وأسلمتهم إلى مقاساة العذاب الأليم وجرعتهم بين أطباق النار كؤوس الحميم وكم أخرجت من شاء الله من العلم والدين كخروج الشعرة من العجين وكم أزالت من نعمة وأحلت من نقمة وكم أنزلت من معقل عزه عزيزا فإذا هو من الأذلين ووضعت من شريف رفيع القدر والمنصب فإذا هو في أسفل السافلين وكم كشفت من عورة وأحدثت من روعة وأعقبت من ألم وأحلت من ندم وكم أضرمت من نار حسرات أحرقت فيها الأكباد وأذهبت قدرا كان للعبد عند الله وفي قلوب العباد وكم جلبت من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء فقل أن يفارقها زوال نعمة أو فجاءة نقمة أو تحويل عافية أو طروق بلية أو حدوث رزية فلو سألت النعم ما الذي أزالك والنقم ما الذي أدالك والهموم والأحزان ما الذي جلبك والعافية ما الذي أبعدك وجنبك والستر ما الذي كشفك والوجه ما الذي أذهب نورك وكسفك والحياة ما الذي كردك وشمس الإيمان ما الذي كورك وعزة النفس ما الذي أذلك وبالهوان بعد الإكرام بدلك لأجابتك بلسان الحال اعتبارا إن لم تجب بالمقال حوارا هذه والله بعض جنايات العشق على أصحابه لو كانوا يعقلون {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يكفي اللبيب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 189 موعظة واستبصارا ما قصه الله سبحانه وتعالى عليه في سورة الأعراف في شأن أصحاب الهوى المذموم تحذيرا واعتبارا فبدأ سبحانه وتعالى بهوى إبليس الحامل له على التكبر عن طاعة الله عز وجل في أمره بالسجود لآدم فحمله هوى النفس وإعجابه بها على أن عصى أمره وتكبر على طاعته فكان من أمره ما كان ثم ذكر سبحانه هوى آدم حين رغب في الخلود في الجنة وحمله هواه على أن أكل من الشجرة التي نهي عنها وكان الحامل له على ذلك هوى النفس ومحبتها للخلود فكان عاقبة ذلك الهوى والشهوة إخراجه منها إلى دار التعب والنصب وقيل إنه إنما أكل منها طاعة لحواء فحمله حبه لها أن أطاعها ودخل في هواها وإنما توصل إليه عدوه من طريقها ودخل عليه من بابها فأول فتنة كانت في هذا العالم بسبب النساء ثم ذكر سبحانه فتنة الكفار الذين أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا وابتدعوا في دينه ما لم يشرعه وحرموا زينته التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق وتعبدوا له بالفواحش وزعموا أنه أمرهم بها واتخذوا الشياطين أولياء من دونه والحامل لهم على ذلك كله الهوى والحب الفاسد وعليه حاربوا رسله وكذبوا كتبه وبذلوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم دونه حتى خسروا الدنيا والآخرة ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة قوم نوح وما أصارهم إليه الهوى من الغرق في الدنيا ودخول النار في الآخرة ثم ذكر قصة عاد وما أفضى إليه بهم الهوى من الهلاك الفظيع والعقوبة المستمرة ثم قصة قوم صالح كذلك ثم قصة العشاق أئمة الفساق وناكحي الذكران وتاركي النسوان وكيف أخذهم وهم في خوضهم يلعبون وقطع دابرهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 190 وهم في سكر عشقهم يعمهون وكيف جمع عليهم من العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم أجمعين وجعلهم سلفا لإخوانهم اللوطية من المتقدمين والمتأخرين ولما تجرأوا على هذه المعصية ومردوا ونهجوا لإخوانهم طريقا وقاموا بأمرها وقعدوا ضجت الملائكة إلى الله من ذلك ضجيجا وعجت الأرض إلى ربها من هذا الأمر عجيجا وهربت الملائكة إلى أقطار السموات وشكتهم إلى الله جميع المخلوقات وهو سبحانه وتعالى قد حكم أنه لا يأخذ الظالمين إلا بعد إقامة الحجة عليهم والتقدم بالوعد والوعيد إليهم فأرسل إليهم رسوله الكريم يحذرهم من سوء صنيعهم وينذرهم عذابه الأليم فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة على رؤوس الملإ منهم والأشهاد وصاح بها بين أظهرهم في كل حاضر وباد وقال فكان في قوله لهم من أعظم الناصحين {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} ثم أعاد لهم القول نصحا وتحذيرا وهم في سكرة عشقهم لا يعقلون {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} فأجاب العشاق جواب من أركس في هواه وغيه فقلبه بعشقه مفتون و {قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} فلما أن حان الوقت المعلوم وجاء ميقات نفوذ القدر المحتوم أرسل الرحمن تبارك وتعالى لتمام الإنعام والامتحان إلى بيت لوط ملائكة في صورة البشر وأجمل ما يكون من الصور وجاءوه في صورة الأضياف النزول بذي الصدر الرحيب {سِيءَ بِهِمْ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 191 وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} وجاء الصريخ إلى اللوطية أن لوطا قد نزل به شباب لم ينظر إلى مثل حسنهم وجمالهم الناظرون ولا رأى مثلهم الراؤون فنادى اللوطية بعضهم يعضا أن هلموا إلى منزل لوط ففيه قضاء الشهوات ونيل أكبر اللذات {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} فلما دخلوا إليه وهجموا عليه قال لهم وهو كظيم من الهم والغم وقلبه بالحزن عميد {اقَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} فلما سمع اللوطية مقاله أجابوه جواب الفاجر المجاهر العنيد {قَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} فقال لهم لوط مقالة المضطهد الوحيد {وْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} فلما رأت رسل الله ما يقاسي نبيه من اللوطية كشفوا له عن حقيقة الحال وقالوا هون عليك {يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} فسر نبي الله سرور المحب وافاه الفرج بغتة على يد الحبيب وقيل له {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} ولما أبوا إلا مراودته عن أضيافه ولم يرعوا حق الجار ضرب جبريل بجناحه على وجوههم فطمس منهم الأعين وأعمى الأبصار فخرجوا من عنده عميانا يتحسسون ويقولون ستعلم غدا ما يحل بك أيها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 192 المجنون فلما انشق عمود الصبح جاء النداء من عند رب الأرباب أن اخسف بالأمة اللوطية وأذقهم أليم العذاب فاقتلع القوي الأمين جبريل مدائنهم على ريشة من جناحه ورفعها في الجو حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها وأتبعوا الحجارة من سجيل وهو الطين المستحجر الشديد وخوف سبحانه إخوانهم على لسان رسوله من هذا الوعيد فقال تعالى {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} فهذه عاقبة اللوطية عشاق الصور وهم السلف وإخوانهم بعدهم على الأثر وإن لم يكونوا قوم لوط بعينهم ... فما قوم لوط منهم ببعيد وإنهم في الخسف ينتظرونهم ... على مورد من مهلة وصيد يقولون لا أهلا ولا مرحبا بكم ... ألم يتقدم ربكم بوعيد فقالوا بلى لكنكم قد سننتم ... صراطا لنا في العشق غير حميد أتينا به الذكران من عشقنا لهم ... فأوردنا ذا العشق شر ورود فأنتم بتضعيف العذاب أحق من ... متابعكم في ذاك غير رشيد فقالوا وأنتم رسلكم أنذرتكم ... بما قد لقيناه بصدق وعيد فما لكم فضل علينا فكلنا ... نذوق عذاب الهون جد شديد كما كلنا قد ذاق لذة وصلهم ... ومجمعنا في النار غير بعيد وكذلك قوم شعيب إنما حملهم على بخس المكيال والميزان فرط محبتهم للمال وغلبهم الهوى على طاعة نبيهم حتى أصابهم العذاب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 193 وكذلك قوم فرعون حملهم الهوى والشهوة وعشق الرئاسة على تكذيب موسى حتى آل بهم الأمر إلى ما آل وكذلك أهل السبت الذين مسخوا قردة إنما أتوا من جهة محبة الحيتان وشهوة أكلها والحرص عليها وكذلك الذي آتاه الرب تبارك وتعالى آياته {فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} وقال تعالى {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} وتأمل قوله تعالى آتيناه آياتنا فأخبر أن ذلك إنما حصل له بإيتاء الرب له لا بتحصيله هو ثم قال {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} ولم يقل فسلخناه بل أضاف الانسلاخ إليه وعبر عن براءته منها بلفظة الانسلاخ الدالة على تخليه عنها بالكلية وهذا شأن الكافر وأما المؤمن ولو عصى الله تبارك وتعالى ما عصاه فإنه لا ينسلخ من الإيمان بالكلية ثم قال {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} ولم يقل فتبعه فإن في أتبعه إعلاما بأنه أدركه ولحقه كما قال الله تعالى فأتبعوهم مشرقين أي لحقوهم ووصلوا إليهم ثم قال {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} ففي ذلك دليل على أن مجرد العلم لا يرفع صاحبه فهذا قد أخبر الله سبحانه أنه آتاه آياته ولم يرفعه بها فالرفعة بالعلم قدر زائد على مجرد تعلمه ثم أخبر الله عز وجل عن السبب الذي منعه أن يرفع بها فقال {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} وقوله {أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أي سكن إليها ونزل بطبعه إليها فكانت نفسه أرضية سفلية لا سماوية علوية وبحسب ما يخلد العبد إلى الأرض يهبط من السماء قال سهل قسم الله الأعضاء من الهوى لكل عضو منه حظا فإذا مال عضو الجزء: 1 ¦ الصفحة: 194 منها إلى الهوى رجع ضرره إلى القلب وللنفس سبع حجب سماوية وسبع حجب أرضية فكلما دفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء فإذا دفن النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش ثم ذكر سبحانه مثل المتبع لهواه كمثل الكلب الذي لا يفارقه اللهث في حالتي تركه والحمل عليه فهكذا هذا لا يفارقه اللهث على الدنيا راغبا وراهبا والمقصود أن هذه السورة من أولها إلى آخرها في ذكر حال أهل الهوى والشهوات وما آل إليه أمرهم فالعشق والهوى أصل كل بلية قال عدي ابن ثابت كان في زمن بني إسرائيل راهب يعبد الله حتى كان يؤتى بالمجانين يعوذهم فيبرأون على يديه وإنه أتي بامرأة ذات شرف من قومها قد جنت وكان لها إخوة فأتوه بها فلم يزل الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت فلما استبان حملها لم يزل يخوفه ويزين له قتلها حتى قتلها ودفنها فذهب الشيطان في صورة رجل حتى أتى بعض إخوتها فأخبره بالذي فعل الراهب ثم أتى بقية إخوتها رجلا رجلا فجعل الرجل يلقى أخاه فيقول والله لقد أتاني آت فذكر لي شيئا كبر علي ذكره فذكر ذلك بعضهم لبعض حتى رفعوا ذلك إلى ملكهم فسار الناس إليه حتى استنزلوه من صومعته فأقر لهم بالذي فعل فأمر به فصلب فلما رفع على الخشبة تمثل له الشيطان فقال أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه فهل أنت مطيعي فيما أقول لك وأخلصك قال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 195 نعم قال تسجد لي سجدة واحدة فسجد له وقتل الرجل فهو قول الله تعالى {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} وقال واصل مولى أبي عيينة دخلت على محمد بن سيرين فقال لي هل تزوجت فقلت لا قال وما يمنعك قلت قلة الشيء قال تزوج عبد الله بن محمد بن سيرين ولا شيء له فرزقه الله ثم حدث أن امرأة من بني إسرائيل يقال لها ميسونة خاصمت إلى حبرين من بني إسرائيل فعلقاها قال وكان كل واحد منهما يكتم صاحبه ما يجد منها فأخبرا أنها في حائط تغتسل قال فجاءا فتسورا عليها الحائط فلما رأتهما دخلت غمرا من الماء فوارت نفسها فقالا لها إنك إن لم تفعلي غدونا فشهدنا عليك بالزور فأبت فشهدا عليها فلما قربت ليقام عليها الحد نزل الوحي على دانيال بتكذيبهما فهذا بعض فتنة العشق وقد روى شعبة عن عبد الملك بن عمير قال سمعت مصعب بن سعد يقول كان سعد يعلمنا هذا الدعاء ويذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 196 "اللهم إني أعوذ بك من فتنة النساء وأعوذ بك من عذاب القبر" وقال الحسن بن عرفة حدثنا أبو معاوية الضرير عن ليث عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إنه لم يكن كفر من مضى إلا من قبل النساء وهو كفر من بقي أيضا وقد روى سفيان بن عيينة عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت على أمتي بعدي أضر على الرجال من النساء" وروى أبو إسحاق عن هبيرة بن يريم عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أخوف ما أخاف على أمتي الخمر والنساء" وقال علي بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء وروى سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قيل لآدم ما حملك على أكل الشجرة قال يا رب زينت لي حواء قال فإني قد عاقبتها لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها وأدميتها في الشهر مرتين الجزء: 1 ¦ الصفحة: 197 وقال ابن عباس رضي الله عنهما أو غيره أول فتنة بني إسرائيل كانت من قبل النساء قالوا ويكفي من مضرة العشق ما اشتهر من مصارع العشاق وذلك موجود في كل زمان فهذا بعض ما احتجت به هذه الفرقة لقولها ونحن نعقد للحكم بين الطائفتين بابا مستقلا بعون الله تعالى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 198 الباب السادس عشر في الحكم بين الفريقين وفصل النزاع بين الطائفتين فنقول العشق لا يحمد مطلقا ولا يذم مطلقا وإنما يحمد ويذم باعتبار متعلقه فإن الإرادة تابعة لمرادها والحب تابع للمحبوب فمتى كان المحبوب مما يحب لذاته أو وسيلة توصله إلى ما يحب لذاته لم تذم المبالغة في محبته بل تحمد وصلاح حال المحب كذلك بحسب قوة محبته ولهذا كان أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حبه كلها لله تعالى وحده بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه فيوحد محبوبه ويوحد حبه وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب توحيد المحبوب أن المحبة لا تصح إلا بذلك فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له فهذا الحب وإن سمي عشقا فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله فلا يحب إلا الله كما في الحديث الصحيح "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" فأخبر أن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 199 العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه ومحبة رسوله هي من محبته ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبة الله وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان الله أحب إليه من نفسه وهذه المحبة هي فوق ما يجده سائر العشاق والمحبين من محبة محبوبهم بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثل لمن تعلقت به وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد وتقتضي كمال اللذة والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركا شركا لا يغفره الله كما قال الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} والصحيح أن معنى الآية والذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا كما لا يماثل محبوبهم غيره وكل آذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته ومن ضرب لمحبته الأمثال التي هي في محبة المخلوق للمخلوق كالوصل والهجر والتجني بلا سبب من المحب وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه علوا كبيرا فهو مخطئ أقبح الخطإوأفحشه وهو حقيق بالإبعاد والمقت والآفة إنما هي من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 200 نفسه وقلة أدبه مع محبوبه والله تعالى نهى أن يضرب عباده له الأمثال فهو لا يقاس بخلقه وما ابتدع من ابتدع إلا من ضرب الأمثال له سبحانه فأصحاب الكلام المحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة في الخبر عنه وما يوصف به وأصحاب الإرادة المنحرفة ضربوا له الأمثال في الإرادة والطلب وكلاهما على بدعة وخطأ والعشق إذا تعلق بما يحبه الله ورسوله كان عشقا ممدوحا مثابا عليه وذلك أنواع أحدها محبة القرآن بحيث يغني بسماعه عن سماع غيره ويهيم قلبه في معانيه ومراد المتكلم سبحانه منه وعلى قدر محبة الله تكون محبة كلامه فمن أحب محبوبا أحب حديثه والحديث عنه كما قيل إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي أما تأملت ما فيه ... من لذيذ خطابي وكذلك محبة ذكره سبحانه وتعالى من علامة محبته فإن المحب لا يشبع من ذكر محبوبه بل لا ينساه فيحتاج إلى من يذكره به وكذلك يحب سماع أوصافه وأفعاله وأحكامه فعشق هذا كله من أنفع العشق وهو غاية سعادة العاشق وكذلك عشق العلم النافع وعشق أوصاف الكمال من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر ومكارم الأخلاق فإن هذه الصفات لو صورت صورا لكانت من أجمل الصور وأبهاها ولو صور العلم صورة لكانت أجمل من صورة الشمس والقمر ولكن عشق هذه الصفات إنما يناسب الأنفس الشريفة الزكية كما أن محبة الله ورسوله وكلامه ودينه إنما تناسب الأرواح العلوية السمائية الزكية لا الأرواح الأرضية الدنية فإذا أردت أن تعرف قيمة العبد وقدره فانظر إلى محبوبه ومراده واعلم أن العشق المحمود لا يعرض فيه شيىء من الآفات المذكورة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 201 بقي هاهنا قسم آخر وهو عشق محمود يترتب عليه مفارقة المعشوق كمن يعشق امرأته أو أمته فيفارقها بموت أو غيره فيذهب المعشوق ويبقى العشق كما هو فهذا نوع من الابتلاء إن صبر صاحبه واحتسب نال ثواب الصابرين وإن سخط وجزع فاته معشوقه وثوابه وإن قابل هذه البلوى بالرضا والتسليم فدرجته فوق درجة الصبر وأعلى من ذلك أن يقابلها بالشكر نظرا إلى حسن اختيار لله له فإنه ما يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له فإذا علم أن هذا القضاء خير له اقتضى ذلك شكره لله على ذلك الخير الذي قضاه له وإن لم يعلم كونه خير له فليسلم للصادق المصدوق في خبره المؤكد باليمين حيث يقول: "والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن" وإيمان العبد يأمره بأن يعتقد بأن ذلك القضاء خير له وذلك يقتضي شكر من قضاه وقدره وبالله التوفيق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 202 الباب السابع عشر: في استحباب تخير الصور الجميلة للوصال الذي يحبه الله ورسوله قال الله تعالى عقيب ذكره ما أحل لعباده من الزوجات والإماء وما حرم عليهم {يريد الله ليبين لكم ويهدكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} أي لا يصبر عن النساء كما ذكر الثوري عن ابن طاوس عن أبيه {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} قال إذا نظر إلى النساء لم يصبر وكذلك قال غير واحد من السلف ولما كانت الشهوة في هذا الباب غالبة لا بد أن توجب ما يوجب التوبة كرر سبحانه وتعالى ذكر التوبة مرتين فأخبر أن متبعي الشهوات يريدون من عباده أن يميلوا ميلا عظيما وأخبر سبحانه وتعالى أنه يريد التخفيف عنا لضعفنا فأباح لنا أن ننكح ما طاب لنا من أطايب النساء أربعا وأن نتسرى من الإماء بما شئنا ولما كان العبد له في هذا الباب ثلاثة أحوال حالة جهل بما يحل له ويحرم عليه وحالة تقصير وتفريط وحالة ضعف وقلة صبر قابل سبحانه جهل عبده بالبيان والهدى وتقصيره وتفريطه بالتوبة وضعفه وقلة صبره بالتخفيف الجزء: 1 ¦ الصفحة: 203 وقال عبد الله بن أحمد في كتاب الزهد لأبيه حدثنا أبو معمر حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعلت قرة عيني في الصلاة وحبب إلي النساء والطيب الجائع يشبع والظمآن يروى وأنا لا أشبع من حب الصلاة والنساء" وأصله في صحيح مسلم بدون هذه الزيادة وفي صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فكاتبت على نفسها وكانت امرأة جميلة حلوة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه على كتابتها قالت فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب الحجرة فكرهتها وعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى منها ما رأيت فقالت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه قال: فهل لك في غير ذلك؟ قالت وما هو الجزء: 1 ¦ الصفحة: 204 قال:" أقضي كتابتك وأتزوجك" قالت نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلت وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خرج سهمي يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة فما ملكت نفس أن قمت إليها فقبلتها وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغا سد الروحاء فبنى بها ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آذن من حولك" فكانت تلك وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحوى لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته الجزء: 1 ¦ الصفحة: 205 فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب وعند أبي داود في هذه القصة قال وقع في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها وتهيئها وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حيي وقال أبو عبيدة حج عبد الملك بن مروان ومعه خالد بن يزيد بن معاوية وكان خالد هذا من رجالات قريش المعدودين وكان عظيم القدر عند عبد الملك فبينما هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقا شديدا ووقعت بقلبه وقوعا متمكنا فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه فوقع بقلب عبد الملك تهمة فبعث إليه فسأله عن أمره فقال يا أمير المؤمنين رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت فأذهلت عقلي والله ما أبديت إليك ما بي حتى عيل صبري ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله والسلو على قلبي فامتنع عنه فأطال عبد الملك التعجب من ذلك وقال ما كنت أقول إن الهوى يستأسر مثلك قال فإني لأشد تعجبا من تعجبك مني ولقد كنت أقول إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس الشعراء والأعراب أما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء ووصفهن والتغزل فمال طبعهم إلى النساء فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فاستسلموا إليه منقادين وأما الإعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه غير حبه لها ولا يشغله عنه شيء فضعفوا عن دفع الهوى فتمكن منهم فما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحزم وحسنت عندي ركوب الإثم مثل نظرتي هذه فتبسم عبد الملك فقال أفكل هذا قد بلغ بك فقال والله ما عرتني هذه البلية قبل وقتي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 206 هذا فوجه عبد الملك إلى الزبير يخطب رملة على خالد فذكروا لها ذلك فقالت لا والله أو يطلق نساءه فطلق امرأتين كانتا عنده وظعن بها إلى الشام وكان يقول أليس يزيد الشوق في كل ليلة ... وفي كل يوم من حبيبتنا قربا خليلي ما من ساعة تذكرانها ... من الدهر إلا فرجت عني الكربا أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا تجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا وذكر الخرائطي أن بشر بن مروان كان إذا ضرب البعث على أحد من جنده ثم وجده قد أخل بمركزه أقامه على كرسي ثم سمر يديه في الحائط ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه فلا يزال يتشحط حتى يموت وأنه ضرب البعث على رجل عاشق حديث عهد بعرس ابنة عمه فلما صار في مركزه كتب إلى ابنة عمه كتابا ثم كتب في أسفله لولا مخافة بشر أو عقوبته ... وأن يرى بعد ذا في الكف مسمار إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم ... إن المحب إذا ما اشتاق زوار فلما ورد عليها الكتاب أجابته عنه ثم كتبت في أسفله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 207 ليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في فجوة النار بل المحب الذي لا شيء يفزعه ... أو يستقر ومن يهواه في الدار فلما قرأ الكتاب قال لا خير في الحياة بعد هذا وأقبل حتى دخل المدينة فأتى بشر بن مروان في وقت غدائه فلما فرغ من غدائه أدخل عليه فقال ما الذي دعاك إلى تعطيل ثغرك أما سمعت النداء فقال اسمع عذري فإما عفوت وإما عاقبت فقال ويلك وهل لك من عذر فقص عليه قصته وقصة ابنة عمه فقال أولى لكما يا غلام خط على اسمه من البعث وأعطه عشرة آلاف درهم والحق بابنة عمك سهرت ومن أهدى لي الشوق نائم ... وعذب قلبي بالهوى وهو سالم فواحسرتا حتى متى أنا قائل ... لمن لامني في حبكم أنت ظالم وحتى متى أخفي الهوى وأسره ... وأدفن شوقي في الحشا وأكاتم أريد الذي قد سركم بمساءتي ... ليغفل واش أو ليعذر لائم وقال آخر بي لا بها ما أقاسي من تجنيا ... ومن جوى الحب في الأحشاء أفديها والله يعلم أني لا أسر بأن ... تلقى من الوجد ما لاقيته فيها خوف البكاء كما أبكي فتتركني ... أبكي على كبدي طورا وأبكيها وقال العباس بن هشام الكلبي ضرب عبد الملك بن مروان بعثا إلى اليمن فأقاموا سنين حتى إذا كان ذات ليلة وهو بدمشق قال والله لأعسن الليلة مدينة دمشق ولأسمعن الناس ماذا يقولون في البعث الذي أغزيت فيه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 208 رجالهم وأغرمتهم أموالهم فبينما هو في بعض أزقتها إذ هو بصوت امرأة قائمة تصلي فتسمع إليها فلما انصرفت إلى مضجعها قالت اللهم مسير النجب ومنزل الكتب ومعطي الرغب أسألك أن ترد لي غائبي فتكشف به همي وتقر به عيني وأسألك أن تحكم بيني وبين عبد الملك بن مروان الذي فعل بنا هذا ثم أنشأت تقول تطاول هذا الليل فالعين تدمع ... وأرقني حزن لقلبي موجع فبت أقاسي الليل أرعى نجومه ... وبات فؤادي بالجوى يتقطع إذا غاب منها كوكب في مغيبه ... لمحت بعيني كوكبا حين يطلع إذا ما تذكرت الذي كان بيننا ... وجدت فؤادي حسرة يتصدع وكل حبيب ذاكر لحبيبه ... يرجي لقاه كل يوم ويطمع فذا العرش فرج ما ترى من صبابتي ... فأنت الذي يدعو العباد فيسمع دعوتك في السراء والضر دعوة ... على حاجة بين الشراسيف تلذع فقال عبد الملك لحاجبه تعرف هذا المنزل قال نعم هذا منزل يزيد بن سنان قال فما المرأة منه قال زوجته فلما أصبح سأل كم تصبر المرأة عن زوجها قالوا ستة أشهر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 209 وقال جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير قال كان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إذا أمسى أخذ درته ثم طاف بالمدينة فإذا رأى شيئا ينكره أنكره فبينما هو ذات ليلة يعس إذ مر بامرأة على سطح وهي تقول تطاول هذا الليل واخضل جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله لا رب غيره ... لحرك من هذا السرير جوانبه مخافة ربي والحياء يصدني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه ثم تنفست الصعداء وقالت لهان على عمر بن الخطاب ما لقيت الليلة فضرب باب الدار فقالت من هذا الذي يأتي إلى امرأة مغيبة هذه الساعة فقال افتحي فأبت فلما أكثر عليها قالت أما والله لو بلغ أمير المؤمنين لعاقبك فلما رأى عفافها قال افتحي فأنا أمير المؤمنين قالت كذبت ما أنت أمير المؤمنين فرفع بها صوته وجهر لها فعرفت أنه هو ففتحت له فقال هيه كيف قلت فأعادت عليه ما قالت فقال أين زوجك قالت في بعث كذا وكذا فبعث إلى عامل ذلك الجند أن سرح فلان بن فلان فلما قدم عليه قال اذهب إلى أهلك ثم دخل على حفصة ابنته فقال أي بنية كم تصبر المرأة عن زوجها قالت شهرا واثنين وثلاثة وفي الرابع ينفد الصبر فجعل ذلك أجلا للبعث وهذا مطابق لجعل الله سبحانه وتعالى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 210 مدة الإيلاء أربعة أشهر فإنه سبحانه وتعالى علم أن صبر المرأة يضعف بعد الأربعة ولا تحتمل قوة صبرها أكثر من هذه المدة فجعلها أجلا للمولي وخيرها بعد الأربعة إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فسخت نكاحه فإذا مضت الأربعة أشهر عيل صبرها قال الشاعر ولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 211 الباب الثامن عشر: في أن دواء المحبين في كمال الوصال الذي أباحه رب العالمين قد جعل الله سبحانه وتعالى لكل داء دواء ويسر الوصال إلى ذلك الدواء شرعا وقدرا فمن أراد التداوي بما شرعه الله له واستعان عليه بالقدر وأتى الأمر من بابه صادف الشفاء ومن طلب الدواء بما منعه منه شرعا وإن امتحنه به قدرا فقد أخطأ طريق المداواة وكان كالمتداوي من داء بداء أعظم منه وقد تقدم حديث طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لم ير للمتحابين مثل النكاح وقد اتفق رأي العقلاء من الأطباء وغيرهم في مواضع الأدوية أن شفاء هذا الداء في التقاء الروحين والتصاق البدنين وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها وقال: "إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه" وذكر إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله أنه كان يقول يا معشر خولان زوجوا شبابكم وإماءكم فإن الغلمة أمر عارم فأعدوا عدتها واعلموا أنه ليس لمنعظ إذن يريد أنه إذا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 212 استأذن عليه فلا إذن له وذكر العتبي أن رجلا من ولد عثمان ورجلا من ولد الحسين خرجا يريدان موضعا لهما فنزلا تحت سرحة فأخذ أحدهما فكتب عليها خبرينا خصصت بالغيث يا سر ... ح بصدق والصدق فيه شفاء وكتب الآخر هل يموت المحب من ألم الحبب ... ويشفى من الحبيب اللقاء ثم مضيا فلما رجعا وجدا مكتوبا تحت ذلك إن جهلا سؤالك السرح عما ... ليس يوما عليك فيه خفاء ليس للعاشق المحب من الحبب ... سوى لذة اللقاء شفاء وقال أبو جعفر العذري لسكر الهوى أروى لعظمي ومفصلي ... إذا سكر الندمان من لذة الخمر وأحسن من قرع المثاني ونقرها ... تراجيع صوت الثغر يقرع بالثغر ولما دعوت الصبر بعدك والبكا ... أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر وقال عبد الله بن صالح كان الليث بن سعد إذا أراد الجماع خلا في منزل في داره ودعا بثوب يقال له الهركان وكان يلبسه إذ ذاك وكان إذا خلا في ذلك المنزل علم أنه يريد أمرا وكان إذا غشي أهله قال اللهم شد لي أصله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 213 وارفع لي صدره وسهل علي مدخله ومخرجه وارزقني لذته وهب لي ذرية صالحة تقاتل في سبيلك قال وكان جهوريا فكان يسمع ذلك منه رضي الله عنه وقال الخرائطي حدثنا عمارة بن وثيمة قال حدثني أبي قال كان عبد الله بن ربيعة من خيار قريش صلاحا وعفة وكان ذكره لا يرقد فلم يكن يشهد لقريش خيرا ولا شرا وكان يتزوج المرأة فلا تمكث معه إلا أياما حتى تهرب إلى أهلها فقالت زينب بنت عمر بن أبي سلمة مالهن يهربن من ابن عمهن قيل لها إنهن لا يطقنه قالت فما يمنعه مني فأنا والله العظيمة الخلق الكبيرة العجز الفخمة الفرج قال فتزوجها فصبرت عليه وولدت له ستة من الولد وقال رشيد بن سعد عن زهرة بن معبد عن محمد بن المنكدر أنه كان يدعو في صلاته اللهم قوي لي ذكري فإن فيه صلاحا لأهلي وقال حماد بن زيد عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال كان لأنس بن مالك غلام وكان شيخا كبيرا فرافعته امرأته إلى أنس وقالت لا أطيقه ففرض له عليها ستة في اليوم والليلة وقال علي بن عاصم حدثنا خالد الحذاء قال لما خلق الله آدم وخلق حواء قال له يا آدم اسكن إلى زوجك فقالت له حواء يا آدم ما أطيب هذا زدنا منه وفي الصحيح أن سليمان بن داود عليهما السلام طاف في ليلة واحدة على تسعين امرأة وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وهن تسع نسوة وربما كان يطوف عليهن بغسل واحد وربما كان يغتسل عند كل واحدة منهن وقال المروذي قال أبو عبد الله يعني أحمد بن حنبل ليس العزوبة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 214 من أمر الإسلام في شيء النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أربع عشرة ومات عن تسع ولو تزوج بشر بن الحارث لتم أمره ولو ترك الناس النكاح لم يكن غزو ولا حج ولا كذا ولا كذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح وما عندهم شيء ومات عن تسع وكان يختار النكاح ويحث عليه ونهى عن التبتل فمن رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو على غير الحق ويعقوب في حزنه قد تزوج وولد له والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "حبب إلي النساء" قلت له فإن إبراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال لروعة صاحب العيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال وقعت في بنيات الطريق أنظر ما كان عليه محمد وأصحابه ثم قال بكاء الصبي بين يدي أبيه يطلب منه الخبز أفضل من كذا وكذا أين يلحق المتعبد العزب انتهى كلامه وقد اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته فقالت طائفة لا يجب عليه ذلك فإنه حق له فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه بمنزلة من استأجر دارا إن شاء سكنها وإن شاء تركها وهذا من أضعف الأقوال والقرآن والسنة والعرف والقياس يرده أما القرآن فإن الله سبحانه وتعالى قال {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها فإذا كان الجماع حقا للزوج عليها فهو حق على الزوج بنص القرآن وأيضا فإنه سبحانه وتعالى أمر الأزواج أن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 215 يعاشروا الزوجات بالمعروف ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه ردا عليه والله سبحانه وتعالى إنما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه لا على غيره فقال تعالى {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وقالت طائفة يجب عليه وطؤها في العمر مرة واحدة ليستقر لها بذلك الصداق وهذا من جنس القول الأول وهذا باطل من وجه آخر فإن المقصود إنما هو المعاشرة بالمعروف والصداق دخل في العقد تعظيما لحرمته وفرقا بينه وبين السفاح فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق وقالت طائفة ثالثة يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة واحتجوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى أباح للمولي تربص أربعة أشهر وخير المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده وإن شاءت أن تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله فليس أيضا بصحيح فإنه غير المعروف الذي لها وعليها وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فنظرا منه سبحانه للأزواج فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر أو تأديب أو راحة نفس أو اشتغال بمهم فجعل الله سبحانه وتعالى له أجلا أربعة أشهر ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتا في كل أربعة أشهر مرة وقالت طائفة أخرى بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 216 ويكسوها ويعاشرها بالمعروف بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها وقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يعاشرها بالمعروف فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد قالوا وعليه أن يشبعها وطئا إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتا وكان شيخنا رحمه الله تعالى يرجح هذا القول ويختاره وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على استعمال هذا الدواء ورغب فيه وعلق عليه الأجر وجعله صدقة لفاعله فقال: "وفي بضع أحدكم صدقة" ومن تراجم النسائي على هذا الترغيب في المباضعة ثم ذكر هذا الحديث ففي هذا كمال اللذة وكمال الإحسان إلى الحبيبة وحصول الأجر وثواب الصدقة وفرح النفس وذهاب أفكارها الرديئة عنها وخفة الروح وذهاب كثافتها وغلظها وخفة الجسم واعتدال المزاج وجلب الصحة ودفع المواد الرديئة فإن صادف ذلك وجها حسنا وخلقا دمثا وعشقا وافرا ورغبة تامة واحتسابا للثواب فذلك اللذة التي لا يعادلها شيء ولا سيما إذا وافقت كمالها فإنها لا تكمل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوب والأذن بسماع كلامه والأنف بشم رائحته والفم بتقبيله واليد بلمسه وتعتكف كل جارحة على ما تطلبه من لذتها وتقابله من المحبوب فإن فقد من ذلك شيء لم تزل النفس متطلعة إليه متقاضية له فلا تسكن كل السكون ولذلك تسمى المرأة سكنا لسكون النفس إلينا قال الله تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} ولذلك فضل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 217 جماع النهار على جماع الليل ولسبب آخر طبيعي وهو أن الليل وقت تبرد فيه الحواس وتطلب حظها من السكون والنهار محل انتشار الحركات كما قال الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً} وقال الله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} وتمام النعمة في ذلك فرحة المحب برضاء ربه تعالى بذلك واحتساب هذه اللذة عنده ورجاء تثقيل ميزانه ولذلك كان أحب شيء إلى الشيطان أن يفرق بين الرجل وبين حبيبه ليتوصل إلى تعويض كل منهما عن صاحبه بالحرام كما في السنن عنه أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق وفي صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس ينصب عرشه على الماء ثم يبث سراياه في الناس فأقربهم منه منزلة أعظمهم فتنة فيقول أحدهم ما زلت به حتى زنى فيقول يتوب فيقول الآخر ما زلت به حتى فرقت بينه وبين أهله فيدنيه ويلتزمه ويقول نعم أنت نعم أنت" فهذا الوصال لما كان أحب شيء إلى الله ورسوله كان أبغض شيء إلى عدو الله فهو يسعى في التفريق بين المتحابين في الله المحبة التي يحبها الله ويؤلف بين الاثنين في المحبة التي يبغضها الله ويسخطها وأكثر العشاق من جنده وعسكره ويرتقي بهم الحال حتى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 218 يصير هو من جندهم وعسكرهم يقود لهم ويزين لهم الفواحش ويؤلف بينهم عليها كما قيل عجبت من إبليس في نخوته ... وقبح ما أظهر من سيرته تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الشباب الذين هم مظنة العشق إلى أنفع أدويتهم ففي الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج" وفي لفظ آخر ذكره أبو عبيد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالباءة وذكر الحديث وبين اللفظين فرق فإن الأول يقتضي أمر العزب بالتزويج والثاني يقتضي أمر المتزوج بالباءة والباءة اسم من أسماء الوطء وقوله: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" فسرت الباءة بالوطء وفسرت بمؤن النكاح ولا ينافي التفسير الأول إذ المعنى على هذا مؤن الباءة ثم قال: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" فأرشدهم إلى الدواء الشافي الذي وضع لهذا الأمر ثم نقلهم عنه عند العجز إلى البدل وهو الصوم فإنه يكسر شهوة النفس ويضيق عليها مجاري الشهوة فإن هذه الشهوة تقوى بكثرة الغذاء وكيفيته فكمية الغذاء وكيفيته يزيدان في توليدها والصوم يضيق عليها ذلك فيصير بمنزلة وجاء الفحل وقل من أدمن الصوم إلا وماتت شهوته أو ضعفت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 219 جدا والصوم المشروع يعدلها واعتدالها حسنة بين سيئتين ووسط بين طرفين مذمومين وهما العنة والغلمة الشديدة المفرطة وكلاهما خارج عن الاعتدال وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وخير الأمور أوساطها والأخلاق الفاضلة كلها وسط بين طرفي إفراط وتفريط وكذلك الدين المستقيم وسط بين انحرافين وكذلك السنة وسط بين بدعتين وكذلك الصواب في مسائل النزاع إذا شئت أن تحظى به فهو القول الوسط بين الطرفين المتباعدين وليس هذا موضع تفصيل هذه الجملة فإنا لم نقصد له وبالله التوفيق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 220 الباب التاسع عشر: في ذكر فضيلة الجمال وميل النفوس إليه على كل حال إعلم أن الجمال ينقسم قسمين ظاهر وباطن فالجمال الباطن هو المحبوب لذاته وهو جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده وموضع محبته كما في الحديث الصحيح "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" وهذا الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال فتكسوا صاحبها من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتست روحه من تلك الصفات فإن المؤمن يعطى مهابة وحلاوة بحسب إيمانه فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه وهذا أمر مشهود بالعيان فإنك ترى الرجل الصالح المحسن ذا الأخلاق الجميلة من أحلى الناس صورة وإن كان أسود أو غير جميل ولا سيما إذا رزق حظا من صلاة الليل فإنها تنور الوجه وتحسنه وقد كان بعض النساء تكثر صلاة الليل فقل لها في ذلك فقالت إنها تحسن الوجه وأنا أحب أن يحسن وجهي ومما يدل على أن الجمال الباطن أحسن من الظاهر أن القلوب لا تنفك عن تعظيم صاحبه ومحبته والميل إليه فصل وأما الجمال الظاهر فزينة خص الله بها بعض الصور عن بعض وهي من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 221 زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها {يَزٍِِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} قالوا هو الصوت الحسن والصورة الحسنة والقلوب كالمطبوعة على محبته كما هي مفطورة على استحسانه وقد ثبت في الصحيح عنه أنه قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يحب أن تكون نعله حسنة وثوبه حسنا أفذلك من الكبر فقال: "لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس" فبطر الحق جحده ودفعه بعد معرفته وغمط الناس النظر إليهم بعين الازدراء والاحتقار والاستصغار لهم ولا بأس بهذا إذا كان لله وعلامته أن يكون لنفسه أشد ازدراء واستصغارا منه لهم فأما إن احتقرهم لعظمة نفسه عنده فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة فصل وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال الظاهر نعمة منه أيضا على عبده يوجب شكرا فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله وإن استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شيئا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة فتعود تلك المحاسن وحشة وقبحا وشينا وينفر عنه من رآه فكل من لم يتق الله عز وجل في حسنه وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه به بين الناس فحسن الباطن يعلو قبح الظاهر ويستره وقبح الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره يا حسن الوجه توق الخنا ... لا تبدلن الزين بالشين الجزء: 1 ¦ الصفحة: 222 ويا قبيح الوجه كن محسنا ... لا تجمعن بين قبيحين وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى جمال الباطن بجمال الظاهر كما قال جرير بن عبد الله وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسميه يوسف هذه الأمة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت امرء قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك " وقال بعض الحكماء ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة فإن رأى صورته حسنة لم يشنها بقبيح فعله وإن رآها قبيحة لم يجمع بين قبح الصورة وقبح الفعل ولما كان الجمال من حيث هو محبوبا للنفوس معظما في القلوب لم يبعث الله نبيا إلا جميل الصورة حسن الوجه كريم الحسب حسن الصوت كذا قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجمل خلق الله وأحسنهم وجها كما قال البراء بن عازب رضي الله عنه وقد سئل أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف قال لا بل مثل القمر وفي صفته كأن الشمس تجري في وجهه يقول واصفه لم أر قبله ولا بعده مثله وقال ربيعة الجرشي قسم الحسن نصفين فبين سارة ويوسف نصف الحسن ونصف الحسن بين سائر الناس وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم "أنه رأى يوسف ليلة الإسراء وقد أعطي شطر الحسن" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب أن يكون الرسول الذي يرسل إليه حسن الوجه حسن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 223 الاسم وكان يقول: "إذا أبردتم إلي بريدا فليكن حسن الوجه حسن الاسم" وقد روى الخرائطي من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: "من آتاه الله وجها حسنا واسما حسنا وخلقا حسنا وجعله في موضع غير شائن له فهو من صفوة الله من خلقه" وقال وهب قال داود يا رب أي عبادك أحب إليك قال مؤمن حسن الصورة قال فأي عبادك أبغض إليك قال كافر قبيح الصورة ويذكر عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينتظره نفر من أصحابه على الباب فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته ثم خرج إليهم فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تفعل هذا قال: "نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيىء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال" وقال يحيى بن أبي كثير دخل رجل على معاوية غمصا يعني رمص العينين فحط من عطائه فقال ما يمنع أحدكم إذا خرج من منزله أن يتعاهد أديم وجهه وكانت عائشة بنت طلحة من أجمل أهل زمانها أو أجملهم فقال أنس بن مالك والله ما رأيت أحسن منك إلا معاوية على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله لأنا أحسن من النار في عين المقرور في الليلة القارة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 224 ودخل عليها أنس يوما في حاجة فقال إن القوم يريدون أن يدخلو اعليك فينظروا إلى جمالك قالت أفلا قلت ليس فألبس ثيابي وكان مصعب بن الزبير من أجمل الناس وكان يحسد الناس على الجمال فبينا هو يخطب يوما إذ دخل ابن جودان من ناحية الأزد وكان جميلا فأعرض بوجهه عن تلك الناحية إلى ناحية أخرى فدخل ابن حمران من تلك الناحية وكان جميلا فرمى ببصره إلى مؤخر المسجد فدخل الحسن البصري وكان من أجمل الناس فنزل مصعب عن المنبر وخرج نسوة يوم العيد ينظرون إلى الناس فقيل لهن من أحسن من مر بكن قلن شيخ عليه عمامة سوداء يعنين الحسن البصري وأخذ مصعب ابن الزبير رجلا من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه فقال الرجل أيها الأمير ما أقبح من أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطرافك وأقول يا رب سل مصعبا فيم قتلني فقال مصعب أطلقوه فقال الرجل أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض فقال مصعب أعطوه مائة ألف درهم فقال إني أشهد الله أن لعبد الرحمن بن قيس الرقيات نصفها قال مصعب ولم ذلك قال لقوله إنما مصعب شهاب من الل ... هـ تجلت عن وجهه الظلماء فضحك مصعب وقال إن فيك لموضعا للصنيعة وأمره بلزومه وقال الزبير بن بكار حدثنا مصعب الزبيري حدثنا عبد الرحمن بن أبي الحسن قال خرج أبو حازم يرمي الجمار ومعه قوم متعبدون وهو يكلمهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 225 ويحدثهم ويقص عليهم فبينما هو يمشي وهم معه إذ نظر إلى فتاة مستترة بخمارها ترمي الناس بطرفها يمنة ويسرة وقد شغلت الناس وهم ينظرون إليها مبهوتين وقد خبط بعضهم بعضا في الطريق فرآها أبو حازم فقال يا هذه اتقي الله فإنك في مشعر من مشاعر الله عظيم وقد فتنت الناس فاضربي بخمارك على جيبك فإن الله عز وجل يقول {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فأقبلت تضحك من كلامه وقالت إني والله من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا فاقبل أبو حازم على أصحابه وقال تعالوا ندعو الله أن لا يعذب هذه الصورة الحسناء بالنار فجعل يدعو وأصحابه يؤمنون وقال ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب دخلت امرأة جميلة على الحسن البصري فقالت يا أبا سعيد ينبغي للرجال أن يتزوجوا على النساء قال نعم قالت وعلى مثلي ثم أسفرت عن وجه لم ير مثله حسنا وقالت يا أبا سعيد لا تفتوا الرجال بهذا ثم ولت فقال الحسن ما على رجل كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدنيا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 226 وقال عبد الملك بن قريب كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون قد جاءت قد جاءت فتحول الناس فقمت معهم فإذا جارية قد وردت الماء ما رأيت مثلها قط في حسن وجهها وتمام خلقها فلما رأت تشوف الناس إليها أرسلت برقعها فكأنه غمامة غطت شمسا فقلت لم تمنعيننا النظر إلى وجهك هذا الحسن فأنشأت تقول وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر ونظر إليها أعرابي فقال أنا والله ممن قل صبره ثم قال أوحشية العينين أين لك الأهل ... أبالحزن حلوا أم محلهم السهل وأية أرض أخرجتك فإنني ... أراك من الفردوس إن فتش الأصل قفي خبرينا ما طعمت وما الذي ... شربت ومن أين استقل بك الرحل لأن علامات الجنان مبينة ... عليك وإن الشكل يشبهه الشكل تناهيت حسنا في النساء فإن يكن ... لبدر الدجى نسل فأنت له نسل وقال آخر يا منسي المحزون أحزانه ... لما أتته في المعزينا إستقبلتهن بتمثالها ... فقمن يضحكن ويبكينا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 227 حق لهذا الوجه أن يزدهي ... عن حزنه من كان محزونا وقال آخر أنيري مكان البدر إن أفل البدر ... وقومي مقام الشمس مااستأخر الفجر ففيك من الشمس المنيرة ضوؤها ... وليس لها منك التبسم والثغر وقال آخر رقادي يا طرفي عليك حرام ... فخل دموعا فيضهن سجام ففي الدمع إطفاء لنار صبابة ... لها بين أحناء الضلوع ضرام ويا كبدي الحرى التي قد تصدع ... ت من الوجد ذوبي ما عليك ملام ويا وجه من ذلت وجوه أعزة ... له وزهى عزا فليس يرام أجر مستجيرا في الهوى باسطا ... إليك يديه والعيون نيام وذكر الخرائطي عن بعض العلويين قال بينا أنا عند الحسن بن هانىء وهو ينشد ويلي على سود العيون ... النهد الضمر البطون الناطقات عن الضمي ... ر لنا بألسنة الجفون فوقف عليه أعرابي ومعه بنيه فقال أعد علي فأعاد عليه فقال يا ابن أخي ويلك أنت وحدك من هذا ويلي أنا وأنت وويل ابني هذا وويل هذه الجماعة وويل جيراننا كلهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 228 وقال الخرائطي حدثنا يموت بن المزرع حدثنا محمد بن حميد حدثنا محمد بن سلمة قال حدثني أبي قال أتيت عبد العزيز بن المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها فوجدته مستلقيا يتغنى فما روصة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وبالحسب المكنون صاف نجارها فإن برزت كانت لعينيك قرة ... وإن غبت عنها لم يعمك عارها فقلت له أتغني أصلحك الله وأنت في جلالك وشرفك فقال أما والله لأحملنها ركبان نجد قال فوالله ما اكترث بي وعاد يتغنى فما ظبية أدماء خفاقة الحشا ... تجوب بظلفيها متون الخمائل بأحسن منها إذ تقول تدللا ... وأدمعها تذرين حشو المكاحل تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الصدود الأطاول قال فندمت على قولي وقلت له أصلحك الله أتحدثني في هذا بشيء قال نعم حدثني أبي قال دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم وأشعب يغنيه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 229 مغيرية كالبدر سنة وجهها ... مطهرة الأثواب والعرض وافر لها حسب زاك وعرض مهذب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر من الخفرات البيض لم تلق ريبة ... ولم يستملها عن تقى الله شاعر فقال له سالم زدني فغناه ألمت بنا والليل داج كأنه ... جناح غراب عنه قد نفض القطرا فقلت أعطار ثوى في رحالن ... وما احتملت ليلى سوى طيبها عطرا فقال له سالم والله لولا أن تتداوله الرواة لأجزلت جائزتك فإنك من هذا الأمر بمكان قال الخرائطي حدثنا العباس بن الفضل عن بعض أصحابه قال حججت سنة من السنين فإني لبالربذة إذ وقفت علينا جارية على وجهها برقع فقالت يا معشر الحجيج نفر من هذيل ذهب بنعمهم السيل وقعدت بهم الأيام ما بهم نجعة فمن يراقب فيهم الدار الآخرة ويعرف لهم حق الأخوة جزاه الله خيرا قال فرضخنا لها فقلت لها هل قلت في ذلك شيئا فأنشأت تقول كف الزمان توسدتنا عنوة ... شلت أناملها عن الأعراب قوم إذا حل العفاة ببابهم ... ألفوا نوافلهم بغير حساب فقلنا لها لو أمتعتينا بالنظر إلى وجهك فكشفت البرقع عن وجه لا والله لا تهتدي العقول لوصفه فلما رأتنا قد بهتنا لحسنها أنشأت تقول الجزء: 1 ¦ الصفحة: 230 الدهر أبدى صفحة قد صانها ... أبواي قبل تمرس الأيام فتمتعوا بعيونكم في حسنها ... وانهوا جوارحكم عن الآثام ثم انصرفت وكان محمد بن حميد الطوسي يهوى جارية فأرسل إليها مرة أترجة فبكت بكاء شديدا فقيل لها يوجه إليك من تحبينه بهدية فتبكين هذا البكاء فغنت أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر خاف التلون والفراق لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر فلما جاءه الرسول أخبره عنها بما أغاظه فكتب إليها ضيعت عهد فتى لغيبك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك وصددت عنه وماله من حيلة ... إلا الوقوف إلى أوان رجوعك إن تقتليه وتذهبي بحياته ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك فلما وافتها الرقعة بكت حتى رحمها من حولها ثم اندفعت تقول هل لعيني إلى الرقاد شفيع ... إن قلبي من السقام مروع لا تراني بخلت عنك بدمع ... لا وحق الحبيب مالي دموع إن قلبي إليك صب حزين ... فاستراحت إلى الأنين الضلوع ليس في العطف يا حبيبي بدع ... إنما هجر من يحب بديع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 231 ثم كتبت إليه أنا مملوكة لا أملك من أمري شيئا فإذا كان لك في حاجة فاشترني لأكون طوع يديك فاشتراها فمكثت عنده وكانت من أحظى إمائه حتى قتل في وقعة بابك الخرمي فكانت تتمثل في رثائه بقول أبي تمام محمد بن حميد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالي مذ أريق دمه رأيته بنجاد السيف محتبيا ... في النوم بدرا جلت عن وجهه ظلمه فقلت والدمع من حزن ومن كمد ... يجري انسكابا على الخدين منسجمه ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن ... فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه فصل وهذا فصل في ذكر حقيقة الحسن والجمال ما هي وهذا أمر لا يدرك إلا بالوصف وقد قيل إنه تناسب الخلقة واعتدالها واستواؤها ورب صورة متناسبة الخلقة وليست في الحسن هناك وقد قيل الحسن في الوجه والملاحة في العينين وقيل الحسن أمر مركب من أشياء وضاءة وصباحة وحسن تشكيل وتخطيط ودموية في البشرة وقيل الحسن معنى لا تناله العبارة ولا يحيط به الوصف وإنما للناس منه أوصاف أمكن التعبير عنها وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه ونظرت إليه عائشة رضي الله عنها ثم تبسمت فسألها مم ذاك فقالت كأن أبا كبير الهذلي إنما عناك بقوله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 232 ومبرإ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل ولقي بعض الصحابة راهبا فقال صف لي محمدا كأني أنظر إليه فإني رأيت صفته في التوراة والإنجيل فقال لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير فوق الربعة أبيض اللون مشربا بالحمرة جعدا ليس بالقطط جمته إلى شحمة أذنه صلت الجبين واضح الخد أدعج العينين أقنى الأنف مفلج الثنايا كأن عنقه إبريق فضة ووجهه كدارة القمر فأسلم الراهب وفي صفة هند بن أبي هالة له لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد كان ربعة من الرجال ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم وكان في الوجه تدوير أبيض مشرب أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد شثن الكفين والقدمين دقيق المسربة إذا مشى تقلع كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا كأن الشمس تجري الجزء: 1 ¦ الصفحة: 233 في وجهه وكان مع هذا الحسن قد ألقيت عليه المحبة والمهابة فمن وقعت عليه عيناه أحبه وهابه وكمل الله سبحانه له مراتب الجمال ظاهرا وباطنا وكان أحسن خلق الله خلقا وخلقا وأجملهم صورة ومعنى وهكذا كان يوسف الصديق ولهذا قالت امرأة العزيز للنسوة لما أرتهن إياه ليعذرنها في محبته {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} أي هذا هو الذي فتنت به وشغفت بحبه فمن يلومني على محبته وهذا حسن منظره ثم قالت {وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} أي فمنع هذا الجمال فباطنه أحسن من ظاهره فإنه في غاية العفة والنزاهة والبعد عن الخنا والمحب وإن غيب محبوبه فلا يجري لسانه إلا بمحاسنه ومدحه ويتعلق بهذا قوله تعالى في صفة أهل الجنة {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} فجمل ظواهرهم بالنضرة وبواطنهم بالسرور ومثله قوله {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} فإنه لا شيء أشهى إليهم وأقر لعيونهم وأنعم لبواطنهم من النظر إليه فنضر وجوههم بالحسن ونعم قلوبهم بالنظر إليه وقريب منه قوله تعالى {وَحُلُّوا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 234 سَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} فهذا زينة الظاهر ثم قال {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} أي مطهرا لبواطنهم من كل أذى فهذا زينة الباطن ويشبهه قوله تعالى {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً} فهذا زينة الظاهر ثم قال {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} فهذا زينة الباطن وينظر إليه من طرف خفي قوله تعالى {زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً} فزين ظاهرها بالمصابيح وباطنها بحفظها من الشياطين وقريب منه قوله تعالى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فذكر الزاد الظاهر والزاد الباطن وهذا من زينة القرآن الباطنة المضافة إلى زينة ألفاظه وفصاحته وبلاغته الظاهرة ومنه قوله تعالى لآدم {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} فقابل بين الجوع والعري دون الجوع والظمإ وبين الظمإ والضحى دون الظمإ والجوع فإن الجوع عري الباطن وذله والعري جوع الظاهر وذله فقابل بين نفي ذل باطنه وظاهره وجوع باطنه وظاهره والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فقابل بينهما وسئل المتنبي عن قول امرئ القيس كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 235 ولم أسبإ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال فقيل له إنه عيب عليه مقابلة سبي الزق الروي بالكر وكان الأحسن مقابلته بتبطن الكاعب جمعا بين اللذتين وكذلك مقابلة ركوب الجواد للكر أحسن من مقابلته لتبطن الكاعب فقال بل الذي أتى به أحسن فإنه قابل مركوب الشجاعة بمركوب اللذة واللهو فهذا مركب الطرب وهذا مركب الحرب والطلب وكذلك قابل بين السباءين سباء الزق وسباء الرق قلت وأيضا فإن الشارب يفتخر بالشجاعة كما قال حسان ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا منا ينهنهنا اللقاء وهذه جملة اعتراضية من ألطف الاعتراض وقيل الحسن ما استنطق أفواه الناظرين بالتسبيح والتهليل كما قيل ذي طلعة سبحان فالق صبحه ... ومعاطف جلت يمين الغارس وقال علي بن الجهم طلعت فقال الناظرون إلى ... تصويرها ما أعظم الله ودنت فلما سلمت خجلت ... والتف بالتفاح خداها وكأن دعص الرمل أسفلها ... وكأن غصن البان أعلاها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 236 حتى إذا ثملت بنشوتها ... قرأت كتاب الباه عيناها وقال آخر ذو صورة بشرية قمرية ... تستنطق الأفواه بالتسبيح وقال آخر وإذا بدت في بعض حاجتها ... تستنطق الأفواه بالتسبيح وقال بشار تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفز حشا الرائي بإرعاد ولي من أبيات يا صورة البدر ولا الذي ... صور ليس البدر يحكيك مني على العين ولا تبخلي ... بنظرة فالعين تفديك وإن تحرجت لهذا فكم ... قد سبح الرحمن رائيك هذا بهذا فارتجي أجر من ... إن غبت عنه ظل يبكيك قال ابن شبرمة كفاك من الحسن أنه مشتق من الحسنة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها وقالت عائشة رضي الله عنها البياض شطر الحسن وقال بعض السلف جعل الله البهاء والهوج مع الطول والدهاء والدمامة مع القصر والخير فيما بين ذلك ومما يذم في النساء المرأة القصيرة الغليظة وهي التي عناها الشاعر بقوله وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي ولم تشعر بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار النسا شر النساء البحاتر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 237 والبحاتر هن النساء القصار الغلاظ وبعضهم يبالغ في هذا حتى يفضل المهازيل على السمان أنشد الزمخشري لا أعشق الأبيض المنفوخ من سمن ... لكنني أعشق السمر المهازيلا إني امرؤ أركب المهر المضمر في ... يوم الرهان فدعني واركب الفيلا وطائفة تفضل السمان وتقول السمن نصف الحسن وهو يستر كل عيب في المرأة ويبدي محاسنها وخيار الأمور أوساطها ومما يستحسن في المرأة طول أربعة وهن أطرافها وقامتها وشعرها وعنقها وقصر أربعة يدها ورجلها ولسانها وعينها فلا تبذل ما في بيت زوجها ولا تخرج من بيتها ولا تستطيل بلسانها ولا تطمح بعينها وبياض أربعة لونها وفرقها وثغرها وبياض عينها وسواد أربعة أهدابها وحاجبها وعينها وشعرها وحمرة أربعة لسانها وخدها وشفتها مع لعس وإشراب بياضها بحمرة ودقة أربعة أنفها وبنانها وخصرها وحاجبها وغلظ أربعة ساقها ومعصمها وعجيزتها وذاك منها وسعة أربعة جبينها ووجهها وعينها وصدرها وضيق أربعة فمها ومنخرها وخرق أذنها وذاك منها فهذه أحق النساء بقول كثير لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 238 وقال آخر لو أبصر الوجه منها وهو منهزم ... ليلا وأعداؤه من خلفه وقفا وقال آخر يا طيب مرعى مقلة لم تخف ... بوجنتيها زجر حراس حلت بوجه لم يغض ماؤه ... ولم تخضه أعين الناس وقال آخر فلم يزل خدها ركنا ألوذ به ... والخال في خدها يغني عن الحجر وقول الآخر وأنشده المبرد وأحسن من ربع ومن وصف دمنة ... ومن جبلى طي ومن وصفكم سلعا تلاحظ عيني عاشقين كلاهما ... له مقلة في خد معشوقه ترعى وأنشد ثعلب خزاعية الأطراف مرية الحشا ... فزارية العينين طائية الفم ومكية في الطيب والعطر دائما ... تبدت لنا بين الحطيم وزمزم ثم قال وصفها بما يستحسن من كل قبيلة وقال صالح بن حسان يوما لأصحابه هل تعرفون بيتا من الغزل في امرأة خفرة قلنا نعم بيت لحاتم في زوجته ماوية يضيء لها البيت الظليل خصاصه ... إذا هي يوما حاولت أن تبسما الجزء: 1 ¦ الصفحة: 239 قال ما صنعتم شيئا قلنا فبيت الأعشى كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل قال جعلها تدخل وتخرج قلنا يا أبا محمد فأي بيت هو قال قول أبي قيس بن الأسلت ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتل عن إتيانهن فتعذر قلت وأحسن من هذا كله ما قاله إبراهيم بن محمد الملقب بنفطويه رحمه الله وخبرها الواشون أن خيالها ... إذا نمت يغشى مضجعي ووسادي فخفرها فرط الحياء فأرسلت ... تعيرني غضبى بطول رقادي ومما يستحسن في المرأة رقة أديمها ونعومة ملمسه كما قال قيس بن ذريح تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد فزاد كما زدنا فأصبح ناميا ... فليس وإن متنا بمنفصم العهد ولكنه باق على كل حادث ... ومؤنسنا في ظلمة القبر واللحد يكاد مسيل الماء يخدش جلدها ... إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد قلت ومن المبالغة في معنى البيت الأخير قول أبي نواس توهمه قلبي فأصبح خده ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر ومر بقلبي خاطر فجرحته ... ولم أر جسما قط يجرحه الفكر وصافحه كفي فآلم كفه ... فمن غمز كفي في أنامله عقر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 240 ولي من أبيات يدمي الحرير أديمها من مسه ... فأديمها منه أرق وأنعم فصل فيا أيها العاشق سمعه قبل طرفه فإن الأذن تعشق قبل العين أحيانا وجيش المحبة قد يدخل المدينة من باب السمع كما يدخلها من باب البصر والمؤمنون يشتاقون إلى الجنة وما رأوها ولو رأوها لكانوا أشد لها شوقا والصرورة يكاد قلبه يذوب شوقا إلى رؤية البيت الحرام فإن شاقتك هذه الصفات وأخذت بقلبك هذه المحاسن فاسم بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح وحدث النفس بعشق الألى ... في عشقهن المتجر الرابح واعمل على الوصل فقد أمكنت ... أسبابه ووقتها رائح فصل وقد وصف الله سبحانه حور الجنة بأحسن الصفات وحلاهن بأحسن الحلي وشوق الخطاب إليهن حتى كأنهم يرونهن رؤية العين قال الطبراني حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا عمرو بن هشام البيروني حدثنا سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن قول الله عز وجل {حور عين} قال: "حور بيض عين ضخام العيون شعر الحوراء بمنزلة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 241 جناح النسر" قلت أخبرني عن قوله عز وجل {كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} قال: "صفاؤهن صفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي" قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن قوله {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} قال: "خيرات الأخلاق حسان الوجوه" قلت أخبرني عن قوله {كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} قال: "رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر وهو الغرقىء" قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن قوله عز وجل {عُرُباً أَتْرَاباً} قال: "هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز رمصا شمطا خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى عربا متعشقات متحببات أترابا على ميلاد واحد" قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء الدنيا أفضل أم الحور العين قال: "بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة" قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبم ذلك قال: "بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن نحن الخالدات فلا نموت نحن الناعمات فلا نبأس أبدا نحن المقيمات فلا نظعن أبدا ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا طوبى لمن كنا له وكان لنا" قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة والأربعة ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من يكون زوجها قال يا أم سلمة: "إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا فتقول أي رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقا في دار الدنيا فزوجنيه يا أم سلمة ذهب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 242 حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة" فصل وقد وصفهن الله عز وجل بأنهن كواعب وهو جمع كاعب وهي المرأة التي قد تكعب ثديها واستدار ولم يتدل إلى أسفل وهذا من أحسن خلق النساء وهو ملازم لسن الشباب ووصفهن بالحور وهو حسن ألوانهن وبياضه قالت عائشة رضي الله عنها البياض نصف الحسن وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا تم بياض المرأة في حسن شعرها فقد تم حسنها والعرب تمدح المرأة بالبياض قال الشاعر بيض أوانس ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الحديث زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام والعين جمع عيناء وهي المرأة الواسعة العين مع شدة سوادها وصفاء بياضها وطول أهدابها وسوادها ووصفهن بأنهن خيرات حسان وهو جمع خيرة وأصلها خيرة بالتشديد كطيبة ثم خفف الحرف وهي التي قد جمعت المحاسن ظاهرا وباطنا فكمل خلقها وخلقها فهن خيرات الأخلاق حسان الوجوه ووصفهن بالطهارة فقال {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} طهرن من الحيض والبول والنجو الجزء: 1 ¦ الصفحة: 243 وكل أذى يكون في نساء الدنيا وطهرت بواطنهن من الغيرة وأذى الأزواج وتجنيهن عليهم وإرادة غيرهم ووصفهن بأنهن مقصورات في الخيام أي ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن بل قد قصرن على أزواجهن لا يخرجن من منازلهم وقصرن عليهم فلا يردن سواهم ووصفهن سبحانه بأنهن قاصرات الطرف وهذه الصفة أكمل من الأولى ولهذا كن لأهل الجنتين الأوليين فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره كما قيل أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق وكذلك حال المقصورات أيضا لكن أولئك مقصورات وهؤلاء قاصرات ووصفهن سبحانه بقوله {أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً} وذلك لفضل وطء البكر وحلاوته ولذاذته على وطء الثيب قالت عائشة رضي الله عنها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو مررت بشجرة قد رعي منها وشجرة لم يرع منها ففي أيهما كنت ترتع بعيرك فقال: "في التي لم يرع منها" تعني أنه لم يتزوج بكرا غيرها وصح عنه أنه قال لجابر لما تزوج امرأة ثيبا هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك فإن قيل فهذه الصفة تزول بأول وطء فتعود ثيبا قيل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 244 الجواب من وجهين أحدهما أن المقصود من وطء البكر أنها لم تذق أحدا قبل وطئها فتزرع محبته في قلبها وذلك أكمل لدوام العشرة فهذه بالنسبة إليها وأما بالنسبة إلى الواطىء فإنه يرعى روضة أنفا لم يرعها أحد قبله وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} ثم بعد هذا تستمر له لذة الوطء حال زوال البكارة والثاني أنه قد روي أن أهل الجنة كلما وطىء أحدهم امرأة عادت بكرا كما كانت فكلما أتاها وجدها بكرا وأما العرب فجمع عروب وهي التي جمعت إلى حلاوة الصورة حسن التأني والتبعل والتحبب إلى الزوج بدلها وحديثها وحلاوة منطقها وحسن حركاتها قال البخاري في صحيحه وأما الأتراب فجمع ترب يقال فلان تربي إذا كنتما في سن واحد فهن مستويات في سن الشباب لم يقصر بهن الصغر ولم يزر بهن الكبر بل سنهن سن الشباب وشبههن تعالى باللؤلؤ المكنون وبالبيض المكنون وبالياقوت والمرجان فخذ من اللؤلؤ صفاء لونه وحسن بياضه ونعومة ملمسه وخذ من البيض المكنون وهو المصون الذي لم تنله الأيدي اعتدال بياضه وشوبه بما يحسنه من قليل صفرة بخلاف الأبيض الأمهق المتجاوز في البياض وخذ من الياقوت والمرجان حسن لونه في صفائه وإشرابه بيسير من الحمرة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 245 فصل فاسمع الآن وصفهن عن الصادق المصدوق فإن مالت النفس وحدثتك بالخطبة وإلا فالإيمان مدخول فروى مسلم في صحيحه من حديث أيوب عن محمد بن سيرين قال إما تفاخروا وإما تذاكروا الرجال في الجنة أكثر أم النساء فقال أبو هريرة رضي الله عنه أو لم يقل أبو القاسم: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلةالبدر والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء إضاءة لكل امرىء منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب" وقال الطبراني في معجمه حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني والحسن بن علي القسوي قال حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا فضل بن مرزوق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول زمرة يدخلون الجنة كأن وجوههم صورة القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على أحسن كوكب دري في السماء لكل واحد منهم زوجتان من الحور العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهما من وراء لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء" قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي هذا عندي على شرط الصحيح الجزء: 1 ¦ الصفحة: 246 وفي الصحيحين من حديث همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة وعشية " وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده حدثنا يونس بن محمد حدثنا الخزرج بن عثمان السعدي حدثنا أبو أيوب مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قيد سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا ومثلها معها " قال قلت يا أبا هريرة وما النصيف قال الخمار فإذا كان هذا قدر الخمار فما قدر لابه! وقال ابن وهب أخبرنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الرجل في الجنة لتأتيه امرأة تضرب على منكبيه فينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب فتسلم عليه فيرد عليها السلام ويسألها من أنت فتقول أنا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 247 المزيد وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك وإن عليهم التيجان وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب" وبعض هذا الحديث في جامع الترمذي وهو على شرطه وفي صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ولقاب قوس أحدكم أو موضع قيده يعني سوطه خير من الدنيا وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحا وأضاءت ما بينهما ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها" وفي المسند من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب" وقال ابن وهب حدثنا عمرو أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنان وسبعون زوجة وينصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء" رواه الترمذي وفي معجم الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "خلق الحور العين من الزعفران" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 248 فصل فإن أردت سماع غنائهن فاسمع خبره الآن ففي معجم الطبراني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط إن مما يغنين به نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعيان وإن مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتته نحن الآمنات فلا نخفنه نحن المقيمات فلا نظعنه" وقد قيل في قوله تعالى {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} إنه السماع الطيب ولا ريب أنه من الحبرة وقال عبد الله بن محمد البغوي حدثنا علي أنبأنا زهير عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي رضي الله عنه قال {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً} حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان فعمدوا إلى إحداهما فكأنما أمروا به فشربوا منها فأذهب الله ما في بطونهم من قذى أو أذى أو بأس ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم ولم تتغير أشعارهم بعدها أبدا ولم تشعث رؤوسهم كأنما ادهنوا بالدهان ثم انتهوا إلى خزنة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 249 الجنة فقالوا {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} ثم تلقاهم الولدان يطيفون بهم كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم عليهم من غيبته فيقولون له أبشر بما أعد الله تعالى لك من الكرامة ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين فيقول جاء فلان باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا قالت أنت رأيته قال أنا رأيته وهو بأثرى فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأحمر وأصفر من كل لون ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق ولولا أن الله عز وجل قدره لألم أن يذهب بصره ثم طأطأ رأسه فإذا أزواجه وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ثم اتكأوا فقالوا {الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} ثم ينادي مناد تحيون فلا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون أبدا وتصحون فلا تمرضون أبدا وفي سنن ابن ماجه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 250 نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية" قالوا نعم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن المشمرون لها قال: "قولوا إن شاء الله" فقال القوم إن شاء الله تعالى" فصل فهذا وصفهن وحسنهن فاسمع الآن لذة وصالهن وشأنه ففي مسند أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا طويلا وفيه "فأقول يا رب وعدتني الشفاعة فشفعتني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله تعالى قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم فيدخل رجل منهم على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله وثنتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله بعبادتهما الله في الدنيا يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس وإستبرق وإنه ليضع يده بين كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها وإنه لينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت كبده لها مرآة يعني وكبدها له مرآة فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها فبينا هو كذلك إذ نودي إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل إلا أنه لا مني ولا منية إلا أن يكون لك أزواج غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت والله ما في الجنة شيء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 251 أحسن منك وما في الجنة شيء أحب إلي منك" وهذا قطعة من حديث الصور الطويل الذي رواه إسماعيل بن رافع وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا رواه البخاري وقال ثلاثون ميلا" وفي جامع الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من النساء" قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم "ويطيق ذلك قال يعطى قوة مائة" قال هذا حديث صحيح غريب وفي معجم الطبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نصل إلى نسائنا في الجنة فقال "إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء" وفي لفظ قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفضي إلى نسائنا في الجنة فقال: "إي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 252 مائة عذراء" قال الحافظ أبو عبد الله المقدسي ورجال هذا الحديث عندي على شرط الصحيح وفي حديث لقيط العقيلي الطويل الذي رواه الطبراني وعبد الله بن أحمد في السنة وغيرهما أنه قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لنا فيها أزواج مصلحات قال "الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد" وذكر ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج عن عبد الرحمن بن حجيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال أنطأ في الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا" قال الحافظ أبو عبد الله دراج اسمه عبد الرحمن بن سمعان المصري وثقه يحيى بن معين وأخرج عنه أبو حاتم بن حبان في صحيحه وكان بعض الأئمة ينكر بعض حديثه والله أعلم وفي معجم الطبراني من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا" وفيه أيضا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل هل يتناكح أهل الجنة فقال "بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما" وفيه أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أيجامع أهل الجنة قال: "دحما دحما ولكن لا مني ولا منية" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 253 من قصيدة للمؤلف في وصف الحور يا خاطب الحور الحسان وطالبا ... لوصالهن بجنة الحيوان لو كنت تدري من خطبت ومن طلبت ... بذلت ما تحوي من الأئمان أو كنت تعرف أين مسكنها جعلت ... السعي منك لها على الأجفان أسرع وحث السير جهدك إنما ... مسراك هذا ساعة لزمان فاعشق وحدث بالوصال النفس وابذل ... مهرها ما دمت ذا إمكان واجعل صيامك دون لقياها ويو ... م الوصل يوم الفطر من رمضان واجعل نعوت جمالها الحادي وسر ... نحو الحبيب ولست بالمتواني واسمع إذن أوصافها ووصالها ... واجعل حديثك ربة الإحسان يا من يطوف بكعبة الحسن التي ... حفت بذاك الحجر والأركان ويظل يسعى دائما حول الصفا ... ومحسر مسعاه كل أوان ويروم قربان الوصال على منى ... والخيف يحجبه عن القربان فلذا تراه محرما أبدا ومو ... ضع حلة منه فليس بدان يبغي التمتع مفردا عن حبه ... متجردا يبغي شفيع قران ويظل بالجمرات يرمي قلبه ... هذي مناسكه بكل زمان والناس قد قضوا مناسكهم وقد ... حثوا ركائبهم إلى الأوطان وحدت بهم همم لهم وعزائم ... نحو المنازل ربة الإحسان رفعت لهم في السير أعلام الوصا ... ل فشمروا يا خيبة الكسلان ورأوا على بعد خياما مشرفا ... ت مشرقات النور والبرهان فتيمموا تلك الخيام فآنسوا ... فيهن أقمارا بلا نقصان الجزء: 1 ¦ الصفحة: 254 من قاصرات الطرف لا تبغي سوى ... محبوبها من سائر الشبان قصرت عليه طرفها من حسنه ... والطرف منه مطلق بأمان ويحار منه الطرف في الحسن الذي ... قد أعطيت فالطرف كالحيران ويقول لما أن يشاهد حسنها ... سبحان معطي الحسن والإحسان والطرف يشرب من كؤوس جمالها ... فتراه مثل الشارب النشوان كملت خلائقها وأكمل حسنها ... كالبدر ليل الست بعد ثمان والشمس تجري في محاسن وجهها ... والليل تحت ذوائب الأغصان فيظل يععجب وهو موضع ذاك من ... ليل وشمس كيف يجتمعان ويقول سبحان الذي ذا صنعه لا الليل يدرك شمسها فتغيب عند ... سبحان متقن صنعة الإنسان مجيئه حتى الصباح الثاني والشمس لا تأتي بطرد الليل بل ... يتصاحبان كلاهما أخوان وكلاهما مرآة صاحبه إذا فيرى محاسن وجهه في وجهها ... ما شاء يبصر وجهه يريان وترى محاسنها به بعيان حمر الخدود ثغورهن لآلئ ... سود العيون فواتر الأجفان والبرق يبدو حين يبسم ثغرها ... فيضيء سقف القصر بالجدران ريانة الأعطاف من ماء الشبا ... ب فغصنها بالماء ذو جريان لما جرى ماء النعيم بغصنها ... حمل الثمار كثيرة الألوان فالورد والتفاح والرمان في ... غصن تعالى غارس البستان والقد منها كالقضيب اللدن في ... حسن القوام كأوسط القضبان في مغرس كالعاج تحسب أنه ... عالي النقا أو واحد الكثبان لا الظهر يلحقه وليس ثديها ... بلواحق للبطن أو بدوان ... ... الجزء: 1 ¦ الصفحة: 255 لكنهن كواعب ونواهد ... فثديهن كأحسن الرمان والجيد ذو طول وحسن في بيا ... ض واعتدال ليس ذا نكران يشكو الحلي بعاده فله مدى السأيام والمعصمان فإن تشأ شبههما ... وسواس من الهجران بسبيكتين عليهما كفان كالزبد لينا في نعومة ملمس ... أصداف در دورت بوزان والصدر متسع على بطن لها ... والخصر منهما مغرم بثمان وعليه أحسن سرة هي زينة ... للبطن قد غارت من الأعكان حق من العاج استدار وحشوه ... حبات مسك جل ذو الإتقان وإذا نزلت رأيت أمرا هائلا ... ما للصفات عليه من سلطان لا الحيض يغشاه ولا بول ولا ... شيء من الآفات في النسوان فخذان قد حفا به حرسا له ... فجنابه في عزة وصبيان قاما بخدمته هو السلطان بينهما ... وحق طاعة السلطان وهو المطاع إذا هو استدعى الحبيب ... أتاه طوعا وهو غير جبان وجماعها فهو الشفاء لصبها ... فالصب منه ليس بالضجران وإذا أتاها عادت الحسناء بكرا ... مثل ما كانت مدى الأزمان وهو الشهي ألذ شيء هكذا ... قال الرسول لمن له أذنان يا رب غفرا قد طغت أقلامنا ... يا رب معذرة من الطغيان أقدامها من فضة قد ركبت ... من فوقها ساقان ملتفان والساق مثل العاج ملموم به ... مخ العظام تناله العينان والريح مسك والجسوم نواعم ... واللون كالياقوت والمرجان وكلامها يسبي العقول بنغمة ... زادت على الأوتار والعيدان وهي العروب بشكلها وبدلها ... وتحبب للزوج كل أوان ... الجزء: 1 ¦ الصفحة: 256 أتراب من واحد متماثل ... سن الشباب لأجمل الشبان بكر فلم يأخذ بكارتها سوى ال ... محبوب من إنس ولا من جان يعطى المجامع قوة المائة التي اج ... تمعت لأقوى واحد الإنسان ولقد أتانا أنه يغشى بيو ... م واحد مائة من النسوان ورجاله شرط الصحيح رووا لهم ... فيه وذا في معجم الطبراني وبذاك فسر شغلهم في سورة ... من بعد فاطر يا أخا العرفان هذا دليل أن قدر نسائهم ... متفاوت بتفاوت الإيمان وبه يزول توهم الإشكال عن ... تلك النصوص بمنة الرحمن في بعضها مائة أتى وأتى بها ... سبعون أيضا ثم جا ثنتان فتفاوت الزوجات مثل تفاوت ال ... درجات فالأمران مختلفان وبقوة المائة التي حصلت له ... أفضى إلى مائة بلا خوران وأعفهم في هذه الدنيا هو ال ... أقوى هناك لزهده في الفاني فاجمع قواك لما هنا وغض من ... ك الطرف واصبر ساعة لزمان ما هاهنا والله ما يسوى قلا ... مة ظفر واحدة من النسوان ونصيفها خير من الدنيا وما ... فيها إذا كانت من الأثمان لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن ... تفعل رجعت بذلة وهوان وإذا بدت في حلة من لبسها ... وتمايلت كتمايل النشوان تهتز كالغصن الرطيب وحمله ... ورد وتفاح على رمان وتبخترت في مشيها ويحق ذا ... ك لمثلها في جنة الرضوان الجزء: 1 ¦ الصفحة: 257 ووصائف من خلفها وأمامها ... وعلى شمائلها وعن أيمان كالبدر ليلة تمه قد حف في ... غسق الدجى بكواكب الميزان فلسانه وفؤاده والطرف في ... دهش وإعجاب وفي سبحان تستنطق الأفواه بالتسبيح إذ ... تبدو فسبحان العظيم الشان والقلب قبل زفافها في عرسه ... والعرس إثر العرس متصلان حتى إذا واجهته تقابلا ... أرأيت إذ يتقابل القمران فسل المتيم هل يحل الصبر عن ... ضم وتقبيل وعن فلتان وسل المتيم أين خلف صبره ... في أي واد أم بأي مكان وسل المتيم كيف حالته وقد ... ملئت له الأذنان والعينان من منطق رقت حواشيه ووج ... هـ كم به للشمس من جريان وسل المتيم كيف عيشته إذا ... وهما على فرشيهما خلوان يتساقطان لآلئا منثورة ... من بين منظوم كنظم جمان وسل المتيم كيف مجلسه مع ال ... محبوب في روح وفي ريحان وتدور كاسات الرحيق عليهما ... بأكف أقمار من الولدان يتنازعان الكأس هذا مرة ... والخود أخرى ثم يتكئان فيضمها وتضمه أرأيت مع ... شوقين بعد البعد يلتقيان غاب الرقيب وغاب كل منكد ... وهما بثوب الوصل مشتملان أتراهما ضجرين من ذا العيش ل ... وحياة ربك ما هما ضجران يا عاشقا هانت عليه نفسه ... إذ باعها غبنا بكل هوان أترى يليق بعاقل بيع الذي ... يبقى وهذا وصفه بالفاني الجزء: 1 ¦ الصفحة: 258 الباب العشرون: في علامات المحبة وشواهدها وقبل الخوض في ذلك لا بد من ذكر أقسام لنفوس ومحابها فنقول النفوس ثلاثة نفس سماوية علوية فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان واجتناب الرذائل وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها ونفس سبعية غضبية فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به ونفس حيوانية شهوانية فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفساد كما قال الله تعالى {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} وقال في آخر السورة {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} والحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم وكل قسم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 259 من هذه الأقسام يرون أن ما هم فيه أولى بالإيثار وأن الاشتغال بغيره والإقبال على سواه غبن وفوات حظ فالنفس السماوية بينها وبين الملائكة والرفيق الأعلى مناسبة طبعية بها مالت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم فالملائكة أولياء هذا النوع في الدنيا والآخرة قال الله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم} فالملك يتولى من يناسبه بالنصح له والإرشاد والتثبيت والتعليم وإلقاء الصواب على لسانه ودفع عدوه عنه والاستغفار له إذا زل وتذكيره إذا نسي وتسليته إذا حزن وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها وإيعاد صاحبه بالخير وحضه على التصديق بالوعد وتحذيره من الركون إلى الدنيا وتقصير أمله وترغيبه فيما عند الله فهو أنيسه في الوحدة ووليه ومعلمه ومثبته ومسكن جأشه ومرغبه في الخير ومحذره من الشر يستغفر له إن أساء ويدعو له بالثبات إن أحسن وإن بات طاهرا يذكر الله بات معه في شعاره فإن قصده عدو له بسوء وهو نائم دفعه عنه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 260 فصل والشياطين أولياء النوع الثاني يخرجونهم من النور إلى الظلمات قال الله تعالى: {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم} وقال تعالى: {كتب عليه أنه من كولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير وقال تعالى ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا} وقال تعالى: {وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} فهذا النوع بين نفوسهم وبين الشياطين مناسبة طبعية بها ملت إلى أوصافهم وأخلاقهم وأعمالهم فالشياطين تتولاهم بضد ما تتولى الملائكة لمن ناسبهم فتؤزهم إلى المعاصي أزا وتزعجهم إليها إزعاجا لا يستقرون معه ويزينون لهم القبائح ويخفقونها على قلوبهم ويحلونها في نفوسهم ويثقلون عليها الطاعات ويثبطونهم عنها وبقبحونها في أعينهم ويلقون على ألسنتهم أنواع القبيح من الكلام وما لا يفيد ويزينونه في أسماع من يسمعه منهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 261 يبيتون معهم حيث باتوا ويقيلون معهم حيث قالوا ويشاركونهم في أموالهم وأولادهم ونسائهم يأكلون معهم ويشربون معهم ويجامعون معهم وينامون معهم قال تعالى {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً} وقال تعالى {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} فصل وأما النوع الثالث فهم أشباه الحيوان ونفوسهم أرضية سفلية لا تبالي بغير شهواتها ولا تريد سواها إذا عرفت هذه المقدمة فعلامات المحبة قائمة في كل نوع بحسب محبوبه ومراده فمن تلك العلامات تعرف من أي هذه الأقسام هو فنذكر فصولا من علامات المحبة التي يستدل بها عليها فمنها إدمان النظر إلى الشيء وإقبال العين عليه فإن العين باب القلب وهي المعبرة عن ضمائره والكاشفة لأسراره وهي أبلغ في ذلك من اللسان لأن دلالتها بغير اختيار صاحبها ودلالة اللسان لفظية تابعة لقصده فترى ناظر المحب يدور مع محبوبه كيف ما دار ويجول معه في النواحي والأقطار كما قال أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلا عليك طريق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 262 بل المحب في عين المحبوب تمثاله كما في قلبه شخصه ومثاله كما قيل ومن عجب أني أحن إليهم ... وأسأل عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي فالمحب نظره وقف على محبوبه كما قال إن يحجبوها عن العيون فقد ... حجبت عيني لها عن البشر فصل ومنها إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرفه نحو الأرض وذلك من مهابته له وحيائه منه وعظمته في صدره ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم بل يكون خافض الطرفإلى الأرض قال الله تعالى مخبرا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} وهذا غاية الأدب فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا ولا طمح متجاوزا إلى ما هو رائيه ومقبل عليه كالمتشارف إلى ما وراء ذلك ولهذا اشتد نهي النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء وتوعدهم على ذلك بخطف أبصارهم إذ هذا من كمال الأدب مع من المصلي واقف بين يديه بل ينبغي له أن يقف ناكس الرأس مطرقا إلى الأرض ولولا أن عظمة رب العالمين سبحانه فوق سماواته على عرشه لم يكن فرق بين النظر إلى فوق أو إلى أسفل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 263 فصل ومنها كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر وقال آخر ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم فوددت تقبيل السيوف لأنها ... برقت كبارق ثغرك المتبسم وفي بعض الآثار الإلهية إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب وقال بعض المحبين في محبوبه يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 264 ومن الذكر الدال على صدق المحبة سبق ذكر المحبوب إلى قلب المحب ولسانه عند أول يقظة من منامه وأن يكون ذكره آخر ما ينام عليه كما قال قائلهم آخر شيء أنت في كل هجعة ... وأول شيء أنت وقت هبوبي وذكر المحبوب لا يكون عن نسيان مستحكم فإن ذكره بالقوة في نفس المحب ولكن لضيق المحل به يرد عليه ما يغيب ذكره فإذا زال الوارد عاد الذكر كما كان وأعلى أنواع ذكر الحبيب أن يحبس المحب لسانه على ذكره ثم يحبس قلبه على لسانه ثم يحبس قلبه ولسانه على شهود مذكوره وكما أن الذكر من نتائج الحب فالحب أيضا من نتائج الذكر فكل منهما يثمر الآخر وزرع المحبة إنما يسقى بماء الذكر وأفضل الذكر ما صدر عن المحبة فصل ومن علاماتها الانقياد لأمر المحبوب وإيثاره على مراد المحب بل يتحد مراد المحب والمحبوب وهذا هو الاتحاد الصحيح لا الاتحاد الذي يقوله إخوان النصارى من الملاحدة فلا اتحاد إلا في المراد وهذا الاتحاد علامة المحبة الصادقة بحيث يكون مراد الحبيب والمحب واحدا فليس بمحب صادق من له إرادة تخالف مراد محبوبه منه بل هذا مريد من محبوبه لا مريد له وإن كان مريدا له فليس مريدا لمراده فالمحبون ثلاثة أقسام منهم من يريد من المحبوب ومنهم من يريد المحبوب ومنهم من يريد مراد المحبوب مع إرادته للمحبوب وهذا أعلى أقسام المحبين وزهد هذا أعلى أنواع الزهد فإنه قد الجزء: 1 ¦ الصفحة: 265 زهد في كل إرادة تخالف مراد محبوبه وبين هذا وبين الزهد في الدنيا أعظم مما بين السماء والأرض فالزهد خمسة أقسام زهد في الدنيا وزهد في النفس وزهد في الجاه والرئاسة وزهد فيما سوى المحبوب وزهد في كل إرادة تخالف مراد المحبوب وهذا إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب قال الله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع فصل ومن علاماتها قلة صبر المحب عن المحبوب بل ينصرف صبره إلى الصبر على طاعته والصبر عن معصيته والصبر على أحكامه فهذا صبر المحب وأما الصبر عنه فصبر الفارغ عن محبته المشغول بغيره قال والصبر يحمد في المواطن كلها ... وعن الحبيب فإنه لا يحمد فمن صبر عن محبوبه أدى به صبره إلى فوات مطلوبه وقال بعض المحبين ما أحسن الصبر وأما على ... أن لا أرى وجهك يوما فلا لو أن يوما منك أو ساعة ... تباع بالدنيا إذا ما غلا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 266 فصل ومنها الإقبال على حديثه وإلقاء سمعه كله إليه بحيث يفرغ لحديثه سمعه وقلبه وإن ظهر منه إقبال على غيره فهو إقبال مستعار يستبين فيه التكلف لمن يرمقه كما قال وأديم لحظ محدثي ليرى ... أن قد فهمت وعندكم عقلي فإن أعوزه حديثه بنفسه فأحاب شيء إليه الحديث عنه ولا سيما إذا حدث عنه بكلامه فإنه يقيمه مقام خطابه كما قال القائل المحبون لا شيء ألذ لهم ولقلوبهم من سماع كلام محبوبهم وفيه غاية مطلوبهم ولهذا لم يكن شيء ألذ لأهل المحبة من سماع القرآن وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ علي قلت أقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه من أول سورة النساء حتى إذا بلغت قوله تعالى {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} قال حسبك الآن فرفعت رأسي فإذا عيناه تذرفان وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا قارئا أن يقرأ وهم يستمعون وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل عليه أبو موسى يقول يا أبا موسى ذكرنا ربنا فيقرأ أبو موسى وربما بكى عمر ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي موسى رضي الله عنه وهو يصلي من الليل فأعجبته قراءته فوقف واستمع لها فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم "قال لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فوقفت واستمعت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 267 لقراءتك فقال لو أعلم أنك كنت تسمع لحبرته لك تحبيرا والله سبحانه وهو الذي تكلم بالقرآن يأذن ويستمع للقارىء الحسن الصوت من محبته لسماع كلامه منه كما قال لله أشد أذنا إلى القارئ الحسن الصوت من صاحب القينة إلى قينته والأذن بفتح الهمزة والذال مصدر أذن يأذن إذا استمع قال الشاعر أيها القلب تعلل بددن ... إن قلبي في سماع وأذن وقال زينوا القرآن بأصواتكم وغلط من قال إن هذا من المقلوب وإن المراد زينوا أصواتكم بالقرآن فهذا وإن كان حقا فالمراد تحسين الصوت بالقرآن وصح عنه أنه قال: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" ووهم من فسره بالغنى الذي هو ضد الفقر من وجوه أحدها أن ذلك المعنى إنما يقال فيه استغنى لا تغنى والثاني أن تفسيره قد جاء في نفس الحديث يجهر به هذا لفظه قال أحمد نحن أعلم بهذا من سفيان وإنما هو تحسين الصوت به يحسنه ما استطاع الثالث أن هذا المعنى لا يتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ ولو احتمله فكيف وبنية اللفظ لا تحتمله كما تقدم وبعد هذا فإذا كان من التغني بالصوت ففيه معنيان أحدهما يجعله له مكان الغناء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 268 لأصحابه من محبته له ولهجه به كما يحب صاحب الغناء لغنائه والثاني أنه يزينه بصوته ويحسنه ما استطاع كما يزين المتغني غناءه بصوته وكثير من المحبين ماتوا عند سماع القرآن بالصوت الشجي فهؤلاء قتلى القرآن لا قتلى عشاق المردان والنسوان فصل ومنها محبة دار المحبوب وبيته حتى محبة الموضع الذي حل به وهذا هو السر الذي لأجله علقت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان والأحباب ولذ لهم فيها السفر الذي هو قطعة من العذاب فركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار واحتملوا في الوصول غاية المشاق ولو أمكنهم لسعوا إليها على الجفون والأحداق نعم أسعى إليك على جفوني ... وإن بعدت لمسراك الطريق وسر هذه المحبة هي إضافة الرب سبحانه له إلى نفسه بقوله {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} قال الشاعر لما انتسبت إليك صرت معظما ... وعلوت قدرا دون من لم ينسب وكل ما نسب إلى المحبوب فهو محبوب {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} الجزء: 1 ¦ الصفحة: 269 {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} ومن فهم هذا فهم معنى قوله تعالى بيدك الخير وقول عبده ورسوله لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك وإذا كان من يحب مخلوقا مثله يحب داره كما قال أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا فكيف بمن ليس كمثله شيء ومن ليس كمثل محبته محبة فصل ومنها الإسراع إليه في السير وحث الركاب نحوه وطي المنازل في الوصول إليه والاجتهاد في القرب والدنو منه وقطع كل قاطع يقطع عنه واطراح الأشغال الشاغلة عنه والزهد فيها والرغبة عنها والاستهانة بكل ما يكون سببا لغضبه ومقته وإن جل والرغبة في كل ما يدني إليه وإن شق قال الشاعر ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضا لك أو مدن لنا من وصالك لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلة من ضلالك فصل ومنها محبة أحباب المحبوب وجيرانه وخدمه وما يتعلق به حتى حرفته وصناعته وآنيته وطعامه ولباسه قال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 270 أحب بني العوام طرا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا وقال آخر يشتاق واديها ولولا حبكم ... ما شاقه واد زهت أزهاره وقال الآخر فيا ساكني أكناف طيبة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب وفي أخبار العشاق أن عاشقا عشق السراويلات من أجل سراويل معشوقه فوجد في تركته اثنا عشر حملا وفردة من السراويلات ذكره البصري وعشق آخر الهاوونات من أجل صوت هاون محبوبته فوجد في تركته عدة آلافمنها وعند الناس من هذا عجائب كثيرة وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يحب الدباء كثيرا لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبعها من جوانب القصعة فصل ومنها قصر الطريق حين يزوره ويوافي إليه كأنها تطوى له وطولها إذا انصرف عنه وإن كانت قصيرة قال وكنت إذا ما جئت ليلى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 271 وقال آخر والله ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي وقال آخر وإذا قمت عنك لم أمش إلا ... مشي عان يقاد نحو الفناء وإذا جئت كنت أسرع في السي ... ر من الطير نازلا في الهواء وقال الآخر وتدنو الطريق إذا زرتكم ... وتبعد إذ أنثني راجعا فصل ومنها انجلاء همومه وغمومه إذا زار محبوبه أو زاره وعودها إذا فارقه كما قال يزور فتنجلي عني همومي ... لأن جلاء حزني في يديه ويمضي بالمسرة حين يمضي ... لأن حوالتي فيها عليه ومن المعلوم أنه ليس للمحب فرحة ولا سرور ولا نعيم إلا بمحبوبه وبمفارقة محبوبه عذابه الآجل والعاجل فصل ومنها البهت والروعة التي تحصل عند مواجهة الحبيب أو عند سماع ذكره ولا سيما إذا رآه فجأة أو طلع عليه بغتة كما قال الشاعر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 272 فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب فأرجع عن رأيي الذي كان أولا ... وأذكر ما أعددت حين تغيب وقال آخر فما هو إلا أن يراها فجاءة ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب وربما اضطرب عند سماع اسمه فجأة كما قال وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أشجان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري وقد اختلف في سبب هذه الروعة والفزع والاضطراب فقيل سببه أن للمحبوب سلطانا على قلب محبه أعظم من سلطان الرعية فإذا رآه فجأة راعه ذلك كما يرتاع من يرى من يعظمه فجأة فإن القلب معظم لمحبوبه خاضع له والشخص إذا فجئه المعظم عنده راعه ذلك وقيل سببه انفراج القلب له ومبادرته إلى تلقيه فيهرب الدم منه فيبرد ويرعد ويحدث الاصفرار والرعدة وربما مات وبالجملة فهذا أمر ذوقي وجداني وإن لم يعرف سببه فصل ومنها غيرته لمحبوبه وعلى محبوبه فالغيرة له أن يكره ما يكره ويغار إذا عصي محبوبه وانتهك حقه وضيع أمره فهذه غيرة المحب حقا والدين كله تحت هذه الغيرة فأقوى الناس دينا أعظمهم غيرة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح "أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير الجزء: 1 ¦ الصفحة: 273 مني" فمحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى وإن زعم أنه من المحبين فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس وهو يرى غيره ينتهك حرمة محبوبه ويسعى في أذاه ومساخطه ويستهين بحقه ويستخف بأمره وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الحاملة على ذلك فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر فإنه إنما يأتي بذلك غيرة منه لربه ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى علامة محبته ومحبوبيته الجهاد فقال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فصل وأما الغيرة على المحبوب فإنما تحمد حيث يحمد الاختصاص بالمحبوب ويذم الاشتراك فيه شرعا وعقلا كغيرة الإنسان على زوجته وأمته والشيء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 274 الذي يختص هو به فيغار من تعرض غيره لذكره ومشاركته له فيه وهذه الغيرة تختص بالمخلوق ولا تتصور في حق الخالق بل المحب لربه يحب أن الناس كلهم يحبونه ويذكرونه ويعبدونه ويحمدونه ولا شيء أقر لعينه من ذلك بل هو يدعو إلى ذلك بقوله وعمله ولما لم يميز كثير من الصوفية بين هاتين الغيرتين وقع في كلامهم تخبيط قبيح وأحسن أمره أن يكون من السعي المغفور لا المشكور وكان بعض جهلتهم إذا رأى من يذكر الله أو يحبه يغار منه وربما سكته إن أمكنه ويقول غيرة الحب تحملني على هذا وإنما ذلك حسد وبغي وعدوان ونوع معادة لله ومراغمة لطريق رسله أخرجوها في قالب الغيرة وشبهوا محبة الله بمحبة الصور من المخلوقين ولا ريب أن هذه الغيرة محمودة في محبة من لا تحسن مشاركة المحب فيه وسيأتي ذلك في باب الغيرة على المحبوب فصل ومنها بذل المحب في رضا محبوبه ما يقدر عليه مما كان يتمتع به بدون المحبة وللمحب في هذا ثلاثة أحوال أحدها بذله ذلك تكلفا ومشقة وهذا في أول الأمر فإذا قويت المحبة بذله رضا وطوعا فإذا تمكنت من القلب غاية التمكن بذله سؤالا وتضرعا كأنه يأخذه من المحبوب حتى إنه ليبذل نفسه دون محبوبه كما كان الصحابة رضي الله عنهم يقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب بنفوسهم حتى يصرعوا حوله ولي فؤاد إذا لج الغرام به ... هام اشتياقا إلى لقيا معذبه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 275 يفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فداك به ومن آثر محبوبه بنفسه فهو له بماله أشد إيثارا قال الله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} ولا يتم لهم مقام الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليهم من أنفسهم فضلا عن أبنائهم وآبائهم كما صح عنه أنه قال "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين وقال له عمر رضي الله عنه والله يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك قال فوالله لأنت الآن أحب إلي من نفسي فقال الآن يا عمر" فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله فكيف بمحبته سبحانه وهذا النوع من الحب لا يمكن أن يكون إلا لله ورسوله شرعا ولا قدرا وإن وجد في الناس من يؤثر محبوبه بنفسه وماله فذاك في الحقيقة إنما هو لمحبة غرضه منه فحمله محبة غرضه على أن بذل فيه نفسه وماله وليست محبته لذلك المحبوب لذاته بل لغرضه منه وهذا المحبوب له مثل ولمحبته مثل وأما محبة الله ليس لها مثل ولا للمحبوب مثل ولهذا حكم الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسهم وأموالهم فقالوا هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما الجزء: 1 ¦ الصفحة: 276 شئت وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك قال قيس بن صرمة الأنصاري ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مؤاتيا ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا فلما أتانا واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا بذلنا له الأموال من حل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا نعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن رسول الله أصبح هاديا فالمحب وصفه الإيثار والمدعي طبعه الاستئثار فصل ومنها سروره بما يسر به محبوبه كائنا ما كان وإن كرهته نفسه فيكون عنده بمنزلة الدواء الكريه يكرهه طبعا ويحبه لما فيه من الشفاء وهكذا المحب مع محبوبه يسره ما يرضى به محبوبه وإن كان كريها لنفسه وأما من كان واقفا مع ما تشتهيه نفسه من مراضي محبوبه فليست محبته صادقة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 277 بل هي محبة معلولة حتى يسر بما ساءه وسره من مراضي محبوبه وإذا كان هذا موجودا في محبة الخلق بعضهم لبعض فالحبيب لذاته أولى بذلك قال أبو الشيص وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم وقريب من هذا البيت الأخير قول الآخر لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك وقال الآخر صدودك عني إن صددت يسرني ... ولم أر قبلي عاشقا سر بالصد سررت به أني تيقنت أنما ... دعاك إليه رغبة منك في ودي ولو كنت فيه تزهدين لساءه ... ولكنما عتب المحب من الوجد فيا فرحة لي إذ رأيتك تعتبي ... علي لذنب كان مني على عمد وقال الآخر أهوى هواها وطول البعد يعجبها ... فالبعد قد صار لي في حبها أربا فمن رأى والها قبلي أخا كلف ... ينأى إذا حبه من أرضه قربا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 278 وقريب من هذا قول أحمد بن الحسين يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم واهتدم بعضهم هذا فقال يا من يعز علينا أن نلم بهم ... إذ بعدنا عنهم قد صار قصدهم إن كان يرضيكم هذا البعاد فما ... فيه لصبكم جرح ولا ألم ولعمر الله أكثر هذه دعاوى لا حقيقة لها والصادق منهم يخبر عن علمه وإرادته لا عن حاله وصفته ولقد أحسن القائل رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم ... وخاضوا بحار الحب دعوى وما ابتلوا فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم ... وما ظعنوا في السير عنه وقد كلوا وإن كان هذا هو وصف قائلها بعينه وحاله فإنه خاض بحار الحب وما ابتل فيه له قدم وأخبر عن نفسه عند انكشاف غطائه وطلب الرسل له لقدومه على ربه فقال وصدق إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفرت نفسي بها زمنا ... فاليوم أحسبها أضغاث أحلام الجزء: 1 ¦ الصفحة: 279 وهذه حال كل من أحب مع الله شيئا سواه فإنه إلى هذه الغاية يصير ولا بد وسيبدو له إذا انكشف الغطاء أنه إنما كان مغرورا مخدوعا بأمنية ظفرت نفسه بها مدة حياته ثم انقطعت وأعقبت الحسرة والندامة قال الله تعالى إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأمنهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار فالأسباب التي تقطعت بهم هي الوصل والعلائق والمودات التي كانت لغير الله وفي غير ذات الله وهي التي يقدم إليها سبحانه فيجعلها هباء منثورا فكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها وحسرة عليه إلا محبته ومحبة ما يدعو إلى محبته ويعين على طاعته ومرضاته فهذه هي التي تبقى في القلب يوم تبلى السرائر كما قال سيبقى لكم في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر وقال آخر إذا تصدع شمل الوصل بينهم ... فلمحبين شمل غير منصدع وإن تقطع حبل الوصل يومئذ ... فللمحبين حبل غير منقطع فصل ومنها حب الوحدة والأنس بالخلوة والتفرد عن الناس وكأن المحبة قد ثبتت على ذلك فلا شيء أحلى للمحب الصادق من خلوته وتفرده فإنه إن ظفر بمحبوبه أحب خلوته به وكره من يدخل بينهما غاية الكراهة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 280 ولهذا السر والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم برد المار بين يدي المصلي حتى أمر بقتاله وأخبر أنه لو يدري ما عليه من الإثم لكان وقوفه أربعين خيرا له من مروره بين يديه ولا يجد ألم المرور وشدته إلا قلب حاضر بين يدي محبوبه مقبل وقد ارتفعت الأغيار بينه وبينه فمرور المار بينه وبين ربه بمنزلة دخول البغيض بين المحب ومحبوبه وهذا أمر الحاكم فيه الذوق فلا ينكره إلا من لم يذق وقال ابن مسعود رضي الله عنه مرور المار بين يدي المصلي يذهب نصف أجره ذكره الإمام أحمد وأيضا فإن المحب يستأنس بذكر محبوبه وكونه في قلبه لا يفارقه فهو أنيسه وجليسه لا يستأنس بسواه فهو مستوحش ممن يشغله عنه وحدثني تقي الدين بن شقير قال خرج شيخ الإسلام ابن تيمية يوما فخرجت خلفه فلما انتهى إلى الصحراء وانفرد عن الناس بحيث لا يراه أحد سمعته يتمثل بقول الشاع وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا فخلوة المحب لمحبوبه هي غاية أمتيته فإن ظفر بها وإلا خلا به في سره وأوحشه ذلك من الأغيار وكان قيس بن الملوح إذا رأى إنسانا هرب منه فإذا أراد أن يدنو منه ويحادثه ذكر له ليلى وحديثها فيأنس به ويسكن إليه وينبغي للمحب أن يكون كما قال يوسف لإخوته وقد طلب منهم أخاهم {فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ} إذا لم تكن فيكن سعدى فلا أرى ... لكن وجوها أو أغيب في لحدي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 281 فصل ومنها استكانة المحب لمحبوبه وخضوعه وذله له والحب مبني على الذل ولا يأنف العزيز الذي لا يذل لشيء من ذله لمحبوبه ولا يعده نقصا ولا عيبا بل كثير منهم يعد ذله عزا كما قال إذا كنت تهوى من تحب ولم تكن ... ذليلا فه فاقرأ السلام على الوصل تذلل لمن تهوى لتكسب عزة ... فكم عزة قد نالها المرء بالذل وقال الآخر إخضع وذل لمن تحب فليس في ... شرع الهوى أنف يشال ويعقد وقال الآخر ويعجبني ذلي لديك ولم يكن ... ليعجبني لولا محبتك الذل وقال آخر يلذ له ذل الهوى وخضوعه ... ولولا الهوى ما لذ للعاقل الذل وقال الآخر مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل دون المقابر ومتى استحكم الذل والحب صار عبودية فيصير القلب المحب معبدا لمحبوبه وهذه الرتبة لا يليق أن تتعلق بمخلوق ولا تصلح إلا لله وحده الجزء: 1 ¦ الصفحة: 282 فصل ومنها امتداد النفس وتردد الأنفاس وتصاعدها وهذا نوعان أحدهما ما يقارنه حزن ولهف كما قال القائل رب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب وقال آخر تردد أنفاس المحب يدلنا ... على كنه ما أخفاه من ألم الحب إذا خطرات الحب خامرن قلبه ... تنفس حتى ظل متصدع القلب والثاني ما يكون سببه طربا ولذة وسبب وجود النوعين انحصار القلب وانفراجه بسبب الوارد الذي ورد عليه فأحدث للنفس الذي تروحه عليه الرئة كيفية مؤذية وطلب إخراجها فهو تنفس الصعداء وأما تنفس الراحة فإن القلب ينبسط بعد انقباضه فيدفع الهواء المحيط به فيطلب الخروج فصل ومنها هجره كل سبب يقصيه من محبوبه ويبغضه المحبوب وارتياحه لكل سبب يدنيه منه ويستحمد به عنده إذا بلغه عنه وفي الباب عجائب للمحبين فكثير منهم هجر طعاما أو لباسا أو أرضا أو صناعة أو حالة من الحالات كان محبوبه يمقتها فلم يعد إليها أبدا ولم تطاوعه نفسه بفعله البتة وكثير منهم حمله الحب على اكتساب المعالي والفضائل وغيرها مما يعلم أن المحبوب يعظمه ويحبه وهذا نوعان أيضا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 283 أحدهما أن يكون المحبوب مؤثرا لذلك محبا له فالمحب يبذل جهده فيه لينال منه أعلاه إن أمكنه فإن كان المحبوب مشغوفا بجمع المال أثر ذلك في محبه شغفا أشد من شغفه وإن كان مشغوفا بالعلم اجتهد المحب في طلبه أشد من من اجتهاده وإن كان مشغوفا بحرفة أو صناعة حرص المحب علىتعلمها إن وجد إلى ذلك سبيلا وإن كان مشغوفا بالنوادر والحكايات الحسان والأخبار المستحسنة بالغ المحب في تحفظها فالمحبة النافعة أن تقع على عشق كامل يحملك عشقه على طلب الكمال والبلية كل البلية أن تبتلى بمحبة فارغ بطال صفر من كل خير فيحملك حبه على التشبه به والثاني أن يكون المحبوب فارغا من محبة ذلك وإيثاره ولكن المحبة تستخرج من قلب المحب عزما وإرادة وحرصا على ما يعظم به في عين المحبوب وقلبه فتجده من أحرص الناس على ذلك بحسب استعداده كما قيل ويرتاح للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله وهذا قد يكون له سبب آخر وهو معاداة الناس له وتنقصهم إياه وازدراؤهم به فيحمله الانتخاء لنفسه والغيرة لها ومحبتها على المنافسة في المعالي واكتساب الحمد وهذا من شرف النفس وعزتها كما قيل من كان يشكر للصديق فإنني ... أحبو بصالح شكري الأعداء هم صيروا طلب المعالي ديدني ... حتى وطئت بنعلي الجوزاء ولربما انتفع الفتى بعدوه ... والسم أحيانا يكون شفاء وقال الآخر عداي لهم فضل علي ومنة ... فلا أعدم الرحمن عني الأعاديا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 284 هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا فصل ومنها الاتفاق الواقع بين المحب ومحبوبه ولا سيما إذا كانت المحبة محبة مشاكلة ومناسبة فكثيرا ما يمرض المحب بمرض محبوبه ويتحرك بحركته ولا يشعر أحدهما بالآخر ويتكلم المحبوب بكلام فيتكلم المحب به بعينه اتفاقا فانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الحديبية لما قال له ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا فقال: "إني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ناصري ولست أعصيه" فقال: ألم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت فنطوف به فقال: "قلت لك إنك تأتيه العام" قال: لا قال: " فإنك آتيه ومطوف به" ثم جاء أبا بكر الصديق رضي الله عنه فقال: له يا أبا بكر ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديتنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا فقال له: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ناصره وليس يعصيه قال ألم يكن يحدثنا أنا نأتي البيت فنطوف به قال أقال لك إنك تأتيه العام قال: لا قال: فإنك آتيه ومعطوف به فأجاب على جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرفا بحرف من غير تواطؤ ولا تشاعر بل موافقة محب لمحبوب هكذا وقع في صحيح البخاري ووقع في بعض المغازي أنه أتى أبا بكر أولا فقال له ذلك ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده فقال له مثل ما قال أبو بكر قال: السهيلي وهذا هو الأولى ويشبه أن يكون المحفوظ فإنه لا يظن بعمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له قولا فلا يرضى به الجزء: 1 ¦ الصفحة: 285 الذي حكم الله له به ورضي به وأقر به ودخل تحته طوعا وانقيادا وهو الفتح الذي فتح الله له أثابه الله عليه بأربعة أشياء مغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر وإتمام نعمته عليه وهدايته صراطا مستقيما ونصر الله له نصرا عزيزا وبهذا يقع جواب السؤال الذي أورده بعضهم هاهنا فقال كيف يكون حكم الله له بذلك علة لهذه الأمور الأربعة إذ يقول الله تعالى {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} الآية وجوابه ما ذكرنا أن تسليمه لهذا الحكم والرضا به والانقياد له والدخول تحته أوجب له أن آتاه الله ذلك والمقصود إنما هو ذكر الاتفاق بين المحب والمحبوب وهذا الذي جرى للصديق رضي الله عنه من أحسن الموافقة ومن هذا موافقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لربه تعالى في عدة أمور قالها فنزل بها الوحي كما قال وتقوى هذه الموافقة حتى يعلم المحب بكثير من أحوال محبوبه وهو غائب عنه وهذا بحسب تعلق الهمة به وتوجه القلب إليه واتحاد مراده بمراده وربما اقتضى ذلك اتفاقهما في المرض والصحة والفرح والحزن والخلق فإن كان مع ذلك بينهما تشابه في الخلق الظاهر فهو الغاية في الاتفاق ولنقتصر من العلامات على هذا القدر وبالله التوفيق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 287 الباب الحادي والعشرون: في اقتضاء المحبة إفراد الحبيب بالحب وعدم التشريك بينه وبين غيره فيه هذا من موجبات المحبة الصاقة وأحكامها فإن قوى الحب متى انصرفت إلى جهة لم يبق فيها متسع لغيرها ومن أمثال الناس ليس في القلب حبان ولا في السماء ربان ومتى تقسمت قوى الحب بين عدة محال ضعفت لا محالة وتأمل قوله سبحانه وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} كيف أمره بتقواه المتضمنة لإفراده بامتثال أمره ونهيه محبة له وخشية ورجاء فإن التقوى لا تتم إلا بذلك واتباع ما أوحي إليه المتضمن لتركه ما سوى ذلك واتباع المنزل خاصة وبالتوكل عليه وهو يتضمن اعتماد القلب عليه وحده وثقته به وسكونه إليه دون غيره ثم أتبع ذلك بقوله {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} فأنت تجد تحت هذا اللفظ أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة إذا مال بها إلى جهة لم يمل إلى غيرها وليس للعبد قلبان يطيع الله ويتبع أمره ويتوكل عليه بأحدهما والآخر لغيره بل ليس إلا قلب واحد فإن لم يفرد بالتوكل والمحبة والتقوى ربه وإلا انصرف ذلك إلى غيره ثم استطرد من ذلك إلى أنه سبحانه لم يجعل زوجة الرجل أمه واستطرد منه إلى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 288 أنه لم يجعل دعيه ابنه فانظر ما أحسن هذا التأصيل وهذا الاستطراد الذي تسجد له العقول والألباب وله نظائر في القرآن عديدة فمنها قوله هو الذي خلقكم من نفس واحدةوجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس فقال إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا فإن الله سبحانه اجتباه وهداه فلم يكن ليشرك به بعد ذلك ونظير هذا الاستطراد قوله {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ثم قال {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} فإنهم كانوا يفعلون ذلك في الإحرام فلما ذكر لهم وقت الإحرام الذي هو من فوائد الأهلة استطرد منه إلى ذكر ما يفعلونه فيه وهو كثير جدا والمقصود أن المحبة تستلزم توحيد المحبوب فيها وقد بالغ أبو محمد بن حزم في إنكاره على من يزعم أنه يعشق أكثر من واحد وقال في ذلك شعرا ونحن نذكر كلامه وشعره قال بعد كلام طويل ومن هذا دخل الغلط على من يزعم أنه يحب اثنين ويعشق شخصين متغيارين وإنما هذا من جهة الشهوة التي ذكرنا آنفا وهي على المجاز تسمى محبة لا على التحقيق وأما نفس المحب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 289 فما في الميل به فضل يصرفه من أسباب دينه ودنياه فكيف بالاشتغال بحب ثان وفي ذلك أقول كذب المدعي هوى اثنين حتما ... مثل ما في الأصول أكذب ماني ليس في القلب موضع لحبيبين ... ولا أحدث الأمور اثنان فكما العقل واحد ليس يدري ... خالقا غير واحد رحمان فكذا القلب واحد ليس يقوى ... غير فرد مباعد أو مدان هو في شرعة المودة ذو شك ... بعيد من صحة الإيمان وكذا الدين واحد مستقيم ... وكفور من عنده دينان وقد اختلف الناس في هذه المسألة فقالت طائفة ليس للقلب إلا وجهة واحدة إذا توجه إليها لم يمكنه التوجه إلى غيرها قالوا وكما أنه لا يجتمع فيه إرادتان معا فلا يكون فيه حبان وكان الشيخ إبراهيم الرقي رحمه الله يميل إلى هذا وقالت طائفة بل يمكن أن يكون له وجهتان فأكثر باعتبارين فيتوجه إلى أحدهما ولا يشغله عن توجهه إلى الآخر قالوا والقلب حمال فما حملته تحمل فإذا حملته الأثقال حملها وإن استعجزته عجز عن حمل غير ما هو فيه فالقلب واسع يجتمع فيه التوجه إلى الله سبحانه وإلى أمره وإلى مصالح عباده الجزء: 1 ¦ الصفحة: 290 ولا يشغله واحد من ذلك عن الآخر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبه متوجه في الصلاة إلى ربه وإلىمراعاة أحوال من يصلي خلفه وكان يسمع بكاء الصبي فيخفف الصلاة خشية أن يشق على أمه أفلا ترى قلبه الواسع الكريم كيف اتسع للأمرين ولا يظن أن هذا من خصائص النبوة فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهز جيشه وهو في الصلاة فيتسع قلبه للصلاة والجهاد في آن واحد وهذا بحسب سعة القلب وضيقه وقوته وضعفه قالوا وكمال العبودية أن يتسع قلب العبد لشهود معبوده ومراعاة آداب عبوديته فلا يشغله أحد الأمرين عن الآخر وهذا موجود في الشاهد فإن الرجل إذا عمل عملا للسلطان مثلا بين يديه وهو ناظر إليه يشاهده فإن قلبه يتسع لمراعاة عمله وإتقانه وشهود إقبال السلطان عليه ورؤيته له بل هذا شأن كل محب يعمل لمحبوبه عملا بين يديه أو ي غيبته قالوا وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى يوم موت ابنه إبراهيم فكان بكاؤه رحمة له فاتسع قلبه لرحمة الولد وللرضا بقضاء الله ولم يشغله أحدهما عن الآخر لكن الفضيل لم يتسع قلبه يوم موت ابنه لذلك فجعل يضحك فقيل له أتضحك وقد مات ابنك فقال إن الله سبحانه قضى بقضاء فأحببت أن أرضى بقضائه ومعلوم أن بين هذه الحال وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ تفاوت لا يعلمه إلا الله ولكن لم يتسع قلبه لما اتسع له قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظير هذا اتساع قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لغناء الجويريتين اللتين كانتا تغنيان عند عائشة رضي الله عنها فلم يشغله ذلك عن ربه ورأى فيه من مصلحة إرضاء النفوس الضعيفة بما يستخرج منها من محبة الله ورسوله ودينه فإن النفوس متى نالت شيئامن حظها طوعت ببذل ما عليها من الحق ولم يتسع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 291 قلب عمر لذلك لما دخل فأنكره وكم بين من ترد عليه الواردات فكل منها يثير همته ويحرك قلبه إلىالله كما قال القائل يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع ومن يرد عليه من الواردات فيشغله عن الله ويقطعه عن سير قلبه إليه فالقلب الواسع يسير بالخلق إلى الله ما أمكنه فلا يهرب منهم ولا يلحق بالقفار والجبال والخلوات بل لو نزل به من نزل سار به إلى الله فإن لم يسر معه سار هو وتركه ولا ينكر هذا فالمحبة الصحيحة تقتضيه وخذ هذا في المغني إذا طرب فلو نزل به من نزل أطربهم كلهم فإن لم يطربوا معه لم يدع طربه لغلظ أكبادهم وكثافة طبعهم وكان شيخنا يميل إلى هذا القول وهو كما ترى قوته وحجته والتحقيق أن المحبوب لذاته لا يمكن أن يكون إلا واحدا ومستحيل أن يوجد في القلب محبوبان لذاتهما كما يستحيل أن يكون في الخارج ذاتان قائمتان بأنفسهما كل ذات منهما مستغنية عن الأخرى من جميع الوجوه وكما يستحيل أن يكون للعالم ربان متكافئان مستقلان فليس الذي يحب لذاته إلا الإله الحق الغني بذاته عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير بذاته إليه وأما ما يحب لأجله سبحانه فيتعدد ولا تكون محبة العبد له شاغلة له عن محبة ربه ولا يشركه معه في الحب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب زوجاته وأحبهن إليه عائشة رضي الله عنها وكان يحب أباها ويحب عمر رضي الله عنهم وكان يحب أصحابه وهم مراتب في حبه لهم ومع هذا فحبه كله لله وقوى حبه جميعها منصرفة إليه سبحانه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 292 فإن المحبة ثلاثة أقسام محبةالله والمحبة له وفيه والمحبة معه فالمحبة له وفيه من تمام محبته وموجباتها لا من قواطعها فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب ومحبة ما يعين على حبه ويوصل إلى رضاه وقربه وكيف لا يحب المؤمن ما يستعين به على مرضاة ربه ويتوصل به إلى حبه وقربه وأما المحبة مع الله فهي المحبة الشركية وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم كما قال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} وأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها وقالوا هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم ففرق بين محبة الله أصلا والمحبة له تبعا والمحبةمع شركا وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك ويحكى أن الفضيل دخل على ابنته في مرضها فقالت له يا أبت هل تحبني قال نعم قالت لا إله إلا الله والله ما كنت أظن فيك هذا ولم أكن أظنك تحب مع الله أحدا ولكن أفرد الله بالمحبة واجعل لي منك الرحمة أي يكون حبك لي حب رحم جعلها الله في قلب الوالد لولده لا محبة مع الله فلله حق من المحبة لا يشركه فيه غيره وأظلم الظلم وضع تلك المحبة في غير موضعها والتشريك بين الله وغيره فيها فليتدبر اللبيب هذا الباب فإنه من أنفع أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 293 الباب الثاني والعشرون: في غيرة المحبين على أحبابهم لما كان هذا الباب متصلا بإفراد المحبوب بالمحبة ومن موجباته فإن الغيرة بحسب قوة المحبة وقوتها بحسب إفراد المحبوب حسن ذكره بعده وأصل الغيرة الحمية والأنفة والغيرة نوعان غيرة للمحبوب وغيرة عليه فأما الغيرة له فهي الحمية له والغضب له إذا استهين بحقه وانتقصت حرمته وناله مكروه من عدوه فيغضب له المحب ويحمى وتأخذه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيير ومحاربة من آذاه فهذه غيرة المحبين حقا وهي من غيرةالرسل وأتباعهم لله ممن أشرك به واستحل محارمه وعصى أمره وهذه الغيرة هي التي تحمل على بذل نفس المحب وماله وعرضه لمحبوبه حتى يزول ما يكرهه فهو يغار لمحبوبه أن تكون فيه صفة يكرهها محبوبه ويمقته عليها أو يفعل ما يبغضه عليه ثم يغار له بعد ذلك أن يكون في غيره صفة يكرهها ويبغضها والدين كله في هذه الغيرة بل هي الدين وما جاهد مؤمن نفسه وعدوه ولا أمر بمعروف ولا نهى عن منكر إلا بهذه الغيرة ومتى خلت من القلب خلا من الدين فالمؤمن يغار لربه من نفسه ومن غيره إذا لم يكن له كما يحب والغيرة تصفي القلب وتخرج خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد الجزء: 1 ¦ الصفحة: 294 فصل وأما الغيرة علىالمحبوب فهي أنفة المحب وحميته أن يشاركه في محبوبه غيره وهذه أيضا نوعان غيرة المحب أن يشاركه غيره في محبوبه وغيرة المحبوب على محبه أن يحب معه غيره والغيرة من صفات الرب جل جلاله والأصل فيها قوله تعالى {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} ومن غيرته تعالى لعبده وعليه يحميه مما يضره في آخرته كما في الترمذي وغيره مرفوعا إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام والشراب وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الكسوف: "والله يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته" وفي ذكر هذا الذنب بخصوصه في خطبة الكسوف سر بديع قد نبهنا عليه في باب غض البصر وأنه يورث نورا في القلب ولهذا جمع الله سبحانه وتعالى بين الأمر به وبين ذكر آية النور فجمع الله سبحانه بين نور القلب بغض البصر وبين نوره الذي مثله بالمشكاة لتعلق أحدهما بالآخر فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين ظلمة القلب بالزنا وبين ظلمة الوجود بكسوف الشمس وذكر أحدهما مع الآخر وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس شيء أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك أثنى على نفسه ولا أحد أحاب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 295 وروى الثوري عن حماد بن إبراهيم عن عبد الله قال إن الله عز وجل ليغار للمسلم فليغر وروي أيضا عن عبد الأعلى عن ابن عيينة عن أمه عن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يغار فليغر أحدكم وفي الصحيح عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يغار والمؤمن يغار وغيرةالله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه" وروى القعنبي عن الدراوردي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن يغار والله أشد غيرة" فصل وغيرةالعبد علىمحبوبه نوعان غيرةممدوحة يحبها الله وغيرة مذمومة يكرهها الله فالتي يحبها الله أن يغار عند قيام الريبة والتي يكرهها أن يغار من غير ريبة بل من مجرد سوء الظن وهذه الغيرة تفسد المحبة وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه وفي المسند وغيره عنه قال: "الغيرة غيرتان فغيرة يحبها الله الله وأخرى يكرهها الله قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الغيرة التي يحب الله قال أن تؤتى معاصيه أو تنتهك محارمه قلنا فما الغيرة التي يكره الله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 296 قال غيرة أحدكم في غير كنهه" وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم "إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يكره الله فالغيرة التي يحبها الله الغيرة في الريبة والغيرة التي يكرهها الله الغيرة في غير ريبة" وفي الصحيح عنه أنه قال: "أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني" وقال عبد الله بن شداد الغيرة غيرتان غيرة يصلح بهاالرجل أهله وغيرة تدخله النار وروى عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على مارية القبطية وهي حامل بإبراهيم وعندها نسيب لها قدم معها من مصر فأسلم وكان كثيرا ما يدخل على أم إبراهيم وأنه جب نفه فقطع ما بين رجليه حتى لم يبق قليل ولا كثير فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما عليها فوجد عندها قريبها فوجد في نفسه من ذلك شيئا كما يقع في أنفس الناس فخرج متغير اللون فلقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعرف ذلك في وجهه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أراك متغير اللون فأخبره ما وقع في نفسه من قريب مارية فمضى بسيفه فأقبل يسعى حتى دخل على مارية فوجد عندها قريبها ذلك فأهوى بالسيف ليقتله فلما رأى ذلك منه كشف عن نفسه فلما رآه عمر رضي الله عنه رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن الله عز وجل قد برأها وقريبها مما وقع في نفسي وبشرني أن في بطنها غلاما وأنه أشبه الخلق بي وأمرني أن أسميه إبراهيم" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 297 وقال الواقدي عن محمد بن صالح عن سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال كانت سارة عند إبراهيم فمكثت معه دهرا لا ترزق منه ولدا فلما رأت ذلك وهبت له هاجر أمتها فولدت لإبراهيم فغارت من ذلك سارة ووجدت في نفسها وعتبت على هاجر فحلفت أن تقطع منها ثلاثة أعضاء فقال لها إبراهيم هل لك أن تبر يمينك قالت كيف أصنع قال اثقبي أذنيها واخفضيها والخفض هو الختان ففعلت ذلك بها فوضعت هاجر في أذنيها قرطين فازدادت بهما حسنا فقالت سارة إنما زدتها جمالا فلم تقاره على كونها معه ووجد بها إبراهيم وجدا شديدا فنقلها إلى مكة فكان يزورها كل يوم من الشام على البراق من شغفه بها وقلة صبره عنها وفي الصحيح من حديث حميد عن أنس رضي الله عنه قال أهدى بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم له قصعة فيها ثريد وهو في بيت بعض نسائه فضربت يد الخادم فانكسرت القصعة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ الثريد ويرده في القصعة ويقول: "كلوا غارت أمكم" ثم انتظر حتى جاءت قصعة صحيحة فأعطاها التي كسرت قصعتها وقالت عائشة رضي الله عنها ما غرت على امرأة قط ما غرت على خديجة من كثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إياها ولقد ذكرها يوما فقلت ما تصنع بعجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها فقال: "والله ما أبدلني الله خيرا منها" فانظر هذه الغيرة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 298 الشديدة على امرأة بعدما ماتت وذلك لفرط محبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تغار عليه أن يذكر غيرها وكذلك غيرتها من صفية رضي الله عنها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم بها المدينة وقد اتخذها لنفسه زوجة وعرس بها في الطريق قالت عائشة رضي الله عنها تنكرت وخرجت أنظر فعرفني فأقبل إلي فانقلبت فأسرع المشي فأدركني فاحتضنني وقال كيف رأيتها قلت يهودية بين يهوديات تعني السبي وفي المسند من حديث الأشعث بن قيس قال تضيفت بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقام إلى امرأته فضربها قال فحجزت بينهما فرجع إلى فراشه فقال ياأشعث احفظ عني شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تسألن رجلا فيم يضرب امرأته" وذكر حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع امرأته تكلم رجلا من وراء جدار بينها وبينه قرابة لا يعلمها ابن عمر فجمع لها جرائد ثم ضربها حتى أضبت حسيسا وذكر الخرائطي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يأكل تفاحا ومعه امرأته فدخل عليه غلام له فناولته تفاحة قد أكلت منها فأوجعها معاذ ضربا ودخل يوما على امرأته وهي تطلع في خباء أدم فضربها وذكر الثوري عن أشعث عن الحسن أن امرأة جاءت تشكو زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 299 لطمها فدعا الرجل ليأخذ حقها فأنزل الله عز وجل {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أردنا أمرا وأراد الله أمرا" وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد الغيرة وكانت امرأته تخرج فتشهد الصلاة فيكره ذلك فتقول إن نهيتني انتهيت فيسكت امتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وهو الذي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يحجب نساءه وكان عادة العرب أن المرأة لا تحتجب لنزاهتهم ونزاهة نسائهم ثم قام الإسلام على ذلك فقال عمر يا رسول الله صلى الله عليه وسلم لو حجبت نساءك فإنه يدخل عليهن البر والفاجر فأنزل الله عز وجل آية الحجاب ورفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل قد قتل امرأته ومعها رجل آخر فقال أولياء المرأة هذا قتل صاحبتنا وقال أولياء الرجل إنه قد قتل صاحبنا فقال عمر رضي الله عنه ما يقول هؤلاء قال ضرب الآخر فخذي امرأته بالسيف فإن كان بينهما أحد فقد قتلته فقال لهم عمر ما يقول فقالوا ضرب بسيفه فقطع فخذي المرأة فأصاب وسط الرجل فقطعه باثنتين فقال عمر رضي الله عنه إن عادوا فعد ذكره سعيد بن منصور في سننه وأخذ بهذا جماعة من الفقهاء منهم الإمام أحمد وأصحابه رحمهم الله تعالى قالوا لو وجد رجلا يزني بامرأته الجزء: 1 ¦ الصفحة: 300 فقتلهما فلا قصاص عليه ولا ضمان إلا أن تكون المرأة مكرهة فعليه القصاص بقتلها ولكن لا يقبل قول الزوج إلا بتصديق الولي أو بينة واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في عدد البينة فروي عنه أنها رجلان ويروى عنه لا بد من أربعة ووجه هذه الرواية ظاهر حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إن وجدت رجلا مع امرأتي أمهله حتى آتي بأربعة شهداء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم" فقال والذي بعثك بالحق إن كنت لأضربه بالسيف غير مصفح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا تعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير مني" وذكر سعيد بن منصور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن رجل دخل بيته فإذا مع امرأته رجل فقتلها وقتله فقال علي رضي الله عنه إن جاء بأربعة شهداء وإلا دفع برمته ووجه رواية الاكتفاء باثنين أن البينة ليست على إقامة الحد ولكن على وجوب السبب المانع من القصاص فإن الزوج كان له أن يقتل المتعدي على أهله ولكن لما أنكر أولياء القتيل طولب القاتل بالبينة فاكتفي برجلين ورفع إلى عمر رضي الله عنه رجل قد قتل يهوديا فسأله عن قصته فقال إن فلانا خرج غازيا وأوصاني بامرأته فبلغني أن يهوديا يختلف إليها فكمنت له حتى جاء فجعل ينشد ويقول الجزء: 1 ¦ الصفحة: 301 وأبيض غرةالإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويمسي ... على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الربلات منها ... فئام ينهضون إلى فئام فقمت إليه فقتلته فأهدر عمر دمه وليس في هذين الأمرين مطلبة عمر رضي الله عنه القاتل بالبينة إذ لعله تيقن ذلك أو أقر به الولي والصواب أنه متى قام على ذلك دلالة ظاهرة لا تحتمل الكذب أغنت عن البينة وذكر سفيان بن عيبنة عن الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير أن رجلا أضاف إنسانا من هذيل فذهبت جارية لهم تحتطب فأرادها عن نفسها فرمته بفهر فقتلته فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال ذاك قتيل الله لا يودى أبدا وذكر حماد بن سلمة عن القاسم بن محمد أن أبا السيارة أولع بامرأة أبي جندب يراودها عن نفسها فقالت لا تفعل فإن أبا جندب إن يعلم بهذا يقتلك فأبى أن ينزع فكلمت أخا أبا جندب فكلمه فأبى أن ينزع فأخبرت بذلك أبا جندب فقال أبو جندب إني مخبر القوم أني أذهب إلى الإبل فإذا أظلمت جئت فدخلت البيت فإن جاءك فأدخليه علي فودع أبو جندب القوم وأخبرهم أني ذاهب إلى الإبل فلما أظلم الليل جاء فكمن في الجزء: 1 ¦ الصفحة: 302 البيت وجاء أبو السيارة وهي تطحن في ظلها فراودها عن نفسها فقالت ويحك أرأيت هذا الأمر الذي تدعوني إليه هل دعوتك إلى شيء منه قط قال لا ولكن لا أصبر عنك قالت أدخل البيت حتى أتهيأ لك فلما دخل البيت أغلق أبو جندب الباب ثم أخذه فدقه من عنقه إلى عجب ذنبه فذهبت المرأة إلى أخي أبي جندب فقالت ادرك الرجل فإن أبا جندب قاتله فجعل أخوه يناشده فتركه وحمله أبو جندب إلى مدرجة الإبل فألقاه فكان إذ مر به إنسان قال له ما شأنك فيقول وقعت من بكر فحطمني وبلغ الخبر عمر رضي الله عنه فأرسل إلى أبي جندب فأخبره بالأمر على وجهه فأرسل إلى أهل المرأة فصدقوه فجلد عمر أبا السيارة مائة جلدة وأبطل ديته وذكر العباس بن هشام الكلبي عن أبيه أن عمرو بن حممة الدوسي أتى مكة حاجا وكان من أجمل العرب فنظرت إليه امرأة فقالت لا أدري وجهه أحسن أم فرسه وكانت له جمة تسمى الزينة فكان إذا جلس مع أصحابه نشرها وإذا قام عقصها فقالت له المرأة أين منزلك قال نجد قالت ما أنت بنجدي ولا تهامي فاصدقني فقال رجل من أهل السراة فيما بين مكة واليمن ثم أشار إليها ارتدفي خلفي ففعلت فمضى بها إلى السراة وتبعها زوجها فلم يلحقها فرجع فلما استقرت عنده قطع عروقها وقال والله لا تتبعين بعدي رجلا أبدا ثم ردها إلى زوجها على تلك الحال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 303 فصل والله سبحانه وتعالى يغار على قلب عبده أن يكون معطلا من حبه وخوفه ورجائه وأن يكون فيه غيره فالله سبحانه وتعالى خلقه لنفسه واختاره من بين خلقه كما في الأثر الإلهي ابن آدم خلقتك لنفسي وخلقت كل شيء لك فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عم ما خلقتك له وفي أثر آخر خلقتك لنفسي فلا تلعب وتكفلت لك برزقك فلا تتعب يا ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء وإن فتك فاتك كل شيء وأنا خير لك من كل شيء ويغار على لسانه أن يتعطل من ذكره ويشتغل بذكر غيره ويغار على جوارحه أن تتعطل من طاعته وتشتغل بمعصيته فيقبح بالعيد أن يغار مولاه الحق على قلبه ولسانه وجوارحه وهو لا يغار عليها وإذا أراد الله بعبده خيرا سلط على قلبه إذا أعرض عنه واشتغل بحب غيره أنواع العذاب حتى يرجع قلبه إليه وإذا اشتغلت جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاء وهذا من غيرته سبحانه وتعالى على عبده وكما أنه سبحانه وتعالى يغار على عبده المؤمن فهو يغار له ولحرمته فلا يمكن المفسد أن يتوصل إلى حرمته غيرة منه لعبده فإنه سبحانه وتعالى يدفع عن الذين آمنوا فيدفع عن قلوبهم وجوارحهم وأهلهم وحريمهم وأموالهم يتولى سبحانه الدفع عن ذلك كله غيرة منه لهم كما غاروا لمحارمه من نفوسهم ومن غيرهم والله تعالى يغار على إمائه وعبيده من المفسدين شرعا وقدرا ومن أجل ذلك حرم الفواحش وشرع عليها أعظم العقوبات وأشنع القتلات لشدة غيرته على إمائه وعبيده فإن عطلت هذه العقوبات شرعا أجراها سبحانه قدرا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 304 فصل ومن غيرته سبحانه وتعالى غيرته على توحيده ودينه وكلامه أن يحظى به من ليس من أهله بل حال بينهم وبينه غيرة عليه قال الله تعالى {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً} ولذلك ثبط سبحانه أعداءه عن متابعة رسوله واللحاق به غيرة كما قال الله تعالى {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} فغار سبحانه على نبيه وأصحابه أن يخرج بينهم المنافقون فيسعوا بينهم بالفتنة فثبطهم وأقعدهم عنهم وسمع الشبلي رحمه الله تعالى قارئا يقرأ {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً} فقال أتدرون ما هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة ولا أحد أغير من الله يعني أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الكفار أهلا لمعرفته وها هنا نوع من غيرة الرب سبحانه وتعالى لطيف لا تهتدي إليه العقول وهو أن العبد يفتح له باب من الصفاء والأنس والوجود فيساكنه ويطمئن إليه وتلتذ به نفسه فيشتغل به عن المقصود فيغار عليه مولاه الحق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 305 فيخليه منه ويرده حينئذ إليه بالفقر والذلة والمسكنة ويشهده غاية فقره وإعدامه وأنه ليس معه من نفسه شيء البتة فتعود عزة ذلك الأنس والصفاء الوجود ذلو ومسكنة وفقرا وفاقة وذرة من هذا أحب إليه سبحانه وتعالى وأنفع للعبد من الجبال الرواسي من ذلك الصفاء والأنس المجرد عن شهود الفقر والذلة والمسكنة وهذا باب لا يتسع له قلب كل أحد فصل ومن الغيرة الغيرة على دقيق العلم ومالا يدركه فهم السامع أن يذكر له ولهذه الغيرة قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة فالعالم يغار على علمه أن يبذله لغير أهله او يضعه في غير محله كما قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تبذلوها لغير أهلها فتظلموها وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن تفسير قوله تعالى الله الذي {خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} فقال للسائل وما يؤمنك أني إن أخبرتك بتفسيرها كفرت فإنك تكذب به وتكذيبك بها كفرك بها فالمسألة الدقيقة اللطيفة التي تبذل لغير أهلها كالمرأة لحسناء التي تهدى إلى ضرير مقعد كما قيل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 306 خود تزف إلى ضرير مقعد وكان أبو علي إذا وقع شيء في خلال مجلسه من تشويش الوقت يقول هذا من غيرة الحق يريد أن لا يجري ما يجري من صفاء الوقت قال الشاعر همت بإتياننا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن ما كان هذا جزائي من محاسنها ... عذبت بالهجر حتى شفني الحزن قال القشيري وقيل لبعضهم أتحب أن تراهم قال لا قيل ولم قال أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي وفي معناه أنشدوا إني لأحد ناظري عليكا ... حتى أغض إذا نظرت إليكا وأراك تخطر في شمائلك التي ... هي فتنتي فأغار منك عليكا قلت وهذه غيرة فاسدة وغاية صاحبها أن يعفى عنه وأن يعد ذلك في شطحاته المذمومة وأما أن تعد في مناقبه وفضائله أن يقال أتحب أن ترى الله فيقول لا ورؤيته أعلى نعيم أهل الجنة وهو سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يسأله النظر إليه وقبد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان من دعائه اللهم "إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" وقول هذا القائل أنزه ذلك الجمال عن نظر مثلي من خدع الشيطان والنفس وهو يشبه ما يحكى عن بعضهم أنه قيل له ألا تذكره فقال أنزهه أن يجري ذكره على لساني وطرد هذا التنزيه الفاسد أن ينزهه أن يجري كلامه على لسانه أو يخطر هو أيضا على قلبه وقد وقع بعضهم في شيء من هذا فلاموه فأنشد الجزء: 1 ¦ الصفحة: 307 يقولون زرنا واقض واجب حقنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عني إذا هم رأوا حالي ولم يأنفوا لها ... ولم يأنفوا مني أنفت لهم مني وطرد هذه الغيرة أن لا يزور بيته غيرة على بيته أن يزوره مثله ولقد لمت شخصا مرة على ترك الصلاة فقال لي إني لا أرى نفسي أهلا أن أدخل بيته فانظر إلى تلاعب الشيطان بهؤلاء ومن هذا ما ذكره القشيري قال سئل الشبلي متى تستريح فقال إذا لم أر له ذاكرا ومات ابن له فقطعت أمه شعرها فدخل هو الحمام ونور لحيته حتى ذهب شعرها فقيل له لم فعلت هذا فقال إنهم يعزونني على الغفلة ويقولون آجرك الله ففديت ذكرهم لله تعالى على الغفلة بلحيتي وموافقة لأهلي ونظير هذا ما يحكى عن النوري رحمه الله تعالى أنه سمع رجلا يؤذن فقال طعنة وسم الموت وسمع كلبا ينبح فقال لبيك وسعديك فسئل عن ذلك فقال أما ذاك فكان يذكره على راس الغفلة وأما الكلب فقال الله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} وسمع الشبلي مرة رجلا يقول جل الله فقال أحب أن تجله هن هذا وياعجبا ممن يعد هذا في مناقب رجل ويجعله قدوة ويزين به كتابه وهل شيء أشد على قلب المؤمن وأمر عليه من أن لا يرى لربه ذاكرا وهل شيئ أقر لعينه من أن يرى ذاكرين الله بكل مكان وعذر هذا القائل أنه لا يرى ذاكرا لله بحق الذكر بل لا يرى ذاكرا إلا والغفلة والسهوة مستولية على قلبه فيذكر ربه بلسان فارغ من القلب وحضوره في الذكر وذلك ذكر لا يليق به فيغار محبه أن يذكر بهذا الذكر فيحب أن لا يسمع أحدا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 308 يذكره هذا الذكر ولما اشترك الناس في هذا الذكر أخبر أن راحته أن لا يرى له ذاكرا هذا أحسن ما يحمل عليه كلامه وإلا فظاهره إلى العداوة أقرب منه إلى المحبة وليس هذا حال الشبلي رحمه الله تعالى فإن المحبة كانت تغلب عليه ومع ذلك فهو من شطحاته التي يرجى أن تغفر له بصدقه ومحبته وتوحيده لا أنها مما يحمد عليه ويقتدى به فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده أن يذكروه على جميع أحوالهم وإن كان ذكرهم إياه مراتب فأعلاها ذكر القلب واللسان مع شهود القلب للمذكور وجمعيته بكليته بأحب الأذكار إليه ثم دونه ذكر القلب واللسان أيضا وإن لم يشاهد المذكور ثم ذكر القلب وحده ثم ذكر اللسان وحده فهذه مراتب الذكر وبعضها أحب إلى الله من بعض وكان طرد قول الشبلي أن راحته أن لا يرى لله مصليا ولا لكلامه تاليا ولا يرى أحدا ينطق بالشهادتين فإن هذا كله من ذكره بل هو أعلى أنواع ذكره فكيف يستريح قلب المحب إذا لم ير من يفعل ذلك والله سبحانه وتعالى يحب أن يذكر ولو كان من كافر وقال بعض السلف إن الله يحب أن يذكر على جميع الأحوال إلا في حال الجماع وقضاء الحاجة وأوحى الله عز وجل إلى موسى أن اذكرني على جميع أحوالك والله تعالى لا يضيع أجر ذكر اللسان المجرد بل يثيب الذاكر وإن كان قلبه غافلا ولكن ثواب دون ثواب قال القشيري وسمعت الأستاذ أبا علي يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم في مبايعته فرسا من أعرابي وأنه استقاله فأقاله فقال له الأعرابي عمرك الله فمن أنت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "امرؤ من قريش" فقال له بعض الجزء: 1 ¦ الصفحة: 309 الحاضرين كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك قال أبو علي فإنما قال امرؤ من قريش غيرة وإلا كان واجبا عليه التعرف إلى كل أحد أنه من هو ثم إن الله أجرى على لسان ذلك الصحابي التعريف للأعرابي فيقال من العجب أن يقال إن النبي صلى الله عليه وسلم غار أن يذكر أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي لا يعرفه وهو كان دائما يذكر ذلك لأعدائه من الكفار سرا وجهرا ليلا ونهارا ولا يغار من ذلك فكيف يظن به أنه غار أن يعرف ذلك المسكين أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من خيالات القوم وترهاتهم وإنما ستر عنه ذلك الوقت معرفته له لحكمة لطيفة فهمها الصحابي فصرح بها للأعرابي وهي أن هذا الأعرابي كان جافيا جلفا فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرفه جفاءه وجلافته بطريق لا يبكته بها ويعرف من نفسه أنه أهل لذلك فكأنه يقول بلسان الحال كفاك جفاء أن تجهلني فتسألني من أنا فلما فهم الصحابي ذلك بلطف إدراكه ودقة فهمه فبادأه به وقال كفاك جفاء أن لا تعرف نبيك ثم ذكر القشيري كلام الشبلي أنه قال غيرة الإلهية على الأنفاس أن تضيع فيما سوى الله وهذا كلام حسن قال القشيري والواجب أن يقال الغيرة غيرتان غيرة الحق على العبد وهو أن لا يجعله للخلق فيضن به عليهم وغيرة العبد للحق وهو أن لا يجعل شيئا من أحواله وأنفاسه لغير الحق سبحانه فلا يقال أنا أغار على الله ولكن يقال أنا أغار لله قال فإذا الغيرة على الله جهل وربما تؤدي إلى ترك الدين والغيرة لله توجب تعظيم حقوقه وتصفية الأعمال له فمن سنة الحق مع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 310 أوليائه أنهم إذا ساكنوا غيرا أو لاحظوا شيئا أو صالحوا بقلوبهم شيئا يشوش عليهم ذلك فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة كآدم عليه السلام لما وطن نفسه على الخلود في الجنة أخرجه من الجنة وإبراهيم الخليل عليه السلام لما أعجبه إسماعيل أمره بذبحه حتى أخرجه من قلبه فلما أسلما وتله للجبين وصفى سره منه أمره بالفداء عنه وقال بعضهم احذروه فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه وقيل الحق تعالى غيور ومن غيرته أنه لم يجعل إليه طريقا سواه وقال السري لرجل عارف بي علة باطنة فما دواؤها قال يا سري الله غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه فهذه غيرة صحيحة فصل وها هنا أقسام آخر من الغيرة مذمومة منها غيرة يحمل عليها سوء الظن فيؤذى بها المحب محبوبه ويغري عليه قلبه بالغضب وهذه الغيرة يكرهها الله إذا كانت في غير ريبة ومنها غيرة تحمله على عقوبة المحبوب بأكثر مما يستحقه كما ذكر عن جماعة أنهم قتلوا محبوبهم وكان ديك الجن الشاعر له غلام وجارية في غاية الجمال وكان يهواهما جميعا فدخل المنزل يوما فوجد الجارية معانقة للغلام تقبله فشد عليهما فقتلهما ثم جلس عند رأس الجارية فبكاها طويلا ثم قال يا طلعة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها رويت من دمها الثرى ولطالما ... روى الهوى شفتي من شفتيها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 311 وأجلت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها فوحق نعليها فما وطىء الثرى ... شيء أعز علي من نعليها ما كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الغبار عليها لكن بخلت على سواي بحسنها ... وأنفت من نظر الغلام إليها ثم جلس عند رأس الغلام فبكى وأنشأ يقول أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوفاء بهجره قمر أنا استخرجته من دجنه ... بمودتي وجنيته من خدره فقتلته وله علي كرامة ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره عهدي به ميتا كأحسن نائم ... والدمع ينحر مقلتي في نحره لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره غصص تكاد تفيض منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره فصل وقد يغار المحب على محبوبه من نفسه وهذا من أعجب الغيرة وله أسباب منها خشية أن يكون مفتاحا لغيره كما ذكر أن الحسن بن هانىء وعلي بن عبد الله الجعفري اجتمعا فتناشدا فأنشد الحسن ولما بدا لي أنها لا تودني ... وأن هواها ليس عني بمنجلي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 312 تمنيت أن تبلى بغيري لعلها ... تذوق حرارات الهوى فترق لي فأنشده علي ربما سرني صدودوك عني ... في طلابيك وامتناعك مني حذرا أن أكون مفتاح غيري ... فإذا ما خلوت كنت التمني وكان بعضهم يمتنع من وصف محبوبه وذكر محاسنه خشية تعريضه لحب غيره له كما قال علي بن عبسى الرافقي ولست بواصف أبدا خليلا ... أعرضه لأهواء الرجال وما بالي أشوق قلب غيري ... ودون وصاله ستر الحجال وكثير من الجهال وصف امرأته ومحاسنها لغيره فكان ذلك سبب فراقها له واتصالها به فصل ومنها أن يحمله فرط الغيرة على أن ينزل نفسه منزلة الأجنبي فيغار على المحبوب من نفسه ولا ينكر هذا فإن في المحبة عجائب وقد قال أبو تمام الطأبي بنفسي من أغار عليه مني ... وأحسد أهله نظري إليه ولو أني قدرت طمست عنه ... عيون الناس من حذري عليه حبيب بث في جسمي هواه ... وأمسك مهجتي رهنا لديه فروحي عنده والجسم خال ... لا روح وقلبي في يديه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 313 وقال آخر يا من إذا ذكر اسمه في مجلس ... لذ الحديث به وطاب المجلس إني لمن نظري أغار وإتي ... بك عن سواي من الأنام لأنفس نفسي فداؤك ولو رأيت تلددي ... خضل المدامع مطرقا أتنفس لعلمت أني في هواك معذب ... ومن الحياة وروحها مستيئس وقال علي بن نصر أفاتك أنت فاتكة بقلبي ... وحسن الوجه يفتك بالقلوب أصونك عن جميع الناس يامن ... بليت بها فأضحت من نصيبي وعن نفسي أصونك ليت نفسي ... تقيك من الحوادث والخطوب وما حق الحسان علي إلا ... صيانتهن من دنس الذنوب فصل ومنها شدة الموافقة للحبيب والحبيب يكره أن ينسب محبته إليه وأن يذكر ذلك فهو لموافقته لمحبوبه يغار عليه من نفسه كما يسره هجر محبوبه إذا علم أن فيه مراده قال الشاعر سررت بهجرك لما علم ... ت أن لقلبك فيه سرورا ولولا سرورك ما سرني ... ولا كنت يوما عليه صبورا فصل وملاك الغيرة وأعلاها ثلاثة أنواع غيرة العبد لربه أن تنتهك محارمه وتضيع حدوده وغيرته على قلبه أن يسكن إلى غيره وأن يأنس بسواه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 314 وغيرته على حرمته أن يتطلع إليها غيره فالغيرة التي يحبها الله ورسوله دارت على هذه الأنواع الثلاثة وما عداها فإما من خدع الشيطان وإما بلوى من الله كغيرة المرأة على زوجها أن يتزوج عليها فإن قيل فمن أي الأنواع تعدون غيرة فاطمة رضي الله عنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما عزم على نكاح ابنة أبي جهل وغيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قيل من الغيرة التي يحبها الله ورسوله وقد أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها بضعة منه وأنه يؤذيه ما آذاها ويريبه ما أرابها ولم يكن يحسن ذلك الاجتماع البتة فإن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحسن أن تجتمع مع بنت عدوه عند رجل فإن هذا في غاية منافرة مع أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صهره الذي حدثه فصدقه ووعده فوفى له دليل على أن عليا رضي الله عنه كان مشروطا عليه في العقد إما لفظا وإما عرفا وحالا أن لا يريب فاطمة ولا يؤذيها بل يمسكها بالمعروف وليس من المعروف أن يضم إليها بنت عدو الله ورسوله ويغيظها بها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنة أبي جهل والشرط العرفي الحالي كالشرط اللفظي عند كثير من الفقهاء كفقهاء المدينة وأحمد بن حنبل وأصحابه رحمهم الله تعالى على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عليها الفتنة في دينها باجتماعها وبنت عدو الله عنده فلم تكن غيرته لمجرد كراهية الطبع للمشاركة بل الحامل عليها حرمة الدين وقد أشار إلى هذا بقوله" إني أخاف أن تفتن في دينها" والله أعلم بالصواب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 315 الباب الثالث والعشرون: في عفاف المحبين مع أحبابهم قال الله تعالى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} ولما أنزلت هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم قال قد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ هذه الآيات وقال الله تعالى {إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} لى قوله {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} قال تعالى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} لآية وقال تعالى {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 316 يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} قال تعالى {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قال تعالى {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} إن قيل فقد قال الله تعالى {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} قال في الآية الآخرى {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} أمرهم بالاستعفاف إلى وقت الغنى وأمر بتزويج أولئك مع الفقر وأخبر أنه تعالى يغنيهم فما محمل كل من الآيتين فالجواب أن قوله {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ي حق الأحرار أمرهم الله تعالى أن يستعفوا حتى يغنيهم الله من فضله فإنهم إن تزوجوا مع الفقر التزموا حقوقا لم يقدروا عليها وليس لهم من يقوم بها عنهم وأما قوله وأنكحوا اللأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم فإنه سبحانه أمرهم فيها أن ينكحوا الأيامى وهن النساء اللواتي لا أزواج لهن هذا هو المشهور من لفظ الأيم عند الإطلاق وإن استعمل في حق الرجل بالتقييد مع أن العزب عند الإطلاق للرجل وإن استعمل في حق المرأة ثم أمرهم سبحانه أن يزوجوا عبيدهم وإماءهم إذا صلحوا للنكاح فالآية الأولى في حكم تزوجهم لأنفسهم والثانية في حكم تزويجهم لغيرهم وقوله في هذا القسم {وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ} يعم الأنواع الثلاثة التي ذكرت فيه فإن الأيم تستغني بنفقة زوجها وكذلك الأمة وأما العبد فإنه لما كان لا مال له وكان ماله لسيده الجزء: 1 ¦ الصفحة: 317 فهو فقير ما دام رقيقا فلا يمكن أن يجعل لنكاحه غاية وهي غناه ما دام عبدا بل غناه إنما يكون إذا عتق واستغنى بهذا العتق والحاجة تدعوه إلى النكاح في الرق فأمر سبحانه بإنكاحه وأخبر أنه يغنيه من فضله إما بكسبه وإما بإنفاق سيده عليه وعلى امرأته فلم يمكن أن ينتظر بنكاحه الغنى الذي ينتظر بنكاح الحر والله أعلم وفي المسند وغيره مرفوعا "ثلاثة حق على الله عونهم المتزوج يريد العفاف والمكاتب يريد الآداء" وذكر الثالث فصل وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره فإنه كان شابا والشباب مركب الشهوة وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه وكان غريبا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم فإذا تغرب زال هذا المانع وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر وكانت المرأة ذات منصب وجمال والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان الجزء: 1 ¦ الصفحة: 318 ومكانه الذي لا تناله العيون وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة وأتته بالرغبة والرهبة ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها وقد حق الله وحق سيدها على ذلك كله وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله فإن قيل فقد هم بها قيل عنه جوابان أحدهما أنه لم يهم بها بل لولا أن رأى برهان ربه لهم هذاقول بعضهم في تقدير الآية والثاني وهو الصواب أن همه كان هم خطرات فتركه لله فأثابه الله عليه وهمها كان هم إصرار بذلت معه جهدها فلم تصل إليه فلم يستو الهمان قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الهم همان هم خطرات وهم إصرار فهم الخطرات لا يؤاخذ به وهم الإصرار يؤاخذ به فإن قيل فكيف قال وقت ظهور براءته {وما أبرىء نفسى} قيل هذا قد قاله جماعة من المفسرين وخالفهم في ذلك آخرون أجل منهم وقالوا إن هذا من قول امرأة العزيز لا من قول يوسف عليه السلام والصواب معهم لوجوه أحدها أنه متصل بكلام المرأة وهو قولها {الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرىء نفسي} ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه والقول في مثل هذا لا يحذف لئلا يوقع في اللبس فإن غايته أن يحتمل الأمرين فالكلام الأول أولى به قطعا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 319 الثاني أن يوسف عليه السلام لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه قبل كان في السجن لما تكلمت بقولها {الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} والسياق صريح في ذلك فإنه لما أرسل الملك إليه يدعوه قال للرسول {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} فأرسل إليهم الملك وأحضرهن وسألهن وفيهن امرأته فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته ولم يمكنهن إلا قول الحق فقال النسوة {حاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} وقالت امرأة العزيز أنا روادته عن نفسه وإنه لمن الصادقين فإن قيل لكن قوله {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} الأحسن أن يكون من كلام يوسف عليه السلام أي إنما كان تأخيري عن الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ثم إنه قال وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي إن ربي غفور رحيم وهذا من تمام معرفته بربه ونفسه فإنه لما أظهر براءته ونزاهته مما قذف به أخبر عن حال نفسه وأنه لا يزكيها ولا يبرئها فإنها أمارة بالسوء لكن رحمة ربه وفضله هو الذي عصمه فرد الأمر إلى الله بعد أن أظهر برءته قيل هذا وإن كان قد قاله طائفة فالصواب أنه من تمام كلامها فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه وهو قول النسوة {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} وقول امرأة العزيز {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر ثم اتصل بها قوله {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} فهذا هو الجزء: 1 ¦ الصفحة: 320 المذكور أولا بعينه فلا شيء يفصل الكلام عن نظمه ويضمر فيه قول لا دليل عليه فإن قيل فما معنى قولها {لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قيل هذا من تمام الاعتذار قرنت الاعتذار بالاعتراف فقالت ذلك أي قولي هذا وإقراري ببراءته ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته وإن خنته في وجهه في أول الأمر فالآن يعلم أني لم أخنه في غيبته ثم اعتذرت عن نفسها بقولها وما أبرىء نفسى ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرىء نفسها وهي أن النفس أمارة بالسوء فتأمل ما أعجب أخر هذه المرأة أقرت بالحق واعتذرت عن محبوبها ثم اعتذرت عن نفسها ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت ثم ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته وأنه إن لم يرحم عبده وإلا فهو عرضة للشر فوازن بين هذا وبين تقدير كون هذا الكلام كلام يوسف عليه السلام لفظا ومعنى وتأمل ما بين التقديرين من التفاوت ولا يستبعد أن تقول المرأة هذا وهي على دين الشرك فإن القوم كانوا يقرون بالرب سبحانه وتعالى وبحقه وإن أشركوا معه غيره ولا تنس قول سيدها لها في أول الحال {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} فصل وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان الجزء: 1 ¦ الصفحة: 321 تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" وفي الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما ثلاثة يمشون إذ أخذتهم السماء فأووا إلى غار في الجبل فانحطت عليهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا صالحة عملتموها فادعوا الله بها فقال بعضهم اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وامرأة وصبيان وكنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم حلبت فبدأت بوالدي أسقيهما قبل بني وأنه نآى بي الشجر فلم آت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم أزل كذلك حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء ففرج الله لهم فرجة وقال الآخر اللهم إنه كانت لي ابنة عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فسعيت حتى جمعت مائة دينار فجئتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت عنها وتركت المائة دينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 322 هذه الصخرة ففرج الله لهم فرجة فقال الآخر اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق من أرز فلما قضى عمله قال أعطني حقي فأعطيته فأبى أن يأخذه فزرعته ونميته حتى اشتريت له بقرا ورعاءها فجاءني بعد حين فقال يا هذا اتق الله ولا تظلمني وأعطني حقي فقلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها فهو لك فقال اتق الله ولا تهزأ بي فقلت لا أستهزىء بك فخذ ذلك فأخذها وذهب فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما بقي من الصخرة ففرج الله عنهم وخرجوا يمشون" وقال عبيد الله بن موسى حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات ما حدثت به ولكن سمعته أكثر من ذلك قال: "كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط قالت حملتني عليه الحاجة فتركها ثم قال اذهبي والدنانير لك ثم قال والله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 323 لا يعصي الله ذو الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه غفر الله لذي الكفل" وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجب ربك من الشاب ليست له صبوة" وذكر المبرد عن أبي كامل عن إسحاق بن إبراهيم عن رجاء بن عمرو النخعي قال كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد فنزل في جوار قوم من النخع فنظر إلى جارية منهن جميلة فهويها وهام بها عقله ونزل بالجارية ما نزل به فأرسل يخطبها من أبيها فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها فلما اشتد عليهما ما يقاسيانه من ألم الهوى أرسلت إليه الجارية قد بلغني شدة محبتك لي وقد اشتد بلائي بك فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي فقال للرسول ولا واحدة من هاتين الخلتين {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهيبها فلما أبلغها الرسول قوله قالت وأراه مع هذا يخاف الله والله ما أحد أحق بهذا من أحد وإن العباد فيه لمشتركون ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها وجعلت تتعبد وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وشوقا إليه حتى ماتت من ذلك فكان الفتى يأتي قبرها فيبكي عنده ويدعو لها فغلبته عينه ذات يوم على قبرها فرآها في منامه في أحسن منظر فقال كيف أنت وما لقيت بعدي قالت: الجزء: 1 ¦ الصفحة: 324 نعم المحبة يا سؤلي محبتكم ... حب يقود إلى خير وإحسان فقال على ذلك إلى م صرت فقالت إلى نعيم وعيش لا زوال له ... في جنةالخلد ملك ليس بالفاني فقال لها اذكريني هناك فإني لست أنساك فقالت ولا أنا والله أنساك ولقد سألت مولاي ومولاك أن يجمع بيننا فأعني على ذلك بالاجتهاد فقال لها متى أراك فقالت ستأتينا عن قريب فترانا فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمه الله تعالى وذكر الزبير بن بكار أن عبد الرحمن بن أبي عمار نزل مكة وكان من عباد أهلها فسمي القس من عبادته فمر يوما بجارية تغني فوقف فسمع غناءها فرآها مولاها فأمره أن يدخل عليها فأبى فقال فاقعد في مكان تسمع غناءها ولا تراها ففعل فأعجبته فقال له مولاها هل لك أن أحولها إليك فامتنع بعض الامتناع ثم أجابه إلى ذلك فنظر إليها فأعجبته فشغف بها وشغفت به وعلم بذلك أهل مكة فقالت له ذات يوم أنا والله أحبك فقال وأنا والله أحبك قالت فإني والله أحب أن أضع فمي على فمك قال وأنا والله أحب ذلك قالت فما يمنعك فإن الموضع خال قا لها ويحك إني سمعت الله يقول {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} فأنا والله أكره أن يكون صلة ما بيني وبينك في الدنيا عداوة في القيامة ثم نهض وعيناه تذرفان بالدموع من حبه وقال عبد الملك بن قريب قلت لأعرابي حدثني عن ليلتك مع فلانة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 325 قال نعم خلوت بها والقمر يرينيها فلما غاب أرتنيه قلت فما كان بينكما قال أقرب ما أحل الله مما حرم الله الإشارة بغير ماباس والدنو بغير إمساس ولعمري لئن كانت الأيام طالت بعدها لقد كانت قصيرة معها وحسبك بالحب ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا نهاني الحياء والكرم فلا إلى فاحش مددت يدي ... ولا مشت بي لريبة قدم وقال آخر وصفوها فلم أزل علم الل ... هـ كئيبا مستولها مستهاما هل عليها في نظرة من جناح ... من فتى لا يزور إلا لماما حال فيها الإسلام دون هواه ... فهو يهوى ويحفظ الإسلاما ويميل الهوى به ثم يخشى ... أن يطيع الهوى فيلقى أثاما وقال الحسين بن مطير أحبك يا سلمى على غير ريبة ... ولا بأس في حب تعف سرائره أحبك حبا لا أعنف بعده ... محبا ولكني إذا ليم عاذره وقد مات قلبي أول الحب مرة ... ولو مت أضحى الحب قد مات آخره وقال محمد بن أبي زرعة الدمشقي إن حظي ممن أحب كفاف ... لا صدود مقص ولا إنصاف كلما قلت قد أنابت إلى الوص ... ل ثناها عما أريد العفاف الجزء: 1 ¦ الصفحة: 326 فكأني بين الصدود وبين ال ... وصل ممن مقامه الأعراف في محل بين الجنان وبين النا ... ر أرجوطورا وطورا أخاف وقال عثمان بن الضحاك الحزامي خرجت أريد الحج فنزلت بالأبواء فإذا امرأة جالسة على باب خيمة فأعجبني حسنها فتمثلت بقول نصيب بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إن تملينا فما ملك القلب فقالت يا هذا أتعرف قائل هذا الشعر قلت نعم نصيب قالت فتعرف زينبه قلت لا قالت فأنا زينبه قلت حياك الله قالت أما إن اليوم موعده من عند أمير المؤمنين خرج إليه عام أول فوعدني هذا اليوم لعلك لا تبرح حتى تراه قال فبينا أنا كذلك إذا أنا براكب قالت ترى ذلك الراكب إني لأحسبه إياه قال فأقبل فإذا هو نصيب فنزل قريبا من الخيمة ثم أقبل فسلم حتى جلس قريبا منها يسائلها وتسائله أن ينشدها ما أحدث فأنشدها فقلت في نفسي محبان طال التنائي بينهما لا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة فقمت إلى بعيري لأشد عليه فقال على رسلك إني معك فجلست حتى نهض معي فتسايرنا ثم التفت إلي فقال أقلت في نفسك محبان التقيا بعد طول التنائي فلا بد أن يكون لأحدهماإلى صاحبه حاجة قلت نعم قد كان ذلك قال ورب هذه البنية ما جلست منها مجلسا هو أقرب من هذا وقال عمر بن شبة حدثنا أبو غسان قال سمعت بعض المدنيين يقول كان الرجل يحب الفتاة فيطوف بدارها حولا يفرح أن يرى من يراها فإن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 327 ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار واليوم يشير إليها وتشير إليه فيعدها وتعده فإذا التقيا لم يشك حبا ولم ينشد شعرا وقام إليها كأنه قد أشهد على نكاحها أبا هريرة رضي الله عنه وقال محمد بن سيرين كانوا يعشقون في غير ريبة وكان الرجل يأتي إلى القوم يتحدث عندهم لا يستنكر له ذلك وقال هشام بن حسان لكن اليوم لا يرضون إلا بالمواقعة وقيل لأعرابي ما تعدون العشق فيكم قال القبلة والضمة والغمزة وإذا نكح الحب فسد وقال المبرد كان العتبي يحب جارية تسمى ملك فكتب إليها يا ملك قد صرت إلى خطة ... رضيت منها فيك بالضيم ما اشتملت عيني على رقدة ... مذ غبت عن عيني إلى اليوم فبت مفتوق مجاري البكا ... معطل العين عن النوم ووجدي الدهر بكم غلمة ... فالموت من نفسي على سوم يلومني الناس على حبكم ... والناس أولى فيك باللوم قال فكتبت إليه إن تكن الغلمة هاجت بكم ... فعالج الغلمة بالصرم ليس بك الحب ولكنما ... تدور من هذا على كوم يقال كام الفحل يكوم كوما إذا نزا على الحجرة وأرادت هذه المعشوقة قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 328 فإنه له وجاء" وقال أبو الحسن المدائني هوي يعض المسلمين جارية بمكة فأرادها فامتنعت عليه فقال على لسان عطاء بن أبي رباح سألت الفتى المكي هل في تعانق ... وقبلة مشتاق الفؤاد جناح فقال معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح فقالت ألله سألت عطاءعن ذلك فقال لك هذا فقال اللهم نعم فزارته وجعلت تقول إياك أن تتعدى ما أفتاك به عطاء وقال الزبير بن بكار عن عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون قال أنشدت محمد بن المنكدر قول وضاح اليمن فما تولت حتى تضرعت حولها ... وأقرأتها ما رخص الله في اللمم فضحك محمد وقال إن كان وضاح لمفتيا في نفسه وقال الأصمعي قيل لأعرابي ما كنت صانعا لو ظفرت بمن تهوى قال كنت أمتع عيني من وجهها وقلبي من حديثها وأستر منها مالا يحبه الله ولا يرضى كشفه إلا عند حله قيل فإن خفت أن لا تجتمعا بعد ذلك قال أكل قلبي إلى حبها ولا أصير بقبيح ذلك الفعل إلى نقض عهدها قال وقيل لآخر وقد زوجت عشيقته من ابن عمها وأهلها على إهدائها إليه أيسرك أن تظفر بها الليلة قال نعم والذي أمتعني بها وأشقاني بطلبها قيل فما كنت صانعا قال كنت أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في إثمها ولا أفسد الجزء: 1 ¦ الصفحة: 329 عشق عشر سنين بما يبقى عاره وتنشر بالقبيح أخباره في ساعة تنفد لذتها وتبقى تبعتها إني إذا للئيم لم يغذني أصل كريم وقال عباس الدوري كان بعض أصحابنا يقول كان سفيان الثوري كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الوزر والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار وقال الحسين بن مطير ونفسك أكرم عن أمور كثيرة ... فما لك نفس بعدها تستعيرها ولا تقرب المرعى الحرام فإنما ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها وقال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى وقال الخرائطي حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال سمعت مالك بن دينار يقول بينا أنا أطوف إذ أنا بجارية متعبدة متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول يا رب كم من شهوة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها أيا رب أما لك أدب إلا النار فما زال مقامها حتى طلع الفجر فلما رأيت ذلك وضعت يدي على رأسي خارجا أقول ثكلت مالكا أمه جويرية منذ الليلة قد بطلته وطائفة بالبيت والليل مظلم ... تقول ومنها دمعها يتسجم أيا رب كم من شهوة قد رزئتها ... ولذة عيش حبلها يتصرم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 330 أما كان يكفي للعباد عقوبة ... ولا أدبا إلا الجحيم المضرم فما زال ذاك القول منها تضرعا ... إلى أن بدا فجر الصباح المقدم فشبكت مني الكف أهتف خارجا ... على الرأس أبدى بعض ما كنت أكتم وقلت لنفسي إذا تطاول ما بها ... وأعيا عليها وردها المتغنم ألا ثكلتك اليوم أمك مالكا ... جويرية ألهاك منها التكلم فمازلت بطالا بها طول ليلة ... تنال بها حظا جسيما وتغنم وقال مخرمة بن عثمان نبئت أن فتى من العباد هوى جارية من أهل البصرة فبعث إيها يخطبها فامتنعت وقالت إن أردت غير ذلك فعلت فأرسل إليها سبحان الله أدعوك إلى مالا إثم فيه وتدعينني إلى مالا يصلح فقالت قد أخبرتك بالذي عندي فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر فأنشأ يقول وأسألها الحلال وتدع قلبي ... إلى مالا أريد من الحرام كداعي آل فرعون إليه ... وهم يدعونه نحو الأثام فظل منعما في الخلد يسعى ... وظلوا في الجحيم وفي السقام فلما علمت أنه قد امتنع من الفاحشة أرسلت إليه أنا بين يديك على الذي تحب فأرسل إليها لا حاجة لنا فيمن دعوناه إلى الطاعة ودعانا إلى المعصية ثم أنشد لا خير فيمن لا يراقب ربه ... عند الهوى ويخافه إيمانا حجب التقى سبل الهوى فأخو التقى ... يخشى إذا وافى المعاد هوانا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 331 وقال عبد الملك بن مروان لليلى الأخيلية بالله هل كان بينك وبين توبة سوء قط قالت والذي ذهب بنفسه وهو قادر على ذهاب نفسي ما كان بيني وبينه سوء قط إلا أنه قدم من سفر فصافحته فغمز يدي فظننت أنه يخنع لبعض الأمر فذلك معنى قولي وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا بنبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل قالت لا والذي ذهب بنفسه ما كلمني بسوء قط حتى فرق بيني وبينه الموت وقال ابن أحمر بينا أنا أطوف بالبيت إذ بصرت بامرأة متبرقعة تطوف بالبيت وهي تقول لا يقبل الله من معشوقة عملا ... يوما وعاشقها غضبان مهجور ليست بمأجورة في قتل عاشقها ... لكن عاشقها في ذاك مأجور فقلت لها في هذا الموضع فقالت إليك عني لا يعلقك الحب قلت وما الحب قالت جل والله عن أن يخفى وخفي عن أن يرى فهو كالنار في أحجارها إن حركته أورى وإن تركته توارى ثم أنشدت تقول غيد أوانس ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الحديث أوانسا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام الجزء: 1 ¦ الصفحة: 332 وقد روى محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا عبد الوارث عن محمد بن جحادة عن الوليد عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها دخلت الجنة وقال هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا أبي حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة اتقت ربها وأحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها يوم القيامة ادخلي من أي أبواب الجنة شئت" وقال الزبير بن بكار أخبرني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي حدثني أبي أن امرأة لقيت كثير عزة فقالت تسمع بالمعيدي خير من أن تراه قال مه رحمك الله فأنا الذي أقول فإن أك معروق العظام فإنني ... إذا ما وزنت القوم بالقوم أوزن قالت وكيف توزن بالقوم وأنت لا تعرف إلا بعزة قال والله لئن قلت ذاك لقد رفع الله بها قدري وزين بها شعري وإنها لكما قلت وما روضة بالحزن طاهرة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها من الخفرات البيض لم تلق شقوة ... وبالحسب المكنون صاف نجارها فإن برزت كانت لعينيك قرة ... وإن غبت عنها لم يعمك عارها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 333 قالت أرأيت حين تذكر طيبها فلو أن زنجية تخمرت بالمندل الرطب لطاب ريحها ألا قلت كما قال امرؤ القيس خليلي مرا بي على أم جندب ... نقضي لبانات الفؤاد المعذب ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب فقال والله الحق خير ما قيل هو والله أنعت لصاحبته مني ودخلت عزة على عبد الملك بن مروان وهو لا يعرفها ترفع مظلمة لها فلما سمع كلامها تعجب منه فقال له بعض جلسائه هذه عزة كثير فقال لها عبد الملك إن أردت أن أرد عليك مظلمتك فأنشديني ما قال فيك كثير فاستحيت وقالت والله ما أعرف كثيرا ولكني سمعتهم يحكون عنه أنه قال في قضى كل ذي دين فوقى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها فقال عبد الملك ليس عن هذا أسألك ولكن أنشديني من قوله وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير تغير جسمي والخليقة كالذي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر قالت ما سمعت هذا ولكن سمعت الناس يحكون عنه أنه قال في كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت صفوح فما تلقاك إلابخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت فقضى حاجتها ورد مظلمتها وقال أدخلوها على الجواري يأخذن من أدبها وذكرت عنه أنه قال فيها أيضا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 334 وما نلت منها محرما غير أنني ... أقبل بساما من الثغر أفلجا وألثم فاها تارة ثم تارة ... وأترك حاجات النفوس تحرجا وقال الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال بينا أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال هل لكم في جميل نعوده فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه وما يخيل إلي إلا أن الموت يكرثه فنظر إلي ثم قال يا ابن سهل ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل نفسا يشهد أن لا إله إلا الله قلت أظنه قد نجا وأرجو له الجنة فمن هذا الرجل قال أنا قلت والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة في بثينة فقال لا نالتني شفاعة محمد يوم القيامة فإني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة فما برحنا حتى مات وقال عوانة بن الحكم كان عبد المطلب لا يسافر إلا ومعه ابنه الحارث وكان أكبر ولده وكان شبيها به جمالا وحسنا فأتى اليمن وكان يجالس عظيما من عظمائهم فقال له لو أمرت ابنك هذا يجالسني وينادمني ففعل فعشقت امرأته الحارث فراسلته فأبى عليها فألحت عليه فأخبر بذلك أباه فلما يئست منه سقته سم شهر فارتحل به عبد المطلب حتى إذا قدم مكة مات الحارث وذكرها هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وذكر رثاء أبيه له بقصيدته التي فيها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 335 والحارث الفياض أكرم ماجد ... أيام نازعه الهمام الكاسا ولما احتضر أبو سفيان بن الحارث هذا وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهله لا تبكوا علي فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت ولما قدم عروة بن الزبير علىالوليد بن عبد الملك خرجت برجله الآكلة فاجتمع رأي الأطباء على نشرها وأنه إن لم يفعل سرت إلى جسمه فهلك فلما عزم على ذلك قالوا له نسقيك مرقدا قال ولم قالوا لئلا تحس بما يصنع قال لا بل شأنكم فنشروا ساقه بالمنشار فما أزال عضوا عن عضو حتى فرغوا منها ثم حسموها فلما نظر إليها في أيديهم تناولها وقال الحمد لله أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط ولما حضرت عمر بن أبي ربيعة الوفاة بكى عليه أخوه الحارث فقال له عمر يا أخي إن كان أسفك لما سمعت من قولي قلت لها وقالت لي فكل مملوك لي حر إن كنت كشفت حراما قط فقال الحارث الحمد لله تعالى طيبت نفسي وقال سفيان بن محمد دخلت يوما عزة على أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز فقالت يا عزة ما قول كثير قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 336 ما كان هذا الدين فقالت كنت وعدته بقبلة فتحرجت منها فقالت أم البنين أنجزيها وعلي إثمها قالت فأعتقت أم البنين بكلمتها هذه أربعين رقبة وكانت إذا ذكرتها بكت وقالت ليتني خرست ولم أتكلم بها ولما احتضر ذو الرمة قال لقد هممت بمي عشرين سنة في غير ريبة ولا فساد وكان الحارث بن خالد بن هشام المخزمي عاشقا لعائشة بنت طلحة وله فيها أشعار أفرد لها ابن المرزبان كتابا فلما قتل عنها مصعب بن الزبير قيل للحارث ما يمنعك الآن منها قال والله لا يتحدث رجالات قريش أن تشبيبي بها كان لريبة ولشيء من الباطل وقال ابن علاقة دخلت على رجل من الأعراب خيمته وهو يئن فقلت ما شأنك قال عاشق فقلت له ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا عفة فجعلت أعذله وأزهده فيما هو فيه فتنفس الصعداء ثم قال ليس لي مسعد فأشكو إليه ... إنما يسعد الحزين الحزين وقال سعيد بن عقبة لأعرابي ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا قال عذري ورب الكعبة فقلت له ومم ذاك قال في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفة وقال سفيان بن زياد قلت لامرأة من عذرة ورأيت بها هوى غالبا خفت عليها الموت منه ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب فقالت فينا جمال وتعفف والجمال يحملنا على العفاف والعفاف يورثنا رقة القلوب والعشق يفني آجالنا وإنا نرى عيونا لا ترونها وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى قال رجل من بن بني فزارة لرجل من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 337 بني عذرة ما يعد موتكم من الحب مزيه وإنما ذاك من ضعف البنية ووهن العقل وضيق الرئة فقال له العذري أما لو رأيتم المحاجر البلج ترشق بالأعين الدعج من فوقها الحواجب الزج والشفاه السمر تفتر عن الثنايا الغر كأنها نظم الدر لجعلتموها اللات والعزى ونبذتم الإسلام وراء ظهوركم وقال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول في مرضه الذي مات فيه اللهم إنك تعلم أني لم أطأ فرجا حراما قط وأنا أعلم ولم آكل درهما حراما قط وأنا أعلم وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي دخلت على المعتضد وعلى رأسه غلمان صباح الوجوه أحداث فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة فلما خلا قال لي أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط وقال اليزيدي جلس محمد بن منصور بن بسام وعلى رأسه عدة خدم لم ير قط أحسن منهم ما منهم من ثمنه ألف دينار بل أكثر فجعل الناس ينظرون إليهم فقال محمد هم أحرار لوجه الله إن كان الله كتب علي ذنبا مع واحد منهم فمن عرف خلاف ذلك منهم فليمض فإنه قد عتق وهو في حل مما يأخذ من مالي وقال إبراهيم بن أبي بكر بن عياش شهدت أبي عند الموت فبكيت فقال ما يبكيك فما أتى أبوك فاحشة قط الجزء: 1 ¦ الصفحة: 338 وقال عمر بن حفص بن غياث لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه فبكيت عند رأسه فقال لي حين أفاق ما يبكيك قلت أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من هذا الأمر يعني القضاء قال لا تبك فإني ما حللت سراويلي على حرام قط ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم منهما وقال سفيان بن أحمد المصيصي شهدت الهيثم بن جميل وهو يموت وقد سجي نحو القبلة فقامت جاريته تغمز رجليه فقال اغمزيهما فإن الله يعلم أنهما ما مشتا إلى حرام قط وقال محمد بن إسحاق نزل السري بن دينار في درب بمصر وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها فعلمت به المرأة فقالت لأفتننه فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها فقال مالك فقالت هل لك في فراش وطي وعيش رخي فأقبل عليها وهو يقول وكم ذي معاص نال منهن لذة ... ومات فخلاها وذاق الدواهيا تصرم لذات المعاصي وتنقضي ... وتبقى تباعات المعاصي كما هيا فيا سوءتا والله راء وسامع ... لعبد بعين الله يغشى المعاصيا وقال عمر بن بكير قال أعرابي علقت امرأة كنت آتيها فأحدثها سنين وما جرت بيننا ريبة قط إلا أني رأيت بياض كفيها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يدها فقالت مه لا تفسد ما بيني وبينك فإنه ما نكح حب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 339 قط إلا فسد قال فقمت وقد تصببت عرقا حياء منها ولم أعد إلى شيء من ذلك وذكر أبو الفرج وغيره أن امرأة جميلة كانت بمكة وكان لها زوج فنظرت يوما إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها أترى أحدا يرى هذا الوجه ولا يفتتن به قال نعم قالت من قال عبيد بن عمير قالت فائذن لي فيه فلأفتننه قال قد أذنت لك قال فأتته كالمستفتية فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر فقال لها يا أمة الله استتري فقالت إني قد فتنت بك قال إني سائلك عن شيء فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك قالت لا تسألني عن شيء إلا صدقتك قال أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو دخلت قبرك وأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو أردت الممر على الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك قالت اللهم لا قال صدقت قال اتسقي الله فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك قال فرجعت إلى زوجها فقال ما صنعت قالت أنت بطال ونحن بطالون فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة فكان زوجها يقول مالي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي كانت في كل ليلة عروسا فصيرها راهبة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 340 وقال سعيد بن عبد الله بن راشد علقت فتاة من العرب فتى من قومها وكان عاقلا فجعلت تكثر التردد إليه فلما طال عليها ذلك مرضت وتغيرت واحتالت في أن خلا لها وجهه فتعرضت إليه ببعض الأمر فصرفها ودفعها عنه فتزايد المرض حتى سقطت على الفراش فقالت له أمه إن فلانة قد مرضت وها علينا حق قال فعوديها وقولي لها يقول لك ما خبرك فسارت إليها أمه وسألتها ما بك فقالت وجع في فؤادي هو أصل علتي قالت فإن ابني يسألك عن علتك فتنفست الصعداء ثم قالت يسائلني عن علتي وهو علتي ... عجيب من الأنباء جاء به الخبر فانصرفت إليه أمه وأخبرته وقالت له تريد أن تصير إليك فقال نعم فذكرت أمه لها ذلك فبكت وقالت ويبعدني عن قربه ولقائه ... فلما أذاب الجسم مني تعطفا فلست بآت موضعا فيه قاتلي ... كفاني سقاما أن أموت تلهفا وتزايدت بها العلة حتى ماتت وأحب رجل من أهل الكوفة يسمى أبا الشعثاء امرأة جميلة فلما علمت به كتبت إليه وقالت لأبي الشعثاء حب دائم ... ليس فيه تهمة لمتهم يا فؤادي فازدجر عنه ويا ... عبث الحب به فاقعد وقم جاءني منه كلام صائد ... ورسالات المحبين الكلم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 341 صائد يأمنه غزلانه ... مثل ما يأمن غزلان الحرم صل إن أحببت أن تعطى المنى ... يا أبا الشعثاء لله وصم ثم ميعادك بعد الموت في ... جنة الخلد إن الله رحم حيث ألقاك غلاما ناشئا ... ناعما قد كملت فيه النعم وقال الأصمعي عن أبي سفيان بن العلاء قال بصرت الثريا بعمر بن أبي ربيعة وهو يطوف حول البيت فتنكرت وفي كفها خلوق فزحمته فأثر الخلوق في ثوبه فجعل الناس يقولون يا أبا الخطاب ما هذا زي المحرم فأنشأ يقول أدخل الله رب موسى وعيسى ... جنة الخلد من ملاني خلوقا مسحت كفها بجيب قميصي ... حين طفنا بالبيت مسحا رفيقا فقال له عبد الله بن عمر مثل هذا القول في هذا الموضع فقال له يا أبا عبد الرحمن قد سمعت مني ما قد سمعت فورب هذه البنية ما حللت إزاري على حرام قط وقيل لليلى الأخيلية هل كان بينك وبين توبة ما يكرهه الله قالت إذا أكون منسلخة من ديني إن كنت ارتكبت عظيما ثم أتبعه بالكذب وقال العتبي خرجت إلى المربد فإذا بأعرابي غزل فملت إليه فذكرت النساء فتنفس ثم قال يا ابن أخي إن من كلامهن لما يقوم مقام الماء فيشفي من الظمأ فقلت صف لي نساءكم فقال نساء الحي تريد قلت نعم فأنشأ يقول الجزء: 1 ¦ الصفحة: 342 رجح ولسن من اللواتي بالضحى ... لذيولهن على الطريق غبار يأنسن عند بعولهن إذا خلوا ... وإذا هم خرجوا فهن خفار قال العتبي فأخبرت به أبي قال تدري من أين أخذ قوله وإن من كلامهن ما يقوم مقام الماء فيشفي من الظمأ قلت لا قال من قول القطامي قتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادي فهن يبدين من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي وهذه الطائفة لعفتهم أسباب أقواها إجلال الجبار ثم الرغبة في الحور الحسان في دار القرار فإن من صرف استمتاعه في هذه الدار إلى ما حرم الله عليه منعه من الاستمتاع بالحور الحسان هناك قال من يلبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة فلا يجمع الله للعبد لذة شرب الخمر ولبس الحرير والتمتع بما حرم الله عليه من النساء والصبيان ولذة التمتع بذلك في الآخرة فليتخير العبد لنفسه إحدى اللذتين وليطب نفسا عن إحداهما بالأخرى فلن يجعل الله من أذهب طيباته في حياته الدنيا واستمتع بها كمن صام عنها ليوم فطره من الدنيا إذا لقي الله ودون ذلك مرتبة أن يتركها خوف النار فقط فإن تركها رغبة ومحبة أفضل من تركها لمجرد خوف العقوبة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 343 ثم أدنى من ذلك أن يحمله عليها خوف العار والشنار ومنهم من يحمله على العفة الإبقاء على محبته خشية ذهابها بالوصال ومنهم من يحمله عليها عفة محبوبه ونزاهته ومنهم من يحمله عليها الحياء منه والاحتشام له وعظمته في صدره ومنهم من يحمله عليها الرغبة في جميل الذكر وحسن الأحدوثة ومنهم من يحمله عليها الإبقاء على جاهه ومروءته وقدره عند محبوبه وعند الناس ومنهم من يحمله عليها كرم طبعه وشرف نفسه وعلو همته ومنهم من يحمله عليها لذة الظفر بالعفة فإن للعفة لذة أعظم من لذة قضاء الوطر لكنها لذة يتقدمها ألم حبس النفس ثم تعقبها اللذة وأما قضاء الوطر فبالضد من ذلك ومنهم من يحمله عليها علمه بما تعقبه اللذة المحرمة من المضار والمفاسد وجمع الفجور خلال الشر كلها كما ستقف عليه في الباب الذي يلي هذا إن شاء الله تعالى فصل ولم يزل الناس يفتخرون بالعفة قديما وحديثا قال إبراهيم بن هرمة ولرب لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع وقال غيره إذا ما هممنا صدنا وازع التقى ... فولى على أعقابه الهم خاسئا وقال آخر أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر لا يضمر السوء إن طالت إقامته ... عف الضمير ولكن فاسق النظر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 344 وقال مسلم بن الوليد ألا ريب يوم صادق العيش نلته ... بها ونداماي العفافة والنهى وقال آخر إن تريني زاني العينين ... فالفرج عفيف ليس إلا النظر الفا ... تر والشعر الظريف وقال الموسوي بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفنا الشوق من فرق إلى قدم يشي بنا الطيب أحيانا وآونة ... يضيئنا البرق مجتازا على إضم ثم انثنينا وقد رابت ظواهرنا ... وفي بواطننا بعد عن التهم وقال نفطويه كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر وكم ظفرت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتجميش والنظر أهوى الحسان وأهوى أن أجالسهم ... وليس لي في حرام منهم وطر كذلك الحب لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر وقال الشهاب محمود بن سليمان صاحب ديوان الإنشاء الحلبي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 345 لله وقفة عاشقين تلاقيا ... من بعد طول نوى وبعد مزار يتعاطيان من الغرام مدامة ... زادتهما بعدا من الأوزار صدقا الغرام فلم يمل طرف إلى ... فحش ولا كف لحل إزار فتلاقيا وتفرقا وكلاهما ... لم يخش مطعن عائب أو زار وقيل لبثينة هذا جميل لما به فهل عندك من حيلة تنفسين بها وجده فقالت ما عندي أكثرمن البكاء إلى أن ألقاه في الدار الأخرى أو زيارته وهو ميت تحت الثرى وقيل لعتبة بعد موت عاشقها ما كان يضرك لو أمتعتيه بوجهك قالت منعني من ذلك خوف العار وشماتة الجار ومخافة الجبار وإن بقلبي أضعاف ما بقلبه غير أني أجد ستره أبقى للمودة وأحمد للعاقبة وأطوع للرب وأخف للذنب وهوي فتى امرأة وهويته وشاع خبرهما فاجتمعا يوما خاليين فقال لها هلمي نحقق ما يقال فينا فقالت لا والله لا كان هذا أبدا وأنا أقرأ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وقيل لبعضهم وقد هوي جارية فطال عشقه بها ما أنت صانع لوظفرت بها ولا يراكما إلا الله قال والله لا جعلته أهون الناظرين إلي لا أفعل بها خاليا إلا ما أفعله بحضرة أهلها حنين طويل ولحظ من بعيد وأترك ما يسخط الرب ويفسد الحب إذا كان حظ المرء ممن يحبه ... حراما فحظي ما يحل ويجمل حديث كماء المزن بين فصوله ... عتاب به حسن الحديث يفصل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 346 ولثم فم عذب اللثات كأنما ... جناهن شهد فت فيه القرنفل وما العشق إلا عفة ونزاهة ... وأنس قلوب أنسهن التغزل وإني لأستحيي الحبيب من التي ... تريب وأدعى للجميل فأجمل وقال آخر وإني لمشتاق إلى كل غاية ... من المجد يكبو دونها المتطاول بذول لمالي حين يبخل ذو النهى ... عفيف عن الفحشاء قرم حلاحل وما ألطف قوله حين يبخل ذو النهى فإن ذا النهى لا يبخل إلا في موضع البخل فأخبر هذا أنه يبذل ماله حين يبخل به ربه في موضع البخل وقال عامر بن حذافة رأيت بصحار جارية قد ألصقت خدها بقبر وهي تبكي وتقول خدي يقيك خشونة اللحد ... وأقل ما لك سيدي خدي يا ساكن الترب الذي بوفاته ... عميت علي مسالك الرشد إسمع فديتك قصتي فلعلني ... أشفي بذلك غلة الوجد قال فسألتها عن صاحب القبر فقالت فتى رافقته في الصبا ثم أنشأت تقول كنا كزوج حمائم في أيكة ... متنعمين بصحة وشباب فغدا الزمان مشتتا بفراقه ... إن الزمان مفرق الأحباب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 347 قال فبكيت لرقة شعرها فأنشأت تقول تبكي عليه ولست تعرف أمره ... فلأعلمنك حاله ببيان ما كان للعافين غير نواله ... فإذا استجير ففارس الفرسان لا يتبع الجيران رفة طرفه ... ويتابع الإحسان للجيران عف السريرة والجهيرة مثلها ... فإذا استضم أراك فتق طعان فقلت أعلميني من هو قالت سنان بن وبرة الذي يقول فيه الشاعر يا رائدا غيثا لنجعة قومه ... يكفيك من غيث نوال سنان ثم قالت يا هذا والله لولا أنك غريب ما متعك من حديثي قلت فكيف كان حبه لك قالت ما كان يوسدني إذا نمت إلا يده فمكثت معه أربعة أحوال ما توسدت غيرها إلا في حال يمنعه مانع وقال سعيد بن يحيى الأموي حدثني عمي محمد بن سعيد حدثنا عبد الملك ابن عمير قال كان أخوان من ثقيف من بني كنة بينهما من التحاب شيء لا يعلمه إلا الله وكل واحد منهما أخوه عنده عدل نفسه فخرج الأكبر منهما إلى سفر له وله امرأة فأوصى أخاه بحاجة أهله فبينا المقيم في دار الظاعن إذ مرت امرأة أخيه في درع تجوز من بيت إلى بيت وكانت من أجمل البشر فرأى شيئا حيره فلما رأته ولت ووضعت يدها على رأسها ودخلت بيتا ووقع حبها في قلبه فجعل يذوب وينحل جسمه ويتغير لونه وقدم أخوه فقال مالك يا أخي متغيرا ما وجعك قال ما بي من وجع فدعا له الأطباء فلم يقف الجزء: 1 ¦ الصفحة: 348 أحد على دائه غير الحارث بن كلدة وكان طبيبا فقال أرى عينين صحيحتين وما أدري ما هذا الوجع وما أظنه إلا عاشقا فقال له أخوه سبحان الله أسألك عن وجع أخي وأنت تستهزىء بي فقال ما فعت وسأسقيه شرابا عندي فإن كان عاشقا فسيتبين لكم فأتاه بشراب فجعل يسقيه قليلا قليلا فلما أخذه الشراب هاج وقال ألما بي على الأبيا ... ت من خيف نزرهنه غزال ما رأيت اليو ... م في دور بني كنه أسيل الخد مربوب ... وفي منطقه غنه فقال أنت طبيب العرب فبمن قال سأعيد له الشراب ولعله يسمي فأعاد له الشراب فسمى المرأة فطلقها أخوه ليتزوجها فقال المريض علي كذا وكذا إن تزوجتها فقضى ولم يتزوجها وقال علي بن المبارك السراج حدثنا أبو مسهر عن بكر بن عبد الله قال عرض الحجاج بن يوسف سجنه يوما فأتي برجل فقال ما كان جرمك فقال أصلح الله الأمير أخذني العسس وأنامخبرك بخبري فإن كان الكذب ينجي فالصدق أولى بالنجاة قال وما قصتك قال كنت أخا لفلان فضرب الأمير عليه البعث إلى خراسان فكانت امرأته تهواني وأنا لا أشعر فبعثت إلي ذات يوم رسولا أن قد جاء كتاب صاحبك فهلم لتقرأه فمضيت إليها فجعلت تشغلني بالحديث حتى صلينا المغرب ثم أظهرت لي ما في نفسها مني ودعتني إلى السوء فأبيت ذلك فقالت والله لئن لم تفعل لأصيحن ولأقولن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 349 إنك لص فخفتها والله أيها الأمير على نفسي فقلت أمهليني حتى الليل فلما صليت العتمة وثقت بشدة حرس الأمير فخرجت من عندها هاربا وكان القتل أيسر علي من خيانة أخي فلقيني عسس الأمير فأخذوني وقد قلت في ذلك شعرا قال وما قلت فقال رب بيضاء آنس ذات دل ... قد دعتني لوصلها فأبيت لم يكن شأني العفاف ولكن ... كنت خلا لزوجها فاستحيت فأمر بإطلاقه وقال الربيع بن زياد رأيت جارية عند قبر وهي تقول بنفسي فتى أوفى البرية كلها ... وأقواهم في الموت صبرا على الحب فقلت لها بم صار أوفاهم وأقواهم قالت هويني فكان أهلي إن جاهر بحبي لاموه وإن كتمه عنفوه فلما أخذه الأمر قال يقولون إن جاهرت قد عضك الهوى ... وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا وليس لمن يهوى ويكتم حبه ... من الأمر إلا أن يموت فيعذرا ولم يزل يردد هذين البيتين حتى مات فوالله يا هذا لا أبرح أو يتصل قبرانا ثم شهقت شهقة فصاح النساء وقلن قضت والذي اختار لها الوفاة فما رأيت أسرع ولا أوحى من أمرها قال ابن الدمينة وبتنا فويق الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان وبات بقينا ساقط الطل والندى ... من الليل بردا يمنة عطران الجزء: 1 ¦ الصفحة: 350 نذور بذكر الله عنا غوى الصبا ... إذا كان قلبانا له يردان ونصدر عن ري العفاف وربما ... نقعنا غليل الحب بالرشفان قال أبو الفرج وشت جارية بثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما إن جميلا عندها فأتيا مشتملين على سيفيهما فرأياه خاليا حجرة منها يحدثها ويشكو إليها بثه ثم قال لها يا بثينة أرأيت ما بي من الشغف والعشق ألا تجزينيه قالت له بماذا قال بما يكون من المتحابين فقالت له يا جميل أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا منه فإذا عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا فضحك وقال والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك ولو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري ولو رأيت منك مساعدة لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي إن طاوعتني نفسي أو هجرتك أبدا أما سمعت قولي وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب آمله وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله فقال أبوها لأخيها قم بنا فما ينبغي لنا بعد هذا اليوم أن نمنع هذا الرجل من إتيانها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 351 الباب الرابع والعشرون: في ارتكاب سبيلي الحرام وما يفضي إليه من المفاسد والآلام حقيق بكل عاقل أن لا يسلك سبيلا حتى يعلم سلامتها وآفاتها وما توصل إليه تلك الطريق من سلامة أو عطب وهذان السبيلان هلاك الأولين والآخرين بهما وفيهما من المعاطب والمهالك ما فيهما ويفضيان بصاحبهما إلى أقبح الغايات وشر موارد الهلكات ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى سبيل الزنى سر سبيل فقال تعالى: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} فإذا كانت هذه سبيل الزنى فكيف بسبيل اللواظ التي تعدل الفعلة منه في الإثم والعقوبة أضعافها وأضعاف أضعافها من الزنى كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى فأما سبيل الزنى فأسوأ سبيل ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل ومستقر أرواحهم في البرزخ في تنور من نار يأتيهم لهبها من تحتهم فإذا أتاهم اللهب ضجوا وارتفعوا ثم يعودون إلى موضعهم فهم هكذا إلى يوم القيامة كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ورؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها فروى البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه " هل رأى أحد منكم من رؤيا" فيقص عليه ما شاء الله أن يقص وإنه قال لنا ذات الجزء: 1 ¦ الصفحة: 352 غداة: "إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ راسه فيتدهده الحجر هاهنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى قال قلت لهما سبحان الله ما هذان قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى قال قلت سبحان الله ما هذان قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على مثل التنور فإذا فيه لغط وأصوات قال فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا قال قلت لهما ما هؤلاء قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على نهر أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيغفر له فاه فيلقمه حجرا فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا قال قلت لهما ما هذان قال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 353 قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء رجلا مرآة وإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها قال قلت لهما ما هذا قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط قال قلت لهما ما هؤلاء قال قالا لي انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على دوحة لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن قال قالا لي ارق فيها فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة قال فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قال قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قال قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك قال فسما بصري صعدا فإذا قصر مثل الربابة البيضاء قال قالا لي هذاك منزلك قال قلت لهما بارك الله فيكما ذراني فأدخله قالا أما الآن فلا وأنت داخله قال قلت لهما فإني قد رأيت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 354 منذ الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قال قالا لي أما إنا سنخبرك أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق وأما الرجال والنساء العراة الذين هم في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر فإنه آكل الربا وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم وأما الولدان حوله فكل مولود مات على الفطرة قال فقال بعض المسلمين يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد المشركين قال وأولاد المشركين وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم" وقال أبو مسلم الكجي حدثنا صدقة بن جابر عن سليم بن عامر قال حدثني أبو أمامة الباهلي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأخرجاني فأتيا بي جبلا وعرا وقالا لي اصعد فقلت إني لا أطيقه فقالا سنسهله لك قال فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات مديدة فقلت ما هذه الأصوات فقالا هذا عواء أهل النار ثم انطلق بي فإذا أنا بفوج أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا وأسوأه منظرا فقلت من هؤلاء فقالا هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلق بي فإذا بفوج أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا كأن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 355 ريحهم المراحيض فقلت من هؤلاء قال الزانون والزواني" وقال قتيبة بن سعيد حدثنا نوح بن قيس قال حدثني أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليلة أسري بي انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير نساء معلقات بثديهن ومنهن بأرجلهن منكسات ولهن صراخ وخوار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء اللواتي يزنين ويقتلن أولادهن ويجعلن لأزواجهن ورثة من غيرهم" وقال أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا عبد السلام بن شداد عن غزوان بن جرير عن أبيه أنهم تذاكروا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفواحش فقال لهم هل تدرون أي الزنى أعظم قالوا يا أمير المؤمنين كله عظيم قال ولكن سأخبركم بأعظم الزنى عند الله هو أن يزني الرجل بزوجة الرجل المسلم فيصير زانيا وقد أفسد على الرجل زوجته ثم قال عند ذلك إن الناس يرسل عليهم يوم القيامة ريح منتنة حتى يتأذى منها كل بر وفاجر حتى إذا بلغت منهم كل مبلغ وألمت أن تمسك بأنفاس الأمم كلهم ناداهم مناد يسمعهم الصوت ويقول لهم هل تدرون ما هذه الريح التي قد آذتكم فيقولون لا ندري والله إلا أنها قد بلغت منا كل مبلغ فيقال ألا إنها ريح الجزء: 1 ¦ الصفحة: 356 فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم ولم يتوبوا منه ثم يصرف بهم فلم يذكر عند الصرف بهم جنة ولا نارا وقال الخرائطي حدثنا علي بن داود القنطري حدثنا سعيد بن عفير حدثني مسلم بن علي الخشني عن أبي عبد الرحمن عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر المسلمين إياكم والزنى فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فذهاب البهاء ودوام الفقر وقصر العمر وأما اللواتي في الآخرة فسخط الله وسوء الحساب ودخول النار" ويذكر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال المقيم على الزنى كعابد وثن ورفعه بعضهم وهذا أولى أن يشبه بعابد الوثن من مدمن الخمر وفي المسند وغيره مرفوعا مدمن الخمر كعابد وثن فإن الزنى أعظم من شرب الخمر قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ليس بعد قتل النفس أعظم من الزنى وفي الصحيحين من حديث أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك قال قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم منك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 357 قال قلت ثم أي قال أن تزني بحليلة جارك" فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما وقال قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن ابن أنعم عن رجل عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الزاني بحليلة جاره لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه ويقول له ادخل النار مع الداخلين" وذكر سفيان بن عيينة عن جامع بن شداد عن أبي وائل عن عبد الله قال إذا بخس المكيال حبس القطر وإذا ظهر الزنى وقع الطاعون وإذا كثر الكذب كثر الهرج وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر" وذكر سفيان الثوري عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبغض ثلاثة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 358 الشيخ الزاني والمقل المختال والبخيل المنان" وذكر الأعمش عن خيثمة عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل الذي يجلس على فراش المغيبة مثل الذي ينهشه الأساود يوم القيامة" المغيبة هي التي قد سافر زوجها في جهاد أو حج أو غيرهما وفي النسائي وغيره من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كأمهاتهم وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله إلا نصب له يوم القيامة فيقال يا فلان هذا فلان فخذ من حسناته ما شئت ثم التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فقال ما ترون يدع له من حسناته شيئا وفي لفظ وإذ اخلفه في أهله فخانه قيل يوم القيامة هذا خانك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت فما ظنكم" ويكفي في قبح الزنى أن الله سبحانه وتعالى مع كمال رحمته شرع فيه أفحش القتلات وأصعبها وأفضحها وأمر أن يشهد عباده المؤمنون تعذيب فاعله ومن قبحه أن الله سبحانه فطر عليه بعض الحيوان البهيم الذي لا عقل له كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال رأيت في الجاهلية قردا زنى بقردة فاجتمع عليهما القرود فرجموهما حتى ماتا وكنت فيمن رجمهما الجزء: 1 ¦ الصفحة: 359 فصل والزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيرة فلا تجد زانيا معه ورع ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث ولا محافظة على صديق ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنفة للحرم وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته ومن موجباته غضب الرب بإفساد حرمه وعياله ولو تعرض رجل إلى ملك من الملوك بذلك لقابله أسوأ مقابلة ومنها سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو عليه للناظرين ومنها ظلمة القلب وطمس نوره وهو الذي أوجب طمس نور الوجه وغشيان الظلمة له ومنها الفقر اللازم وفي أثر يقول الله تعالى أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة ومنها أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربه ومن أعين عباده ومنها أنه يسلبه أحسن الأسماء وهو اسم العفة والبر والعدالة ويعطيه أضدادها كاسم الفاجر والفاسق والزاني والخائن ومنها أنه يسلبه اسم المؤمن كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" فسلبه اسم الإيمان المطلق وإن لم يسلب عنه مطلق الإيمان وسئل جعفر بن محمد عن هذا الحديث فخط دائرة في الأرض وقال هذه دائرة الإيمان ثم خط دائرة أخرى خارجة عنها وقال هذه دائرة الإسلام فإذا زنى العبد خرج من هذه ولم يخرج من هذه ولا يلزم من ثبوت جزء ما من الإيمان له الجزء: 1 ¦ الصفحة: 360 أن يسمى مؤمنا كما أن الرجل يكون معه جزء من العلم والفقه ولا يسمى به عالما فقيها ومعه جزء من الشجاعة والجود ولا يسمى بذلك شجاعا ولا جوادا وكذلك يكون معه شيء من التقوى ولا يسمى متقيا ونظائره فالصواب إجراء الحديث على ظاهره ولا يتأول بما يخالف ظاهره والله أعلم ومنها أن يعرض نفسه لسكنى التنور الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيه الزناة والزواني ومنها أنه يفارقه الطيب الذي وصف الله به أهل العفاف ويستبدل به الخبيث الذي وصف الله به الزناة كما قال الله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} وقد حرم الله الجنة على كل خبيث بل جعلها مأوى الطيبين ولا يدخلها إلا طيب قال الله تعالى: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} وقال تعالى: {وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} فإنما استحقوا سلام الملائكة ودخول الجنة بطيبهم والزناة من أخبث الخلق وقد جعل الله سبحانه جهنم دار الخبيث وأهله فإذا كان يوم القيامة ميز الخبيث من الطيب وجعل الخبيث بعضه على بعض ثم ألقاه وألقى أهله في جهنم فلا يدخل النار طيب ولا يدخل الجنة خبيث ومنها الوحشة التي يضعها الله سبحانه وتعالى في قلب الزاني وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 361 استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به ومنها قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له وهو أحقر شيء في نفوسهم وعيونهم بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة ومنها أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده ومنها الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم تفوح من فيه وجسده ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل كل به مثل ما بي غير أنهم ... من غيرة بعضهم للبعض عذال ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه بنقيض قصده فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل الله معصيته سببا إلى خير قط ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف أضعاف ما حصل له دع ربح العاقبة والفوز بثواب الله وكرامته ومنها أنه يعرض نفسه لفوات الاستمتاع بالحور العين في المساكن الطيبة في جنات عدن وقد تقدم أن الله سبحانه وتعالى إذا كان قد عاقب لابس الحرير في الدنيا بحرمانه لبسه يوم القيامة وشارب الخمر في الدنيا بحرمانه إياها يوم القيامة فكذلك من تمتع بالصور المحرمة في الدنيا بل كل ما ناله العبد في الدنيا فإن توسع في حلاله ضيق من حظه يوم القيامة بقدر ما توسع فيه وإن ناله من حرام فاته نظيره يوم القيامة ومنها أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين وكسب الحرام وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله وربما قاده قسرا إلى سفك الدم الحرام وربما استعان عليه بالسحر وبالشرك وهو يدري أو لا يدري فهذه المعصية لا تتم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 362 إلا بأنواع من المعاصي قبلها ومعها ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها فهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها وهي أجلب شيء لشر الدنيا والآخرة وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى وقتيلها لا يودى وقد وكلها الله سبحانه بزوال النعم فإذا ابتلي بها عبد فليودع نعم الله فإنها ضيف سريع الانتقال وشيك الزوال قال الله تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم} وقال تعالى: {وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال} فصل فهذا بعض ما في هذه السبيل من الضرر وأما سبيل الأمة اللوطية فتلك سبيل الهالكين المفضية بسالكها إلى منازل المعذبين الذين جمع الله عليهم من أنواع العقوبات مالم يجمعه على أمة من الأمم لا من تأخر عنهم ولا من تقدم وجعل ديارهم وآثارهم عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين وكتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فجمع أبو بكر رضي الله عنه لذلك ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاستشارهم فكان علي رضي الله عنه أشدهم قولا فيه فقال إن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 363 هذا لم يعمل به أمة من الأمم إلا أمة واحدة فصنع الله بهم ما قد علمتم أرى أن تحرقوه بالنار فأحرقوه بالنار وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة والتابعين يرجم بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن ووافقه على ذلك الإمام أحمد وإسحاق ومالك وقال الزهري يرجم أحصن أو لم يحصن سنه ماضية وقال جابر بن زيد في رجل غشي رجلا في دبره قال الدبر أعظم حرمة من الفرج يرجم أحصن أولم يحصن وقال الشعبي يقتل أحصن أو لم يحصن وسئل ابن عباس عن اللوطي ما حده قال ينظر أعلى بناء في المدينة فيرمى منه منكسا ثم يتبع بالحجارة ورجم علي لوطيا وافتى بتحريقه وكأنه رأى جواز هذا وهذا وقال إبراهيم النخعي لو كان أحد ينبغي له أن يرجم مرتين لكان ينبغي للوطي أن يرجم مرتين وذهبت طائفة إلى أنه يرجم إن احصن ويجلد إن لم يحصن وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه وسعيد بن المسيب في رواية عنه وعطاء بن أبي رباح قال عطاء شهدت ابن الزبير أتي بسبعة أخذوا في اللواط أربعة منهم قد أحصنوا وثلاثة لم يحصنوا فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد الحرام فرجموا بالحجارة وأمر بالثلاثة فضربوا الحد وفي المسجد ابن عمر وابن عباس فالصحابة اتفقوا على قتل اللوطي وإنما اختلفوا في كيفية قتله فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقه بالزاني أو قتله مطلقا وقد اختلف الناس في عقوبته على ثلاثة أقوال أحدها أنها أعظم من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 364 عقوبة الزنى كما أن عقوبته في الآخرة أشد الثاني أنها مثلها الثالث أنها دونها وذهب بعض الشافعية إلى أن عقوبة الفاعل كعقوبة الزاني وعقوبة المفعول به الجلد مطلقا بكرا كان أو ثيبا قال لأنه لا يلتذ بالفعل به بخلاف الفاعل وذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا حد على واحد منهما قال لأن الوازع عن ذلك ما في الطباع من النفرة عنه واستقباحه وما كان ذلك لم يحتج إلى أن يزجر الشارع عنه بالحد كأكل العذرة والميتة والدم وشرب البول ثم قال هؤلاء إذا أكثر منه اللوطي فللإمام قتله تعزيرا صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة والصحيح أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة على ذلك ولغلظ حرمته وانتشار فساده ولأن الله سبحانه وتعالى لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية قال ابن أبي نجيح في تفسيره عن عمرو بن دينار في قوله تعالى: {إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين} قال ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط وقال محمد بن مخلد سمعت عباسا الدوري يقول بلغني أن الأرض تعج إذا ركب الذكر على الذكر وذكر ابن أبي الدنيا بإسناده عن كعب قال كان إبراهيم يشرف على سدوم فيقول الجزء: 1 ¦ الصفحة: 365 ويل لك سدوم يوما مالك فجاءت إبراهيم الرسل وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط قالوا يا إبراهيم أعرض عن هذا قال {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ} فذهب بهم إلى منزله فذهبت امرأته فجاءه قومه يهرعون إليه فقال: {يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} أزوجكم بهن أليس منكم رجل رشيد وجعل لوط الأضياف في بيته وقعد على باب البيت وقال: {لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} قال أي عشيرة تمنعني قال ولم يبعث نبي بعد لوط إلا في عز من قومه فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سببهم {قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب} فخرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بجناحه ضربة طمست أعينهم قال والطمس أن تذهب حتى تستوي واحتمل مدائنهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل قال على أهل بواديهم وعلى رعاتهم وعلى مسافريهم فلم ينفلت منهم إنسان وقال مجاهد نزل جبرل عليه السلام فأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط فرفعها حتى سمع أهل السماء نبيح الكلاب وأصوت الدجاج والديكة ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 366 وفي تفسير أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أغلق لوط على ضيفه الباب فخلعوا الباب ودخلوا فطمس جبرل أعينهم فذهبت أبصارهم فقالوا يا لوط جئتنا بالسحرة وتوعدوه فأوجس في نفسه خيفة قال يذهب هؤلاء ونؤذى فقالوا لا تخف إنا رسل ربك إن موعدهم الصبح قال لوط الساعة قال جبريل أليس الصبح بقريب قال فرفعت المدينة حتىسمع أهل السماء نبيح الكلاب ثم أقلبت ورموا بالحجارة وقال حذيفة بن اليمان لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط لتهلكهم قيل لهم لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات وطريقهم على إبراهيم قال فأتوا إبراهيم فبشروه بما بشروه {فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط} قال كان مجادلته إياهم أن قال لهم إن كان فيهم خمسون أتهلكونهم قالوا لا قال أفرأيتم إن كان فيهم أربعون قالوا لا قال فثلاثون قالوا لا حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة فأتا لوطا وهو في أرض يعمل فيها فحسبهم ضيفا فأقبل بهم حين أمسى إلى أهله فأتوا معه فاتلفت إليهم فقال أما ترون ما يصنع هؤلاء قالوا وما يصنعون قال من من الناس أحد شر منهم قال فانتهى بهم إلى أهله فانطلقت العجوز السوء امرأته فأتت قومه فقالت لقد تضيف لوطا الليلة قوم ما رأيت قط أحسن وجوها ولا أطيب ريحا منهم فأقبلوا يهرعون إليه حتى دفعوا الباب ثم كادوا أن يقلبوه عليهم فقام ملك بجناحه فصفقه دونهم ثم أغلق الباب ثم علوا الأجاجير فجعل يخاطبهم فقال {هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} حتى بلغ {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 367 شَدِيدٍ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} فطمس جبريل أعينهم فما بقي أحد منهم تلك الليلة حتى عمي قال فباتوا بشر ليلة عميا ينتظرون العذاب قال وسار بأهله واستأذن جبريل عليه السلام في هلاكهم فأذن له فارتفع بالأرض التي كانوا عليها فألوى بها حتى سمع أهل السماء الدنيا ضغاء كلابهم وأوقد تحتها نارا ثم قلبها بهم قال فسمعت امرأته الوجبة وهي معه فالتفتت فأصابها العذاب وفي تفسير العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما جادل إبراهيم الملائكة في قوم لوط أن يتركوا فقال أرأيتم إن كان فيهم عشرةأبيات من المسلمين أتتركونهم فقالت الملائكة ليس فيها عشرة أبيات ولا خمسة ولا أربعة ولا ثلاثة ولا اثنان فحزن إبراهيم على لوط وأهل بيته و {قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} فذلك قوله فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب فقالت الملائكة يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود فبعث الله إليهم جبريل فانتسف المدينة ومن فيها بأحد جناحيه فجعل عاليها سافلها وتبعتهم الحجارة بكل أرض فأهلك الله سبحانه الفاعل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 368 والمفعول به والساكت الراضي والدال المحصن منهم وغير المحصن العاشق والمعشوق وأخذهم وهم في سكرة عشقهم يعمهون وذكر ابن أبي داود في تفسيره عن وهب بن منبه قال إن الملائكة حين دخلوا على لوط ظن أنهم أضياف ضافوه فاحتفل لهم وحرص على كرامتهم وخالفته امرأته إلى فساق قومه فأخبرتهم أنه ضاف لوطا أحسن الناس وجها وأنضرهم جمالا وأطيبهم ريحا فكانت هذه خيانتها التي ذكر الله عز وجل في كتابه وفيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فخانتاهما} قال والله ما زنتا ولا بغت امرأة نبي قط فقيل له فما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط فقال أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل على الضيف وقال أبو مسلم الليثي في مسنده حثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الوارث حدثنا القاسم بن عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط" وقال هشام بن عمار حدثنا عبد العزيز الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لعن الله من وقع على بهيمة ولعن الله من عمل عمل قوم لوط" رواه الإمام أحمد وقال القعنبي حدثنا عبد العزيز هو الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي عن عكرمة عن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 369 ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لعن الله من تولى غير مواليه ولعن الله من غير تخوم الأرض ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل ولعن الله من لعن والديه ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثا ولعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من وقع على بهيمة" هذا الإسناد على شرط البخاري وقال أبو داود الطيالسي حدثنا بشر بن المفضل عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا باشر الرجل الرجل فهما زانيان وفي لفظ إذا أتى الرجل الرجل وفي المسند والسنن من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقتلوا الفاعل والمفعول به" وفي لفظ "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وإسناده على شرط البخاري وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الجزء: 1 ¦ الصفحة: 370 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فارجموه أو قال فاقتلوا الفاعل والمفعول به" وحرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك وقال حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس عن عبيد الله بن معمر قال يقتل اللوطي وقال سعيد بن المسيب عندنا على اللوطي الرجم أحصن أو لم يحصن سنة ماضية وهذا يدل على أن ذلك سنة مضى عليها العمل وقال الشعبي يقتل أحصن أو لم يحصن وقال الزهري وربيعة وابن هرمز ومالك بن أنس عليه الرجم أحصن أو لم يحصن وقال بعض العلماء وإما قال سعيد بن المسيب إن ذلك سنة ماضية لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقتلوا الفاعل والمفعول به ولم يقل محصنا أو غير محصن" وحرقهم أبو بكر رضي الله عنه بالنار بعد مشاورة الصحابة وأشار عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك وحرقهم علي وابن الزبير كما ذكره الآجري وغيره عن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد رجلا في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة فجمع أبو بكر لذلك اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال علي إن هذا ذنب لم يعمل به إلا أمة واحدة ففعل الله بهم ما قد علمتم أرى أن تحرقوه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار فأمر به أبو بكر أن يحرق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 371 قال وقد حرقهم ابن الزبير وهشام بن عبد الملك وقال ابن عباس رضي الله عنهما يرجم اللوطي بكرا كان أو ثيبا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه ولم يفرق أحد منهم بين المحصن وغره وصرح بعضهم بعموم الحكم للمحصن وغير المحصن فلذلك قال ابن المسيب إن هذا سنة ماضية وفي مسائل إسحاق بن منصور الكوسج قلت لأحمد يرجم اللوطي أحصن أو لم يحصن فقال يرجم أحصن أو لم يحصن قال إسحاق بن راهويه هو كما قال والسنة في الذي يعمل عمل قوم لوط أن يرجم محصنا كان أو غير محصن لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه" رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ثم أفتى ابن عباس بعد النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يعمل عمل قوم لوط أنه يرجم وإن كان بكرا فحكم في ذلك بما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك روي عن علي بن أبي طالب مثل هذا القول إن اللوطي يرجم ولم يذكر محصنا كان أو غير محصن وكذلك فعل الله سبحانه بقوم لوط وكذا يروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرقهم بالنار هذا كلام إسحاق رحمه الله وذكر الآجري في كتاب تحريم اللواط من حديث عبد الله بن عمر مرفوعا "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ويقول ادخلوا النار مع الداخلين الفاعل والمفعول به والناكح يده وناكح الجزء: 1 ¦ الصفحة: 372 البهيمة وناكح المرأة في دبرها والجامع بين المرأة وابنتها والزاني بحليلة جاره والمؤذي لجاره حتى يلعنه" وذكر عن أنس مرفوعا نحوه وقال: "ادخلوا النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا فمن تاب تاب الله عليه الناكح يده والفاعل والمفعول به ومدمن الخمر والضارب أبويه حتى يستغيثا والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه والزاني بحليلة جاره" وقال مجاهد لو أن الذي يعمل ذلك العمل يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن وهي سورة الأعراف وهود والحجر والأنبياء والفرقان والشعراء والنمل والعنكبوت والصافات واقتربت الساعة وجمع على القوم بين عمى الأبصار وخسف الديار والقذف بالأحجار ودخول النار وقال محذرا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد {وما قوم لوط منكم ببعيد} وقال بعض العلماء إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة وعجت الأرض إلى ربها ونزل سخط الجبار جل جلاله عليهم وغشيتهم اللعنة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 373 وحفت بهم الشياطين واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم وثقل العرش على حملته وكبرت الملائكة واستعرت الجحيم فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم وذلك أضيق مكانا وأعظم عذابا من تنور الزناة فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم تذهب اللذات وتعقب الحسرات وتفنى الشهوة وتبقى الشقوة وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ينشد تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الخزي والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار فصل وأما إن كانت الفاحشة مع ذي رحم محرم فذلك الهلك كل الهلك ويجب قتل الفاعل بكل حال عند الإمام أحمد وغيره واحتج أحمد بحديث عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال لقيت خالي ومعه الراية فقلت أين تريد قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أضرب عنقه وآخذ ماله رواه الإمام أحمد واحتج به وقال شعبة حدثنا الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 374 قال رأيت أناسا ينطلقون فقلت أين تذهبون قالوا بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل يأتي امرأة أبيه أن نقتله وذكر عبد الله بن صالح حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به والذي يأتي البهيمة والذي يأتي كل ذات محرم" وقال هشام بن عمار حدثنا رفدة بن قضاعة حدثنا صالح بن راشد قال أتي الحجاج برجل قد اغتصب أخته على نفسها فقال احبسوه وسلوه من هاهنا من أصحاب محمد فسألوا عبد الرحمن بن مطرف فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من تخطى الحرمتين فخطوا وسطه بالسيف" وأفتى ابن عباس رضي الله عنهما بمثل ذلك وقال عمر بن شبة حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة قال أتي الحجاج برجل زنى بأخته فسأل عنها عبد الله فقال يضرب بالسيف فأمر به الحجاج فضرب عنقه بالسيف وذكر جماعة عن حماد بن سلمة عن بكر بن عبد الله المزني أن رجلا تزوج خالته فرفع إلى عبد الملك بن مروان فقال إني ظننت أنها تحل لي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 375 فقال لا جهالة في الإسلام وأظن أنه أمر به فقتل وفي مسائل صالح بن أحمد قال سألت أبي عن الرجل الذي تزج ذات محرم منه فقال إن كان عمدا يقتل ويؤخذ ماله وإن كان لا يعلم يفرق بينهما وأستحب أن يكون لها ما أخذت منه ولا يرجع عليها بشيء وفي صحيفةعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من أتى ذات محرم" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 376 الباب الخامس والعشرون: في رحمة المحبين والشفاعة لهم إلى أحبابهم في الوصال الذي يبيحه الدين قال الله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} وكل من أعان غيره على أمر بقوله أو فعله فقد صار شفيعا له والشفاعة للمشفوع له هذا أصلها فإن الشافع يشفع صاحب الحاجة فيصير له شفعا في قضائها لعجزه عن الاستقلال بها فدخل في حكم هذه الآية كل متعاونين على خير أو شر بقول أو عمل ونظيرها قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} وفي الصحيح عنه أنه كان إذا جاءه طالب حاجة يقول: "اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما أحب" وفي صحيح البخاري أن بريرة لما عتقت اختارت نفسها فكان زوجها يمشي خلفها ودموعه تسيل على لحيته فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "لوراجعتيه فإنه أبو ولدك" فقالت أتأمرني قال: "لا إنما أنا شافع" قالت فلا حاجة لي فيه فهذه شفاعة من سيد الشفعاء لمحب إلى محبوبه وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرا عند الله فإنها تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله ولهذا كان أحب ما لإبليس وجنوده التفريق بين هذين المحبوبين الجزء: 1 ¦ الصفحة: 377 وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة {يكن له نصيب منها} وفي السيئة {يكن له كفل منها} فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخيز بالنصيب وحظ الشر بالكفل وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنة له وكان خطبها قبل ذلك عم بنتها فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنها كارهة هذا الذي زوجها أبوها وأنه كان يعجبها أن يتزوجها عم بنتها فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم نكاح أبيها وزوجها عم بنتها وقد تقدم حديث عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجري يتيمة قد خطبها رجل موسر ورجل معدم فنحن نحب الموسر وهي تحب المعدم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس للمتحابين مثل النكاح" رواه سليمان بن موسى عنه وقال مخلد بن الحسين حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين قال كان عمر بن الخطاب يعس بالليل فسمع صوت امرأة تغني وتقول هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج الجزء: 1 ¦ الصفحة: 378 فقال أما وعمر حي فلا فلما أصبح بعث إلى نصر بن حجاج فإذا رجل جميل فقال اخرج فلا تساكني بالمدينة فخرج حتى أتى البصرة وكان يدخل على مجاشع بن مسعود وكانت له امرأة جميلة فأعجبها نصر فأحبها وأحبته فكان يقعد هو ومجاشع يتحدثان والمرأة معهما فكتب لها نصر في الأرض كتابا فقالت وأنا فعلم مجاشع أنها جواب كلام وكان مجاشع لا يكتب والمرأة تكتب فدعا بإناء فأكفاه على المكتوب ودعا كاتبا فقرأه فإذا هو إني لأحبك حبا لو كان فوقك لأظلك ولو كان تحتك لأقلك وبلغ نصرا ما صنع مجاشع فاستحيا ولزم بيته وضني جسمه حتى كان كالفرخ فقال مجاشع لامرأته اذهبي إليه فأسنديه إلى صدرك وأطعميه الطعام بيدك فأبت فعزم عليها فأتته فأسندته إلى صدرها وأطعمته الطعام بيدها فلما تحامل خرج من البصرة إن الذين بخير كنت تذكرهم ... هم أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا لا تطلبن شفاء عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا فإن قيل فهل تبيح الشريعة مثل ذلك قيل إذا تعين طريقا للدواء ونجاة العبد من الهلكة لم يكن بأعظم من مداواة المرأة للرجل الأجنبي ومداواته لها ونظر الطبيب إلى بدن المريض ومسه بيده للحاجة وأما التداوي بالجماع فلا يبيحه الشرع بوجه ما وأما التداوي بالضم والقبلة فإن تحقق الشفاء به كان نظير التداوي بالخمر عند من يبيحه بل هذا أسهل من التداوي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 379 بالخمر فإن شربه من الكبائر وهذا الفعل من الصغائر والمقصود أن الشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاق سنة ماضية وسعي مشكور وقد جاء عن غير واحد من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم أنهم شفعوا هذه الشفاعة فقال الخرائطي حدثنا علي بن الأعرابي حدثنا أبو غسان النهدي قال مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته بطريق من طرق المدينة فإذا جارية تطحن برحاها وهي تقول وهويته من قبل قطع تمائمي ... متمايسا مثل القضيب الناعم وكأن نور البدر سنة وجهه ... ينمي ويصعد في ذؤابة هاشم فدق عليها الباب فخرجت إليه فقال ويلك أحرة أنت أم مملوكة فقالت بل مملوكة يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فمن هويت فبكت ثم قالت بحق الله إلا انصرفت عني قال لا أريم أو تعلميني فقالت وأنا التي لعب الغرام بقلبها ... فبكت لحب محمد بن القاسم فصار إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب وقال هؤلاء فتن الرجال وكم قد مات بهن من كريم وعطب عليهن من سليم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 380 ويذكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه جاءته جارية تستعدي على رجل من الأنصار فقال لها عثمان ما قصتك فقالت يا أمير المؤمنين كلفت بابن أخيه فما أنفك أراعيه فقال له عثمان إما أن تهبها لابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي فقال أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له وأتي علي بن أبي طالب بغلام من العرب وجد في دار قوم بالليل فقال له ما قصتك فقال لست بسارق ولكني أصدق تعلقت في دار الرباحي خودة ... يذل لها من حسنها الشمس والبدر لها في بنات الروم حسن ومنصب ... إذا افتخرت بالحسن صدقها الفخر فلما طرقت الدار من حر مهجة ... أتيت وفيها من توقدها جمر تبادر أهل الدار لي ثم صيحوا ... هو اللص محتوما له القتل والأسر فلما سمع علي شعره رق له وقال للمهلب بن رباح اسمح له بها ونعوضك منها فقال يا أمير المؤمنين سله من هو لنعرف نسبه فقال النهاس بن عيينة العجلي فقال خذها فهي لك وذكر التميمي في كتابه المسمى بامتزاج النفوس أن معاوية بن أبي سفيان اشترى جارية من البحرين فأعجب بها إعجابا شديدا فسمعها يوما تنشد أبياتا منها وفارقته كالغصن يهتز في الثرى ... طريرا وسيما بعد ما طر شاربه فسألها فقالت هو ابن عمي فردها إليه وفي قلبه منها وقال سالم بن عبد الله كانت عاتكة ابنة زيد تحت عبد الله بن أبي بكر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 381 الصديق رضي الله عنه وكانت قد غلبته على رأيه وشغلته عن سوقه فأمره أبو بكر بطلاقها واحدة ففعل فوجد عليها فقعد لأبيه على طريقه وهو يريد الصلاة فلما بصر بأبي بكر بكى وأنشأ يقو ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم يطلق لها خلق جزل وحلم ومنصب ... وخلق سوي في الحياة ومصدق فرق له أبو بكر رضي الله عنه وأمره بمراجعتها فلما مات قالت ترثيه آليت لا تنفك عيني سخينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغرا فلله عينا من رأى مثله فتى ... أعف وأمضى في الهياج وأصبرا إذا شرعت فيه الأسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا فلما حلت تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأولم عليها فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتأذن لي يا أمير المؤمنين أدخل رأسي إلى عاتكة أكلمها قال نعم فأدخل علي رأسه إليها وقال يا عدية نفسها آليت لا تنفك عيني قريرة ... عليك ولا ينفك جلدي أصفرا فبكت فقال له عمر ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن كل النساء يفعلن هذا فلما قتل عمر قالت ترثيه عين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الجواد النجيب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 382 فجعتني المنون بالفارس المعلم ... يوم الهياج والتثويب قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب فلما حلت تزوجها الزبير بن العوام فاستأذنت ليلة أن تخرج إلى المسجد فشق ذلك عليه وكره أن يمنعها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوا إماء الله مساجد الله فأذن لها ثم انكمى في موضع مظلم من الطريق فلما مرت وضع يده عليها فكرت راجعة تسبح فسبقها الزبير إلىالمنزل فلما رجعت قال لها ما ردك عن وجهك قالت كنا نخرج والناس ناس وأما اليوم فلا وتركت المسجد فلما قتل الزبير قالت ترثيه غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش السنان ولا اليد ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله ... فيما مضى حتى تروح وتغتدي كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن أم الفرقد إن الزبير لذو بلاء صادق ... سمح سجيته كريم المشهد فلما حلت خطبها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالت إني لأضن بك على القتل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 383 وذكر الخرائطي أن المهدي خرج إلى الحج حتى إذا كان بزبالة جلس يتغدى فأتي بدوي فناداه يا أمير المؤمنين إني عاشق ورفع صوته فقال للحاجب ويحك ما هذا قال إنسان يصيح إني عاشق قال أدخلوه فأدخلوه عليه فقال من عشيقتك قال ابنة عمي قال أولها أب قال نعم قال فماله لا يزوجك إياها قال هاهنا شيء يا أمير المؤمنين قال ما هو قال إني هجين والهجين الذي أمه أمة ليست عربية قال له المهدي فما يكون قال إنه عندنا عيب فأرسل في طلب أبيها فأتي به فقال هذا ابن أخيك قال نعم قال فلم لا تزوجه كريمتك فقال له مثل مقالة ابن أخيه وكان من ولد العباس عنده جماعة فقال هؤلاء كلهم بنو العباس وهم هجن ما الذي يضرهم من ذلك قال هو عندنا عيب فقال له المهدي زوجه إياها على عشرين ألف درهم عشرة آلاف للعيب وعشرة آلاف مهرها قال نعم فحمد الله وأثنى عليه وزوجه إياها فأتى ببدرتين فدفعهما إليه فأنشأ الشاب يقول إبتعت ظبية بالغلاء وإنما ... يعطي الغلاء بمثلها أمثالي وتركت أسواق القباح لأهلها ... إن القباح وإن رخصن غوالي وذكر الخرائطي من حديث الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم أن عمر بن أبي ربيعة كان قد ترك الشعر ورغب عنه ونذر على نفسه بكل بيت يقوله هدى بدنة فمكث كذلك حينا ثم خرج ليلة يريد الطواف بالبيت إذ نظر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 384 إلى امرأة ذات جمال تطوف وإذا رجل يتلوها كلما رفعت رجلها وضع رجله موضع رجلها فجعل ينظر إلى ذلك من أمرههما فلما فرغت المرأة من طوافها تبعها الرجل هنية ثم رجع فلما رآه عمر وثب إليه وقال لتخبرني عن أمرك قال نعم هذه المرأة التي رأيت ابنة عمي وأنا لها عاشق وليس لي مال فخطبتها إلى عمي فرغب عني وسألني المهر مالا أقدر عليه والذي رأيت هو حظي منها ومالي من الدنيا أمنية غيرها وإنما ألقاها عند الطواف وحظي ما رأيت من فعلي فقال له عمر ومن عمك قال فلان بن فلان قال انطلق معي إليه فانطلقا فاستخرجه عمر فخرج مبادرا فقال ما حاجتك يا أبا الخطاب قال تزوج ابنتك فلانة من ابن أخيك فلان وهذا المهر الذي تسأله يساق إليك من مالي قال فإني قد فعلت قال عمر إني أحب أن لا أبرح حتى يجتمعا قال وذلك ايضا قال فلم يبرح حتى جمعهما جميعا وأتى منزله فاستلقى على فراشه فجعل النوم لا يأخذه وجعل جوفه يجيش بالشعر فأنكرت جاريته ذلك فجعلت تسأله عن أمره وتقول ويحك ما الذي قد دهاك فلما أكثرت عليه جلس وأنشد تقول وليدتي لما رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينا أراك اليوم قد أحدثت شوقا ... وهاج لك البكا داء دفينا بربك هل أتاك لها رسول ... فشاقك أم رأيت لها خدينا فقلت شكا إلي أخ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا فعد علي ما يلقى بهند ... فوافق بعض ما كنا لقينا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 385 وذو القلب المصاب وإن تعزى ... يهيج حين يلقى العاشقينا وكم من خلة أعرضت عنها ... لغير قلى وكنت بها ضنينا رأيت صدودها فصددت عنها ... ولو هام الفؤاد بها جنونا وعرض خالد بن عبد الله القسري سجنه يوما وكان فيه يزيد بن فلان البجلي فقال له خالد في أي شيء حبست يا يزيد قال في تهمة أصلح الله الأمير قال أفتعود إن أطلقتك قال نعم وكره أن يعرض بقصته لئلا يفضح معشوقته فقال خالد أحضروا رجال الحي حتى نقطع يده بحضرتهم وكان ليزيد أخ فكتب شعرا ووجه به إلى خالد أخالد قد أعطيت في الخلق رتبة ... وما العاشق المسكين فينا بسارق أقر بما لم يأته المرء إنه ... رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في شأن الهوى غير ناطق إذا بدت الرايات للسبق في العلى ... فأنت ابن عبد الله أول سابق فلما قرأ خالد الأبيات علم صدق قوله فأحضر أولياء الجارية فقال زوجوا يزيد فتاتكم فقالوا أما وقد ظهر عليه ما ظهر فلا فقال لئن لم تزوجوه طائعين لتزوجنه كارهين فزوجوه ونقد خالد المهر من عنده وذكر أبو العباس المبرد قال كان رجل بالكوفة يدعى ليث بن زياد قد ربى جارية وأدبها فخرجت بارعة في كل فن مع جمال وافر فلم يزل معها مدة حتى تبينت منه الحاجة فقالت يا مولاي لو بعتني كان أصلح لك مما أراك به وإن كنت لأظن أني لا أصبر عنك فقصد رجلا من الأغنياء يعرفها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 386 ويعرف فضلها فباعها بمائة ألف درهم فلما قبض المال وجه بها إلى مولاها وجزع عليها جزعا شديدا فلما صارت الجارية إلى سيدها نزل بها من الوحشة للأول مالم تستطع دفعه ولا كتمه فباحت به وقالت أتاني البلا حقا فما أنا صانع ... أمصطبر للبين أم أنا جازع كفى حزنا أني على مثل جمرة ... أقاسي نجوم الليل والقلب نازع فإن يمنعوني أن أبوح بحبه ... فإني قتيل والعيون دوامع سيدها شعرها فدعا بها وأرادها فامتنعت عليه وقالت له يا سيدي إنك لا تنتفع بي قال ولم ذاك قالت إني لما بي قال وما بك صفيه لي قالت أجد في أحشائي نيرانا تتوقد لا يقدر على إطفائها أحد ولا تسأل عما وراء ذلك فرحمها ورق لها وبعث إلى مولاها فسأل عن خبره فوجد عنده مثل الذي عندها فأحضره فرد الجارية عليه ووهب له من ثمنها خمسين ألفا فلم تزل عنده مدة طويلة وبلغ عبد الله بن طاهر خبرهما وهو بخراسان فكتب إلى خليفته بالكوفة يأمره أن ينظر فإن كان هذا الشعر الذي ذكر له من قبل الجارية أن يشتريها له بما ملكت يمينه فركب إلى مولى الجارية فخبره بما كتب إليه عبد الله بن طاهر فلم يجد سيدها بدا من عرضها عليه وهو كاره فأراد الأمير أن يعلم ما عند الجارية فأنشأ يقول بديع حسن رشيق قد ... جعلت مني له ملاذا فأجابته الجارية فعاتبوه فزاد عشقا ... فمات شوقا فكان ماذا فعلم أنها تصلح له فاشتراها بمائتي ألف درهم فجهزها وحملها إلى عبد الله بن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 387 طاهر إلى خراسان فلما صارت إليه اختبرها فوجدها على ما أراد فغلبته على عقله ويقال إنها أم محمد بن عبد الله بن طاهر ولم تزل ألطافها وجوائزها تأتي مولاها الأول حتى ماتت وقال عمر بن شبة حدثنا أيوب بن عمر الغفاري قال طلق عبد الله بن عامر امرأته ابنة سهل بن عمرو فقدمت المدينة ومعها ابنة لها ومعها وديعة جوهر استودعها إياه فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم أراد ابن عامر الحج فأتى المدينة فلقي الحسن فقال يا أبا محمد إن لي إلى ابنة سهل حاجة فأحب أن تأذن لي عليها فقال الحسن البسي ثيابك فهذا ابن عامر يستأذن عليك فدخل عليها فسألها وديعته فجاءته بها عليها خاتمه فقال لها خذي ثلثها فقالت ما كنت لآخذ على أمانة ائتمنت عليها شيئا أبدا ثم أقبل عليها ابن عامر فقال إن ابنتي قد بلغت فأحب أن تخلي بيني وبينها فبكت وبكت ابنتها فرق ابن عامر فقال الحسن فهل لكما فوالله ما من محلل خير مني قال فوالله لا أخرجها من عندك أبدا فكفلها حتى مات وذكر الزمخشري في ربيع الأبرار أن زبيدة بنت أبي جعفر قرأت في طريق مكة على حائط أما في عباد الله أو في إمائه ... كريم يجلي الهم عن ذاهب العقل له مقلة أما المآقي فقرحة ... وأما الحشا فالنار منه على رجل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 388 فنذرت أن تحتال لقائلهما حتى تجمع بينه وبين من يحبه قالت فإني لبمزدلفة إذ سمعت من ينشدهما فاستدعيت به فزعم أنه قالهما في بنت عم له وقد حلف أهلها أن لا يزوجوهها منه فوجهت إلى الحي وما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوه وإذا المرأة أعشق من الرجل فكانت زبيدة تعده في أعظم حسناتها وتقول ما أنا بشيء أسر مني بجمعي بين ذلك الفتى والفتاة قال الزمخشري وهوي أحمد بن أبي عثمان الكاتب جارية لزبيدة اسمها نعم حتى مرض وقال فيها أبياتا منها وإني ليرضيني الممر ببابها ... وأقنع منها بالشتيمة والزجر فوهبتها له وذكر الخرائطي أنه كان لبعض الخلفاء غلام وجارية من غلمانه وجواريه متحابين فكتب الغلام إليها يوما يقول ولقد رأيتك في المنام كأنما ... عاطيتني من ريق فيك البارد وكأن كفك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد فطفقت يومي كله متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد ثم انتبهت ومعصماك كلاهما ... بيدي اليمين وفي يمينك ساعدي فأجابته الجارية خيرا رأيت وكل ما أبصرته ... ستناله مني برغم الحاسد إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك بين ترائبي ومجاسدي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 389 ونبيت ألطف عاشقين تعاطيا ... طرف الحديث بلا مخافة راصد فبلغ الخليفة خبرهما فأنكحهما وأحسن إليهما على شدة غيرته وقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى سمع المهلب فتى يتغنى بشعر في جارية له فقال المهلب لعمري إني للمحبين راحم ... وإني بستر العاشقين حقيق سأجمع منكم شمل ود مبدد ... وإني بما قد ترجوان خليق ثم وهبها له ومعها خمسة آلاف دينار وقال الخرائطي كان رجل نخاس عنده جارية لم يكن له مال غيرها وكان يعرضها في المواسم فتغالى الناس فيها حتى بلغت مبلغا كثيرا من المال وهو يطلب الزيادة فعلقها رجل فقير فكاد عقله أن يذهب فلما بلغه ذلك وهبها له فعوتب في ذلك فقال إني سمعت الله تعالى يقول ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا أفلا أحيي الناس جميعا وقال علي بن قريش الجرجاني شكوت بلاء لا أطيق احتماله ... وقلبي مطيع للهوى غير دافع فأقسم ما تركي عتابك عن قلى ... ولكن لعلمي أنه غير نافع وإني متى لم ألزم الصبر طائعا ... فلا بد منه مكرها غير طائع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 390 إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة ... فلا خير في ود يكون بشافع وكان أبو السائب المخزومي أحد القراء والفقهاء فرؤي متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم ارحم العاشقين واعطف عليهم قلوب المعشوقين فقيل له في ذلك فقال الدعاء لهم أفضل من عمرة من الجعرانة وذكر أحمد بن الفضل الكاتب أن غلاما وجارية كانا في كتاب فهويها الغلام فلما كان في بعض أيامه في غفلة من الغلمان كتب في لوح الجارية ماذا تقولين فيمن شفه سقم ... من طول حبك حتى صار حيرانا فلما قرأته الجارية أغرورقت عيناها بالدموع رحمة له وكتبت تحته إذا رأينا محبا قد أضر به ... طول الصبابة أوليناه إحسانا وذكر الهيثم بن عدي عن محمد بن زياد أن الحارث بن السليل الأزدي خرج زائرا لعلقمة بن حزم الطائي وكان حليفا له فنظر إلى ابنة له تدعى الرباب وكانت من أجمل النساء فأعجب بها وعشقها عشقا حال بينه وبين الانصراف إلى أهله فقال لعلقمة إني أتيتك خاطبا وقد ينكح الخاطب ويدرك الطالب ويمنح الراغب قال كفو كريم فأقم ننظر في أمرك ثم انكفأ إلى أم لجارية فقال لها إن الحارث سيد قومه حسبا ومنصبا وبيتا فلا ينصرفن من عندنا إلا بحاجته فشاوري ابنتك وأديريها عما في نفسها فقالت لها أي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 391 بنية أي الرجال أعجب إليك الكهل الجحجاح المفضل المياح أم الفتى الوضاح الملوك الطماح قالت الفتى الوضاح فقالت إن الفتى يغيرك وإن الشيخ يميرك وليس الكهل الفاضل الكثير النائل كالحديث السن الكثير المن فقالت يا أماه أحب الفتى كحب الرعاء أنيق الكلا قالت يا بنية إن الفتى شديد الحجاب كثير العتاب قالت يا أماه أخشى من الشيخ أن يدنس ثيابي ويبلي شبابي ويشمت بي أترابي فلم تزل بها الأم حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث على خمسين ومائة من الإبل وخادم وألف درهم فبنى بها وكانت عنده أحب شيء إليه فارتحل بها إلى أهله فإنه لجالس يوما بفناء مظلته هي إلى جانبه إذ أقبل فتية يعتلجون الصراع فتنفست الصعداء ثم أرسلت عينيها بالبكاء فقال ما يبكيك فقالت مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ فقال ثكلتك أمك قد تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فسارت مثلا أي لا تكون ظئرا وكان أول من نطق بها ثم قال أما وأبيك لرب غارة شهدتها وسبية أردفتها وخمرة شربتها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 392 الحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك ثم أنشأ يقول وعيرت أن رأتني لابسا كبرا ... وغاية النفس بين الموت والكبر فإن بقيت رأيت الشيب راغمة ... وفي التفرق ما يقضي من العبر وإن يكن قد علا رأسي وغيره ... صرف الزمان وتقتير من الشعر فقد أروح للذات الفتى جذلا ... وهمتي لم تشب فاستخبري أثري الجزء: 1 ¦ الصفحة: 393 الباب السادس والعشرون: في ترك المحبين أدنى المحبوبين رغبة في أعلاهما هذا باب لا يدخل فيه إلا النفوس الفاضلة الشريفة الأبية التي لا تقنع بالدون ولا تبيع الأعلى بالأدنى بيع العاجز المغبون ولا يملكها لطخ جمال مغش على أنواع من القبائح كما قال بعض الأعراب وقد نظر إلى امرأة مبرقعة إذا بارك الله في ملبس ... فلا بارك الله في البرقع يريك عيون المها مسبلا ... ويكشف عن منظر في أشنع وقال الآخر لا يغرنك ما ترى من نقاب ... إن تحت النقاب داء دويا فالنفس الأبية لا ترضى بالدون وقد عاب الله سبحانه أقواما استبدلوا طعاما بطعام أدنى منه فنعى ذلك عليهم وقال: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} وذلك دليل على وضاعة النفس وقلة قيمتها وقال الأصمعي خلا رجل من الأعراب بامرأة فهم بالريبة فلما تمكن منها تنحى سليما وجعل يقول إن امرءا باع جنة عرضها السموات والأرض بفتر ما بين رجليك لقليل البصر بالمساحة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 394 وقال أبو أسماء دخل رجل غيضة فقال لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} وقال الإمام أحمد حدثنا هيثم هو ابن خارجة حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد الرحمن بن عدي البهراني عن يزيد بن ميسرة قال إن الله تعالى يقول أيها الشاب التارك شهوته لي المتبذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي وذكر إبراهيم بن الجنيد أن رجلا راود امرأة عن نفسها فقالت له أنت قد سمعت القرآن والحديث فأنت أعلم قال فأغلقي الأبواب فأغلقتها فلما دنا منها قالت بقي باب لم أغلقه قال أي باب قالت الباب الذي بينك وبين الله فلم يتعرض لها وذكر أيضا عن أعرابي قال خرجت في بعض ليالي الظلم فإذا أنا بجارية كأنها علم فأردتها عن نفسها فقالت ويلك أما كان لك زاجر من عقل إذ لم يكن لك ناه من دين فقلت إنه والله ما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها وجلس زياد مولى ابن عياش رضي الله عنهما إلى بعض إخوانه فقال له الجزء: 1 ¦ الصفحة: 395 يا عبد الله فقال له قل ما تشاء قال ما هي إلا الجنة أو النار قلت نعم قال وما بينهما منزل ينزله العباد قلت لا والله فقال والله إن نفسي لنفس أضن بها على النار والصبر اليوم عن معاصي الله خير من الصبر على الأغلال وقال وهب بن منبه قالت امرأة العزيز ليوسف عليه السلام ادخل معي القيطون تعني الستر قال إن القيطون لا يسترني من ربي وقال اليزيدي دخلت على هارون الرشيد فوجدته مكبا على ورقه ينظر فيها مكتوبة بالذهب فلما رآني تبسم فقلت فائدة أصلح الله أمير المؤمنين قال نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما فأضفت إليهما ثالثا فقال ثم أنشدني إذا سد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها فإن قراب البطن يكفيك ملأه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها فلا تك مبذالا لدينك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها وقال أبو العباس الناشئ إذا المرء يحمي نفسه حل شهوة ... لصحة أيام تبيد وتنفد فما باله لا يحتمي من حرامها ... لصحة ما يبقى له ويخلد وقيل إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان ينشد هذين البيتين إقدع النفس بالكفاف وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها إنما طول عمرك ما عمرت ... في الساعة التي أنت فيه ومن أحسن شعر العرب وكان عمرو بن العاص يتمثل بهما الجزء: 1 ¦ الصفحة: 396 إذا المرء لم يترك طعاما أحبه ... ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما قضى وطرا منه وغادر سبة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما وقال شعبة عن منصور عن إبراهيم كلم رجل من العباد امرأة فلم يزل بها حتى وضع يده على فخذها فانطلق فوضع يده على النار حتى نشت وقال زيد بن أسلم عن أبيه كان عابد في صومعة يتعبد فأشرف ذات يوم فرأى امرأة ففتن بها فأخرج إحدى رجليه من الصومعة يريد النزول إليها ثم فكر وادكر فأناب فأراد أن يعيد رجله إلى الصومعة فقال والله لا أدخل رجلا خرجت تريد أن تعصي الله في صومعتي أبدا فتركها خارجة من الصومعة فأصابها الثلج والبرد والرياح حتى تقطعت وقال بعض السلف من كان له واعظ من قلبه زاده الله عز وجل عزا والذل في طاعة الله أقرب من العز في معصيته وقال أبو العتاهية لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له أما آن لك أن ترعوي وتنزجر فرفع رأسه إلي وقال أتراني يا عتاهي ... تاركا تلك الملاهي أتراني مفسدا بالنسك ... عند القوم جاهي فلما ألححت عليه في العذل أنشأ يقول لا ترجع الأنفس عن غيها ... مالم يكن منها لها زاجر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 397 فوددت أني قلت هذا البيت بكل شيء قلته وقال ابن السماك عن امرأة كان تسكن البادية لو طالعت قلوب المؤمنين بفكرها ما ذخر لها في حجب الغيوب من خير الآخرة لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم عين وقال ضيغم لرجل إن حبه عز وجل شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبةغيره فليس لهم في الدنيا مع محبته عز وجل لذة تداني محبته ولا يأملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه مجبوبهم فسقط الرجل مغشيا عليه وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى رأس الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط ولا تعرجوا وداع يدعو فوق الصراط فإذا أراد أحد فتح شيء من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه فالصراط الإسلام والستور المرخاة حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم" وقال خالد بن معدان ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما ما وعده الله بالغيب وإذا أراد الله به غير ذلك تركه على ما هو فيه ثم قرأ {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} الجزء: 1 ¦ الصفحة: 398 وفي الترمذي عنه الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني وفي المسند من حديث فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال من أصبح وأكثر همه غير الله فليس من الله وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار قال قال موسى يا رب من أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك قال هم البريئة أيديهم الطاهرة قلوبهم الذين يتحابون بجلالي الذين إذا ذكرت ذكروا بي وإذا ذكروا بي ذكرت بذكرهم الذين يسبغون الوضوء في المكاره وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حرب وقال أحمد حدثنا إبراهيم بن خالد حدثني عبد الله بن يحيى قال سمعت وهب بن منبه يقول قال موسى عليه السلام أي رب أي عبادك أحب إليك قال من أذكر برؤيته الجزء: 1 ¦ الصفحة: 399 وقال أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا هشام الدستوائي قال بلغني أن في حكمة عيسى بن مريم تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ويحكم علماء السوء الأجر تأخذون والعمل تضيعون توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر وضيقه والله عز وجل نهاكم عن المعاصي كما أمركم بالصوم والصلاة كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته وهو في الدنيا أعظم رغبة كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أشهى إليه مما لا يضره كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله عز وجل في قضائه فليس يرضى بشيء أصابه كيف يكون من أهل العلم من طلب العلم ليتحدث به ولم يطلبه ليعمل به وقال عبد الله بن المبارك عن معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب قال أو للعب خلقنا وقال أحمد حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبد الحميد بن جعفر حدثني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن أمه فاطمة حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الذين يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب ويتشدقون بالكلام" وقال أحمد حدثنا أبو قطن حدثنا شعبة عن أبي مسلمة عن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 400 أبي نضرة قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى يا أبا موسى شوقنا إلى ربنا قال فقرأ فقالوا الصلاة فقال عمر أولسنا في الصلاة فصل وملاك الأمر كله الرغبة في الله وإرادة وجهه والتقرب إليه بأنواع الوسائل والشوق إلى الوصول إليه وإلى لقائه فإن لم يكن للعبد همة إلى ذلك فالرغبة في الجنة ونعيمها وما أعد الله فيها لأوليائه فإن لم تكن له همة عالية تطالبه بذلك فخشية النار وما أعد الله فيها لمن عصاه فإن لم تطاوعه نفسه بشيء من ذلك فليعلم أنه خلق للجحيم لا للنعيم ولا يقدر على ذلك بعد قدر الله وتوفيقه إلا بمخالفة هواه فهذه فصول أربعة هن ربيع المؤمن وصيفه وخريفه وشتاؤه وهن منازله في سيره إلى الله عز وجل وليس له منزلة غيرها فأما مخالفة الهوى فلم يجعل الله للجنة طريقا غير مخالفته ولم يجعل للنار طريقا غير متابعته قال الله تعالى: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} وقال تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قيل هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا ومقامه بين يديه في الآخرة فيتركها لله وقد أخبر سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيله فقال الله تعالى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 401 {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} ثم ذكر مآل الضالين عن سبيله ومصيرهم فقال إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب وأخبر سبحانه أن باتباع الهوى يطبع على قلب العبد فقال أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العاجز هو الذي اتبع هواه وتمنى على الله وذكر الإمام أحمد من حديث راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع" وذكر من حديث جعفر بن حيان عن أبي الحكم عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى" وفي نسخة كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتي حكم جائر وزلة عالم وهوى متبع" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 402 وقيل لبعض الحكماء أي الأصحاب أبر قال العمل الصالح قيل فأي شيء أضر قال النفس والهوى وقال بعض الحكماء إذا اشتبه عليك أمران فانظر أقربهما من هواك فاجتنبه وأتي بعض الملوك بأسير عظيم الجرم فقال لو كان هواي في العفو عنك لخالفت الهوى إلى قتلك ولكن لما كان هواي في قتلك خالفته إلى العفو عنك وقال الهيثم بن مالك الطائي سمعت النعمان بن بشير يقول علىالمنبر إن للشيطان فخوخا ومصالي وإن من مصالي الشيطان وفخوخه البطر بأنعم الله والفخر بإعطاء الله والكبرياء على عباد الله واتباع الهوى في غير ذات الله وفي المسند وغيره من حديث قتادة عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه والمنجيات تقوى الله تعالى في السر والعلانية والعدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى" وفي جامع الترمذي من حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد بغى وعتا ونسي المبدأ والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد طمع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 403 يقوده بئس العبد عبد هوى يضله بئس العبد عبد رغب يذله" وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن العبد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به فيكون هواه تابعا لا متبوعا فمن اتبع هواه فهواه متبوع له ومن خالف هواه لما جاء به الرسول فهواه تابع له فالمؤمن هواه تابع له والمنافق الفاجر هواه متبوع له وقد حكم الله تعالى لتابع هواه بغير هدى من الله أنه أظلم الظالمين فقال الله عز وجل: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} وأنت تجد تحت هذا الخطاب أن الله لا يهدي من اتبع هواه وجعل سبحانه وتعالى المتع قسمين لا ثالث لهما إما ما جاء به الرسول وإما الهوى فمن اتبع أحدهما لم يمكنه اتباع الآخر والشيطان يطيف بالعبد من أين يدخل عليه فلا يجد عليه مدخلا ولا إليه طريقا إلا من هواه فلذلك كان الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله وإنما تطاق مخالفة الهوى بالرغبة في الله وثوابه والخشية من حجابه وعذابه ووجد حلاوة الشفاء في مخالفة الهوى فإن متابعته الداء الأكبر ومخالفته الشفاء الأعظم وقيل لأبي القاسم الجنيد متى تنال النفوس مناها فقال إذا صار داؤها دواها فقيل له ومتى يصير داؤها دواها فقال إذا خالفت هواها ومعنى قوله يصير الجزء: 1 ¦ الصفحة: 404 داؤها دواها أن داءها هو الهوى فإذا خالفته تداوت منه بمخالفته وقيل إنما سمي هوى لأنه يهوى بصاحبه إلى أسف السافلين والهوى ثلاثة أرباع الهوان وهو شارع النار الأكبر كما أن مخالفته شارع الجنة الأعظم وقال أبو دلف العجلى واسوأتا لفتى له أدب ... يضحى هواه قاهرا أدبه يأتي الدنية وهو يعرفها ... فيشين عرضا صائنا أربه فإذا ارعوى عادت بصيرته ... فبكى على الحين الذي سلبه وقال ابن المرتفق الهذلي أين لي ما ترى والمرء يأتي ... عزيميته ويغلبه هواه فيعمى ما يرى فيه عليه ... ويحسب من يراه لا يراه فصل وأما الرغبة في الله وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه فهي رأس مال العبد وملاك أمره وقوام حياته الطيبة وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه ولذلك خلق وبه أمر وبذلك أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده كما قال الله تعالى {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} وقال تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 405 اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} والراغبون ثلاثة أقسام راغب في الله وراغب فيما عند الله وراغب عن الله فالمحب راغب فيه والعامل راغب فيما عنده والراضي بالدنيا من الآخرة راغب عنه ومن كانت رغبته في الله كفاه الله كل مهم وتولاه في جميع أموره ودفع عنه مالا يستطيع دفعه عن نفسهووقاه وقاية الوليد وصانه من جميع الآفات ومن آثر الله على غيره آثره الله على غيره ومن كان لله كان الله له حيث لا يكون لنفسه ومن عرف الله لم يكن شيء أحب إليه منه ولم تبق له رغبة فيما سواه إلا فيما يقربه إليه ويعينه على سفره إليه ومن علامات المعرفة الهيبة فكلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه كما قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} أي العلماء به وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية" ومن عرف الله صفا له العيش وطابت له الحياة وهابه كل شيء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله واستوحش من الناس وأورثته المعرفة الحياء من الله والتعظيم له والإجلال والمراقبة والمحبة والتوكل عليه والإنابة إليه والرضا به والتسليم لأمره وقيل للجنيد رحمه الله تعالى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 406 إن ها هنا أقواما يقولون إنهم يصلون إلى البر بترك الحركات فقال هؤلاء تكلموا بإسقاط الأعمال وهو عندي عظيم والذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإلى الله رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر شيئا وقال لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤه البر والفاجر وكالمطر يسقى ما يحب ومالا يحب وقال يحيى بن معاذ يخرج العارف من الدنيا ولا يقضي وطره من شيئين بكاؤه على نفسه وشوقه إلى ربه وقال بعضهم لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن الله طرفة عين وقيل العارف أنس بالله فاستوحش من غيره وافتقر إلى الله فأغناه عن خلقه وذل لله فأعزه في خلقه وقال أبو سليمان الداراني يفتح للعارف على فراشه مالا يفتح له وهو قائم يصلي وقال ذو النون لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر الله وبالجملة فحياة القلب مع الله لا حياة له بدون ذلك أبدا ومتى واطأ اللسان القلب في ذكره وواطأ القلب مراد حبيبه منه واستقل له الكثير من قوله وعمله واستكثر له القليل من بره ولطفه وعانق الطاعة وفارق المخالفة وخرج عن كله لمحبوبه فلم يبق منه شيء وامتلأ قلبه بتعظيمه وإجلاله وإيثار رضاه وعز عليه الصبر عنه وعدم القرار دون ذكره والرغبة إليه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 407 والاشتياق إلى لقائه ولم يجد الأنس إلا بذكره وحفظ حدوده وآثره على غيره فهو المحب حقا وقال الجنيد سمعت الحارث المحاسبي يقول المحبة ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك ثم موافقتك له سرا وجهرا ثم علمك بتقصيرك في حبه وقيل المحبة نار في القلب تحرق ما سوى مراد الحبيب من محبه وقيل بل هي بذل المجهود في رضا الحبيب ولا تصح إلا بالخروج عن رؤية المحبة إلى رؤية المحبوب وفي بعض الآثار الإلهية عبدي أنا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لي محبا وقال عبد الله بن المبارك من أعطي شيئا من المحبة ولم يعط مثله من الخشية فهو مخدوع وقال يحيى بن معاذ مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب وقال أبو بكر الكتاني جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا هات ما عندك يا عراقي فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرق قلبه أنوار هويته وصفا شربه من كأس وده فإن تكلم فبالله وإن نطق فمن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكت فمع الله فهو بالله ولله ومع الله فبكى الشيوخ وقالوا ما على هذا مزيد جبرك الله يا تاج العارفين وقيل أوحى الله إلى داود عليه السلام يا داود إني حرمت على القلوب بان يدخلها حبي وحب غيري فأجمع العارفون كلهم أن المحبةلا تصح إلا بالموافقة حتى قال بعضهم حقيقة الحب موافقة المحبوب في مراضيه ومساخطه واتفق القوم أن المحبة لا تصح إلا بتوحيد المحبوب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 408 ويحكى أن رجلا ادعى الاستهلاك في محبة شخص فقال له كيف وهذا أخي أحسن مني وجها وأتم جمالا فالتفت الرجل إليه فدفعه الشاب قال من يدعي هوانا ينظر إلى سوانا وذكرت المحبة عند ذي النون فقال كفوا عن هذه المسألة لا تسمعها النفوس فتدعيها ثم أنشأ يقول الخوف أولى بالمسي ... ء إذا تأله والحزن والحب يجمل بالتق ... ي وبالنقي من الدرن وقال سمنون ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال المرء مع من أحب فهم مع الله في الدنيا والآخرة وقال يحيى بن معاذ ليس بصادق من ادعى محبته ثم لم يحفظ حدوده فصل فالمحبة شجرة في القلب عروقها الذل للمحبوب وساقها معرفته وأغصانها خشيته وورقها الحياء منه وثمرتها طاعته ومادتها التي تسقيها ذكره فمتى خلا الحب عن شيء من ذلك كان ناقصا وقد وصف الله سبحانه نفسه بأنه يحب عباده المؤمنين ويحبونه فأخبر أنهم أشد حبا لله ووصف نفسه بأنه الودود وهو الحبيب قاله البخاري والود خالص الحب فهو يود عباده المؤمنين ويودونه وقد روى البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه ربه عز وجل أنه قال: "من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 409 ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ترددت عن شي أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه" وفي لفظ في غير البخاري "فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا" فتأمل كمال الموافقة في الكراهةكيف اقتضى كراهة الرب تعالى لمساءة عبده بالموت لما كره العبد مساخط ربه وكمال الموافقة في الإرادة كيف اقتضى موافقته في قضاء حوائجه وإجابة طلباته وإعاذته مما استعاذ به كما قالت عائشة رضي الله عنها للنبي ما أرى ربك إلا يسارع في هواك وقال له عمه أبو طالب يا ابن أخي ما أرى ربك إلا يطيعك فقال له وأنت يا عم لو أطعته أطاعك وفي تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} قال حبيبا قريبا إذا سأله أعطاه وإذا دعاه أجابه وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام يا موسى كن لي كما أريد أكن لك كما تريد وتأمل هذه الباء في قوله فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي كيف تجدها مبنية لمعنى قوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به إلى آخره فإن سمع سمع بالله وإن أبصر أبصر به وإن بطش بطش به وإن مشى مشى به وهذا تحقيق قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 410 مُحْسِنُونَ} وقوله {و َإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} وقوله {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} وقوله فيما رواه عنه رسوله من قوله أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه وهذا ضد قوله {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} فالصحبة التي نفاها ها هنا هي التي أثبتها لأحبابه وأوليائه فتأمل كيف جعل محبته لعبده متعلقة بأداء فرائضه وبالتقرب إليه بالنوافل بعدها لا غير وفي هذا تعزية لمدعي محبته بدون ذلك أنه ليس من أهلها وإنما معه الأماني الباطلة والدعاوي الكاذبة وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وفي لفظ لمسلم إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال إني أحب فلانا فأحبه قال فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه قال فيبغضه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه ثم يوضع له البغضاء في الأرض" وفي لفظ آخر لمسلم عن سهيل بن أبي صالح قال كنا بعرفة فمر عمر بن عبد العزيز وهو الجزء: 1 ¦ الصفحة: 411 على الموسم فقام الناس ينظرون إليه فقلت لأبي يا أبت إني أرى الله يحب عمر بن عبد العزيز قال وما ذاك قلت لما له من الحب في قلوب الناس فقال إني سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الحديث وأخرجه الترمذي ثم زاد في آخره فذلك قول الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} انتهى وقال بعض السلف في تفسيرها يحبهم ويحببهم إلى عباده وفي الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال "وما أعددت لها قال لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله فقال أنت مع من أحببت" قال أنس رضي الله عنه فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت قال أنس فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل أعمالهم وفي الترمذي عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "المرء مع من أحب وله ما اكتسب" وفي سنن أبي داود عنه قال رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشد منه قال رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يحب الرجل على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" وهذه المحبة لله توجب المحبة في الله قطعا فإن من محبة الحبيب المحبة فيه والبغض فيه وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله تعالى يوم القيامة أين المتحابون الجزء: 1 ¦ الصفحة: 412 بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" وفي جامع أبي عيسى الترمذي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله عز وجل المتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء" وفي لفظ لغيره "المتحابون بجلال الله يكونون يوم القيامة على منابر من نور يغبطهم أهل الجمع" وفي الموطأ من حديث أبي إدريس الخولاني قال دخلت مسجد دمشق فإذا فتى براق الثنايا والناس حوله فإذا اختلفوا في شيء اسندوه إليه وصدروا عن رأيه فسألت عنه فقالوا هذا معاذ بن جبل فلما كان الغد هجرت إليه فوجدته قد سبقني بالتهجير ووجدته يصلي فانتظرته حتى قضى صلاته ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه ثم قلت والله إني لأحبك في الله فقال آلله قلت الله فقال آلله فقلت الله فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله تبارك وتعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في وفي سنن أبي داود من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 413 وفيه أيضا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبرنا من هم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور ولا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ هذه الآية {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} " وفي لفظ لغيره "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء بمكانهم من الله قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم صفهم لنا حلهم لنا لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال تباذلوها ولا أرحام تواصلوها هم نور ووجوههم نور وعلى كراسي من نور لا يخافون إذاخاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ هذه الآية {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} " وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية قال لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أني أحبه في الله تعالى قال فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه" الجزء: 1 ¦ الصفحة: 414 وقال رجل لمعاذ بن جبل إني أحبك في الله قال أحبك الذي أحببتني له وفي سنن أبي داود أن رجلا كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر رجل فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأحب هذا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعلمته" قال لا قال " أعلمه" فلحقه فقال إني أحبك في الله قال أحبك الذي أحببتني له" وفيها أيضا عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه" وفي الترمذي من حديث يزيد بن نعامة الضبي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا آخى الرجل الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو فإنه أوصل للمودة" وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" وقال الإمام أحمد حدثنا حجاج بن محمد الترمذي حدثنا شريك عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل عن عمار بن ياسر أن أصحابه كانوا ينتظرونه فلما خرج قالوا ما أبطأك عنا أيها الأمير قال أما إني سوف أحدثكم أن أخا لكم ممن كان قبلكم وهو موسى قال يا رب حدثني بأحب الناس إليك قال ولم قال لأحبه بحبك إياه قال عبد في أقصى الأرض أو طرف الأرض سمع به عبد آخر في أقصى أو طرف الأرض الجزء: 1 ¦ الصفحة: 415 لا يعرفه فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته لا يحبه إلا لي فذلك أحب خلقي إلي قال يا رب خلقت خلقا تدخلهم النار أو تعذبهم فأوحى الله إليه كلهم خلقي ثم قال أزرع زرعا فزرعه فقال اسقه فسقاه ثم قال قم عليه فقام عليه ما شاء الله من ذلك فحصده ورفعه فقال ما فعل زرعك يا موسى قال فرغت منه ورفعته قال ما تركت منه شيئا قال مالا خير فيه أو مالا حاجة لي فيه قال فكذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه فصل ولو لم يكن في محبة الله إلا أنها تنجي محبه من عذابه لكان ينبغي للعبد أن لا يتعوض عنها بشيء ابدا وسئل بعض العلماء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فقال ي قوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ} الآية وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن يونس عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله لا يعذب الله حبيبه ولكن قد يبتليه في الدنيا وقال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا أبو غالب قال بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالمقت لهم والتمسوا رضاه بسخطهم قالوا يا نبي الله فمن نجالس قال جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقه ومن تذكركم بالله رؤيته ويزهدكم في دنياكم علمه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 416 ويكفي في الإقبال على الله تعالى ثوابا عاجلا أن الله سبحانه وتعالى يقبل بقلوب عباده إلى من أقبل عليه كما أنه يعرض بقلوبهم عمن أعرض عنه فقلوب العباد بيد الله لا بأيديهم وقال الإمام أحمد حدثنا حسن في تفسير شيبان عن قتادة قال ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول ما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله عز وجل بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم وقد روى هذا مرفوعا ولفظه "وما أقبل عبد على الله بقلبه إلا أقبل الله غعز وجل عليه بقلوب عباده وجعل قلوبهم تفد إليه بالود والرحمة وكان الله بكل خير إليه أسرع" وإذا كانت القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وكل إحسان وصل إلى العبد فمن الله عز وجل كما قال الله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} فلا ألأم ممن شغل قلبه بحب غيره دونه" قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية قال حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد الله بن الحارث قال أوحى الله إلى داود عليه السلام يا داود أحببني وحبب عبادي إلي وحببني إلى عبادي قال يا رب هذا أنا أحبك وأحبب عبادك إليك فكيف أحببك إلى عبادك قال تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن ومن أفضل ما سئل الله عز وجل حبه وحب من يحبهوحب عمل يقرب إلى حبه ومن أجمع ذلك أن يقول اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 417 فيما تحب وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب اللهم اجعل حبك أحب إلي من أهلي ومالي ومن الماء البارد على الظمأ اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وأنبيائك ورسلك وعبادك الصالحين واجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك وأنبياءك ورسلك وعبادك الصالحين اللهم أحي قلبي بحبك واجعلني لك كما تحب اللهم اجعلني أحبك بقلبي كله وأرضيك بجهدي كله اللهم اجعل حبي كله لك وسعيي كله في مرضاتك وهذا الدعاء هو فسطاط خيمة الإسلام الذي قيامها به وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائمون بحقيقة ذلك هم الذين هم بشهادتهم قائمون والله سبحانه تعرف إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له فإن القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به والله سبحانه وتعالى له الكمال المطلق من كل وجه الذي لا نقص فيه بوجه ما وهو سبحانه الجميل الذي لا أجمل منه بل لو كان جمال الخلق كلهم على رجل واحد منهم وكانوا جميعهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم قط نسبة إلى جمال الله بل كانت النسبة أقل من نسبة سراج ضعيف إلى حذاء جرم الشمس {ولله المثل الأعلى} وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله "إن الله جميل يحب الجمال" عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر بن الخطاب وثابت بن قيس وأبو الدرداء وأبو هريرة وأبو ريحانه رضي الله عنهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 418 ومن أسمائه الحسنى الجميل ومن أحق بالجمال ممن كل جمال في الوجود فهو من آثار صنعه فله جمال الذات وجمال الأوصاف وجمال الأفعال وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى وصفاته كلها كمال وأفعاله كلها جميلة فلا يستطيع بشر النظر إلى جلاله وجماله في هذه الدار فإذا رأوه سبحانه في جنات عدن أنستهم رؤيته ماهم فيه من النعيم فلا يلتفتون حينئذ إلى شيء غيره ولولا حجاب النور على وجهه لأحرقت سبحات وجهه سبحانه وتعالى ما انتهى إليه بصره من خلقه كما في صحيح البخاري من حديث أبو موسى رضي الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليس عند ربكم ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه وإن مقدار كل يوم من أيامكم عند الله اثنتا عشرة ساعة فتعرض عليه أعمالكم بالأمس فتعرض عليه أول النهار أو اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات فيطلع منها على بعض ما يكره فيغضبه ذلك فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش يجدونه يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة وينفخ جبريل في القرن فلا يبقى شيء إلا الثقلين الجن والإنس فيسبحونه ثلاث ساعات حتى يمتلىء الرحمن رحمة فتلك ست ساعات ثم يؤتى بما في الأرحام فينظر فيها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 419 ثلاث ساعات فيصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم فتلك تسع ساعات ثم ينظر في أرزاق الخلق كلهم ثلاث ساعات فيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ثم قرأ {كل يوم هو في شأن} ثم قال عبد الله هذا من شأنكم وشأن ربكم تبارك وتعالى رواه عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري عن ابن مسعود رضي الله عنه رواه الحسن ابن إدريس عن خالد بن الهياج عن أبيه عن عباد بن كثير عن جعفر بن الحارث عن معدان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال إن ربكم ليس عنده نهار ولا ليل وإن السموات مملوءات نورا من نور الكرسي وإن يوما عند ربك اثنتا عشرة ساعة فترفع فيها أعمال الخلائق في ثلاث ساعات فيرى فيها ما يكره فيغضبه ذلك وإن أول من يعلم بغضبه حملة العرش يرونه يثقل عليهم فيسبحون له ويسبح له سرادقات العرش في ثلاث ساعات من النهار حتى يمتلىء ربنا رضا فتلك ست ساعات من النهار ثم يأمر بأرزاق الخلائق فيعطى من يشاء في ثلاث ساعات من النهار فتلك تسع ساعات ثم يرفع إليه أرحام كل دابة فيخلق فيها ما يشاء ويجعل المدة لمن يشاء في ثلاث ساعات من النهار فتلك اثنتا عشرة ساعة ثم تلا ابن مسعود رضي الله عنه هذه الآية {كل يوم هو في شأن} هذا من شأن ربنا تبارك وتعالى وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي دعا به يوم الطائف "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 420 لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك" وإذا جاء سبحانه وتعالى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده تشرق لنوره الأرض كلها كما قال الله تعالى وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وقول عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه نور السموات والأرض من نور وجهه تفسير لقوله تعالى الله نور السموات والأرض وفي الصحيحين من حديث أبي بكر رضي الله عنه في استفتاح النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن" وفي سنن ابن ماجة وحرب السكرماني من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله {سلام قولا من رب رحيم} فيرفعون رؤوسهم فينظرون إليه وينظر إليهم ولا يلتفتون إلى شيء من النعيم حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم وعلى ديارهم ومنازلهم لفظ حديث حرب فما ظن المحبين بلذة النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" ذكره الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه فاسمع الآن شأن أوليائه وأحبائه عند لقائه ثم اختر لنفسك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 421 أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي قال هشام بن حسان عن الحسن إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى نسوا نعيم الجنة وقال هشام بن عمار حدثنا محمد بن سعيد بن سابور حدثنا عبد الرحمن بن سليمان حدثنا سعيد بن عبد الله الجرشي القاضي أنه سمع أبا إسحاق الهمداني يحدث عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول يا أهل الجنة إن ربكم يقرئكم السلام ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة وهو أبطح الجنة تربته المسك وحصباؤه الدر والياقوت وشجره الذهب الرطب وورقه الزمرد فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين فثم يجمعهم وثم كرامة الله والنظر إلى وجهه وهو موعد الله أنجزه لهم فيأذن الله لهم في السماع والأكل والشرب ويكسون حلل الكرامة ثم ينادي مناد يا أولياء الله هل بقي مما وعدكم الله ربكم شيء فيقولون لا وقد أنجزنا ما وعدنا فما بقي شيء إلا النظر إلى وجهه فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في حجب فيقول يا جبريل ارفع حجابي لعبادي كي ينظروا إلى وجهي قال فيرفع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 422 الحجاب الأول فينظرون إلى نور من نور الرب فيخرون له سجدا فيناديهم الرب يا عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب فيرفع الحجاب الثاني فينظرون أمرا هو أعظم وأجل فيخرون لله حامدين ساجدين فيناديهم الرب أن ارفعوا رؤوسكم إنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب ونعيم مقيم فيرفع الحجاب الثالث فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين فيقولون حين ينظرون إلى وجهه سبحانك ما عبدناك حق عبادتك فيقول كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتكم داري فيأذن الله للجنة أن تكلمي فتقول طوبى لمن سكنني وطوبى لمن يخلد في وطوبي لمن أعددت له وذلك قوله تعالى {طوبى لهم وحسن مآب} وقوله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" وذكر عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا أبو الربيع حدثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال ما نظر الله إلى الجنة إلا قال طيبي لأهلك فزادت طيبا على ما كانت وما من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 423 يوم كان عيدا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة ويبرز لهم الرب تبارك وتعالى وينظرون إليه وتسفى عليهم الريح بالطيب والمسك فلا يسألون ربهم تبارك وتعالى شيئسا إلا أعطاهم فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا على ما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفا وقال عبد بن حميد أخبرني شبابة عن إسرائيل حدثنا ثوير بن أبي فاختة سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر إلى خدمه ونعيمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية " ثم تلا هذه الآية {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} رواه الترمذي في جامعه عنه وذكر عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أهل الجنة إذا بلغ منهم النعيم كل مبلغ وظهنوا أن لا نعيم أفضل منه تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فنظروا إلى وجه الرحمن فنسوا كل نعيم عاينوه حين نظروا إلى وجه الرحمن" وقال الحسن البصري في قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة قال حسنها الله تعالى بالنظر إليه سبحانه وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى ربها عز وجل قال أبو سليمان الداراني لو لم يكن لأهل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 424 المحبة أو قال المعرفة إلا هذه الآية {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} لاكتفوا بها وذكر النسائي من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة قال " هل تضامون فى رؤية الشمس في يوم لا غيم فيه وفي القمر ليلة البدر لا غم فيها قلنا لا قال فإنكم سترون ربكم حتى إن أحدكم ليحاضره محاضرة فيقول عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا فيقول يارب ألم تغفر لي فيقول بمغفرتي صرت إلى هذا" وفي الصحيحين من حديث مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا رب وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا" وفي الصحيح والسنن والمساند من حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 425 عند الله موعدا يريد أن ينجز كموه فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلن ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم وفي صحيح البخاري من حديث جرير بن عبد الله قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" وفي الصحيحين من حديث الزهرى عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل تضارون في القمر ليلة البدر قالوا لا يارسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال فهل تضارون في الشمس ليس دوننا سحاب قالوا لايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإنكم ترونه كذلك وفي لفظ فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما" وقال الترمذي حدثنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ليتبع كل إنسان ما كان يعبد فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره الجزء: 1 ¦ الصفحة: 426 فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين تبارك وتعالى فيقول ألآ تتبعون الناس فيقولون نعود بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا هذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع عليهم فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك نعوذ بالله منك ألله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم قالوا وهل نراه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم لا تضارون في رؤيته تلك الساعة قال ثم يتوارى ثم يطلع فيعرفهم نفسه ثم يقول أنا ربكم فاتبعوني فيقوم المسلمون ويوضع الصراط فيمرون عليه مثل جياد الخيل والركاب وقولهم عليه سلم سلم ويبقى أهل النار فيطرح منهم فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد ثم يطرح فيها فوج فيقال هل امتلأت فتقول هل من مزيد حتى إذا أوعبوا فيها وضع الرحمن تبارك وتعالى فيها قدمه فأزوى بعضها إلى بعض وقالت قط قط فإذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت ملبيا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة واهل النار ثم يقال يا أهل الجنةفيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لأهل الجنة والنار هل تعرفون هذا فيقولون هؤلاء وهؤلاء قد عرفناه هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبجا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 427 على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وأصله في الصحيحين لكن هذا السياق أجمع وأخصر وفي لفظ الترمذي فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار وفي مسند الحارث بن أبي أسامة من حديث قرة عن مالك عن زياد بن سعد حدثنا أبو الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم فجئنا آخر الناس فيقول قائل من الناس من هذه الأمة قال فيشرف إلينا الناس فيقال هذه الأمة الأمينة هذه أمة محمد وهذا محمد في أمته فينادي مناد إنكم الآخرون الأولون قال فنأتي فنتخطى رقاب الناس حتى نكون أقرب الناس إلى الله تعالى منزلة ثم يدعى الناس كل أناس بإمامهم فيدعى اليهود فيقال من أنتم فيقولون نحن اليهود فيقول من نبيكم فيقولون نبينا موسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتابنا التوراة فيقول ما تعبدن فيقولون نعبد عزيرا ونعبد الله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهم في جهنم ثم يدعى النصارى فيقول من أنتم فيقولون نحن النصارى فيقول من نبيكم فيقولون نبينا عيسى فيقول ما كتابكم فيقولون كتبنا الإنجيل فيقول ما تعبدون فيقولون نعبد عيسى وأمه والله فيقول للملإ حوله اسلكوا بهؤلاء في جهنم فيدعى عيسى فيقول الجزء: 1 ¦ الصفحة: 428 لعيسى يا عيسى ءأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله فيقول سبحانك ما يكون لي أن أقول مال ليس لي بحق إلى قوله {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ثم يدعى كل أناس بإمامهم وما كانوا يعبدون ثم يصرخ الصارخ أيها الناس من كان يعبد إلها فليتبعه تقدمهم آلهتهم منها الخشب والحجارة ومنها الشمس والقمر ومنها الدجال حتى تبقى المسلمون فيقف عليهم فيقول من أنتم فيقولون نحن المسلمون قال قال خير اسم وخير داعية فيقول من نبيكم فيقولون محمد فيقول ما كتابكم فيقولون القرآن فيقول ما تعبدون! فيقولون نعبد الله وحده لا شريك له قال سينفعكم ذلك إن صدقتم قالوا هذا يومنا الذي وعدنا فيقول أتعرفون الله إذا رأيتموه فيقولون نعم فيقول وكيف تعرفونه ولم تروه فيقولون نعلم أنه لا عدل له قال فيتجلى لهم تبارك وتعالى فيقولون أنت ربنا تباركت اسماؤك ويخرون له سجدا ثم يمضى النور بأهله " وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه من حديث أبي الزبير قال سألت جابرا عن الورود فأخبرني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نجيء يوم القيامة على كوم فوق الناس فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد ألأول فالأول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول ما تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك فيتبعونه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 429 وذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن أبا بردة بن أبي موسى الأشعري أتى عمر بن عبد العزيز فقال حدثنا أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يقحموهم النار ثم يأتينا ربنا ونحن في مكان فيقول من أنتم فبقول نحن المؤمنون فيقول ما تنتظرون فنقول ننتظر ربنا فيقول من أين تعلمون انه ربكم فنقول حدثتنا الرسل أو جاءتنا الكتب فيقول هل تعرفونه فيقولون نعلم أنه لا عدل فيتجلى لنا ضاحكا ثم يقول أبشروا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فقال عمر لأبي بردة آلله لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إي والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت أبي يذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثا فقال عمر بن عبد العزيز ما سمعت في الإسلام حديثا هو أحب إلي منه وفي الترمذي من حديث الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن سعيد ابن المسيب أنه لقي أبا هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة أسأل الله تعالى أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة فقال سعيد أو فيها سوق قال نعم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله تبارك وتعالى فيبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور الجزء: 1 ¦ الصفحة: 430 ومنار من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم دنيءعلى كثبان المسك والكافور ما يرون أن أهل الكراسي أفضل منهم مجلسا قال أبو هريرة قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل نرى ربنا يوم القيامةقال: "نعم هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر قلنا لا قال كذلك لا تمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله تعالى محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم كذا عملت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته في الدنيا فيقول يا رب ألم تغفر لي فيقول بلى فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه فبيناهم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ثم يقول قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة فيه مالم تنظرالعيون إلى مثله ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب فيحمل إلينا ما اشتهينا ليس يباع فيه شيء ولا يشترى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضا فيقبل الرجل ذو المنزلة الرفيعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف إلى منازلنا فتتلقانا أزواجنا فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 431 بك من الجمال والطيب أكثر مما فارقتنا عليه فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا" وقال يعقوب بن سفيان في مسنده حدثنا ابن المصفى حدثنا سويد بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يزور أهل الجنة الرب تبارك وتعالى في كل يوم جمعة وذكر ما يعطون قال ثم يقول الله تعالى اكشفوا الحجب فيكشفوا حجابا ثم حجابا حتى يتجلى لهم عن وجهه تبارك وتعالى وكأنهم لم يرو نعمة قبل ذلك وهو قول الله تعالى: {ولدينا مزيد} " وذكر عثمان بن سعيد الدارمي من حديث الحسن رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا أنه قال: "يأتينا ربنا يوم القيامة ونحن على مكان رفيع فيتجلى لنا ضاحكا" مرسل صحيح وقال عثمان الدارمي حدثنا أبو موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا الأجلح حدثنا الضحاك بن مزاحم قال إن الله يأمر السماء يوم القيامة فتنشق بمن فيها فيحيطون بالأرض ومن فيها ثم يأمر السماء الثانية حتى ذكر سبع سموات فيكونون سبعة صفوف قد أحاطوا بالناس ثم ينزل الملك الأعلى جل جلاله في بهائه وجماله معه ماشاء من الملائكة وقال عثمان بن سعيد حدثنا هشام بن خالد الدمشقي وكان ثقة حدثنا محمد بن شعيب بن شاور حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن أنس بن مالك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 432 رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جاءني جبريل وفي كفه مرآة فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة أرسل بها إليك ربك فتكون هدى لك ولأمتك من بعدك فقلت ومالنا فيها قال لكم فيها خير كثير أنتم الآخرون السابقون يوم القيامة وفيها ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله خيرا هو له قسم إلا أتاه ولا خيرا ليس له بقسم إلا دخر له أفضل منه ولا يستعيذ بالله ما هو مكتوب عليه إلا دفع عنه أكثر منه قلت ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة يوم تقوم القيامة وهو سيد الأيام ونحن نسميه عندنا يوم المزيد قلت ولم تسمونه يوم المزيد يا جبريل قال لأن ربك اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة من أيام الآخرة هبط الجبار عن عرشه إلى كرسيه إلى ذلك الوادي وقد حف الكرسي بمنابر من نور يجلس عليها الصديقون والشهداء يوم القيامة ثم يجيء أهل الغرف حتى يحفوا بالكثيب ثم يبدو لهم ذو الجلال والإكرام تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وأحللتكم دار كرامتي فسلوني فيقولون بأجمعهم نسألك الرضا عنا فيشهد لهم على الرضا ثم يقول لهم سلوني فيسألونه حتى ينتهي نهمة كل عبد منهم ثم يقول سلوني فيقولون حسبنا ربنا رضينا فيرجع الجبار جل جلاله إلى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 433 عرشه فيفتح لهم بقدر إشراقهم من يوم الجمعة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم وهي غرفة من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزمردة خضراء ليس فيها قصم ولا وصم مطردة أنهارها متدلية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها ومساكنها فليسوا إلى يوم أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فضلا من ربهم ورضوانا" رواه عن أنس جماعة منهم عثمان بن عمير بن اليقظان ومن طريقه رواه الشافعي في مسنده وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة ومنهم أبو صالح والزبير بن عدي وعلي بن الحكم البناني وعبد الملك بن عمير ويزيد الرقاشي وعبد الله بن بريدة كلهم عن أنس وصححه جماعة من الحفاظ وزاد الشافعي في مسنده في آخره وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش وساقه عثمان بن أبي شيبة من طرق وقال في بعضها: "ثم يتجلى لهم ربهم تبارك وتعالى فيقول أنا الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي وهذا محل كرامتي إلى أن قال ثم يرتفع على كرسيه ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم" وروى محمد بن الزبرقان عن مقاتل بن حيان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 434 ليحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا وذلك أنهم يزورون ربهم في كل جمعة فيقول لهم تمنوا فيقولون وما نتمنى وقد أدخلتنا الجنة وقد أعطيتنا ما أعطيتنا فيقال لهم تمنوا فيلتفتون إلى العلماء وذكر الحديث في قصة الجمعة وروى ابن منده من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة الجمعة بطولها وفيها يقول: "سلوني فيقولون أرنا وجهك رب العالمين ننظر إليك فيكشف الله تبارك وتعالى تلك الحجب ويتجلى لهم فينظرون إليه" وذكر عثمان الدارمي عن محمد بن كعب القرظي أنه حدث عمر بن عبد العزيز قال إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل في ظلل من الغمام والملائكة فيسلم على أهل الجنة في أول درجة فيردون عليه السلام قال القرظي وهذا في القرآن {سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} فيقول سلوني يفعل بهم ذلك في درجهم حتى يستوي على عرشه ثم تأتيهم التحف من الله تحمله الملائكة إليهم وقال عبد الواحد بن زيد عن الحسن لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا وقال هشام بن حسان عنه أنه تبارك وتعالى يتجلى لأهل الجنة فإذا رأوه نسوا نعيم الجنة أعجب الصبر صبر المحبين قال الشاعر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 435 والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه لا يحمد وقف رجل على الشبلي فقال أي الصبر أشد على الصابرين قال الصبر في الله فقال السائل لا فقال الصبر لله قال لا قال فالصبر مع الله قال لا قال فما هو قال الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تزهق قال الشاعر والصبر عنك فمذموم عواقبه ... والصبر في سائر الأشياء محمود الخوف يبعدك عن معصيته والرجاء يخرجك إلى طاعته والحب يسوقك إليه سوقا لما علم الله سبحانه أن قلوب المشتاقين إليه لا تهدأإلا بلقائه ضرب لهم أجلا للقاء تسكينا لقلوبهم فقال الله تعالى {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ} يامن شكى شوقه من طول فرقته ... إصبر لعلك تلقى من تحب غدا وسر إليه بنار الشوق مجتهدا ... عساك تلقى على نار الغرام هدى المحب الصادق كلما قرب من محبوبه زاد شوقا إليه وأعظم ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الخيام من الخيام كلما وقع بصر المحب على محبوبه أحدثت له رؤيته شوقا على شوقه ما يرجع الطرف عنه حين يبصره ... حتى يعود إليه الطرف مشتاقا المحب الصادق إذا سافر طرفه في الكون لم يجد له طريقا إلا على محبوبه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 436 فإذا انصرف بصره عنه رجع إليه خاسئا وهو حسير ويسرح طرفي في الأنام وينثني ... وإنسان عيني بالدموع غريق فيرجع مردودا إليك وماله ... على أحد إلا عليك طريق أقر شيء لعيون المحب خلوته بسره مع محبوبه حدثني من رأى شيخنا في عنفوان أمره خرج إلى البرية بكرة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم تمثل بقول الشاعر وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك القلب بالسر خاليا الشوق يحمل المحب على العجلة في رضا المحبوب والمبادرة إليها على الفور ولو كان فيها تلفه {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} قال بعضهم أراد شوقا إليك فستره بلفظ الرضا ولو قلت طأ في النار أعلم أنه ... رضا لك أو مدن لنا من وصالك لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلة من ضلالك ليهنك إمساكي بكفي على الحشا ... ورقراق عيني خشية من زيالك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 437 وإن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك من علامات المحبة الصادقة أن المحب لا يتم له سرور إلا بمحبوبه وما دام غائبا عنه فعيشه كله منغص نحن في أكمل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غيب ونحن حضور وقال آخر من سره العيد الجديد ... فقد عدمت به السرورا كان السرور يتم لي ... لو كان أحبابي حضورا لو قيل للمحب على الدوام ما تتمنى لقال لقاء المحبوب ولما نزلنا منزلا طله الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا وقال الجنيد سمعت السري يقول الشوق أجل مقام العارف إذا تحقق فيه وإذا تحقق بالشوق لها عن كل ما يشغله عمن يشتاق إليه وقيل أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قال لشبان بني إسرائيل لم تشغلون نفوسكم بغيري وأنا مشتاق إليكم ما هذا الجفاء ولو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم ومحبتي لترك معاصيهم لماتوا شوقا إلي وانقطعت أوصالهم من محبتي هذه إرادتي للمدبرين عني فكيف إرادتي للمقبلين علي وسئل الجنيد من أي شيء بكاء المحب إذا لقي المحبوب فقال إنما يكون ذلك سرورا به الجزء: 1 ¦ الصفحة: 438 ووجدا من شدة الشوق إليه قال ولقد بلغني أن أخوين تعانقا فقال أحدهما واشوقاه وقال الآخر وواجداه وكانت عجوز لها غائب فقدم من السفر فأظهر أهلها الفرح والسرور به فجعلت تبكي فقيل لها ما هذا البكاء فقالت ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله وقال بعض المحبين قلوب المشتاقين منورة بنور الله فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض فيعرضهم الله سبحانه وتعالى على الملائكة فيقول هؤلاء المشتاقون إلي أشهدكم أني إليهم أشوق فصل قال ابن أبي الحواري رحمه الله تعالى سئل أبو سليمان الداراني رحمه الله وأنا حاضر ما أقرب ما يتقرب به إلى الله عز وجل فبكى ثم قال مثلي يسأل عن هذا أقرب ما يتقرب به إليه أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو وقال يحيى بن معاذ النسك هو العناية بالسرائر وإخراج ما سوى الله من القلب وقال سهل بن عبد الله ما من ساعة إلا والله سبحانه يطلع فيها على قلوب العباد فأي قلب رأى فيه غيره سلط عليه إبليس وقال سهل بن عبد الله من نظر إلى الله عز وجل قريبا منه بعد عن قلبه كل شيء سوى الله ومن طلب مرضاته أرضاه الله سبحانه وتعالى ومن أحلم قلبه إلى الله تولى الله جوارحه وقال سهل أيضا حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله وحرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله وسئل يعضهم عن افضل الأعمال فقال رعاية السر عن الالتفات إلى شيء الجزء: 1 ¦ الصفحة: 439 سوى الله عز وجل وقال مسلم تركتموه وأقبل بعضكم على بعض لو أقبلتم عليه لرأيتم العجائب فصل فإن تقاصرت همتك الدنية عن ترك الفواحش محبة لهذا المحبوب الأعلى ولست هناك فاتركها محبة للنساء اللاتي وصفهن الله في كتابه وبعث رسوله داعيا إلى وصالهن في جنة المأوى وقد تقدم ذكر بعض صفاتهن ولذة وصالهن فإن تقاصرت همتك عنهن ولم تكن كفؤا لخطبتهن ودعتك نفسك إلى إيثار ما هاهنا عليهن فكن من عقوبته العاجلة والآجلة على حذر واعلم أن العقوبات تختلف فتارة تعجل وتارة توخر وتارة يجمع الله على العاصي بينهما وأشد العقوبات العقوبة بسلب الإيمان ودونها العقوبة بموت القلب ومحو لذة الذكر والقراءة والدعاء والمناجاة منه وربما دبت عقوبة القلب فيه دبيب الظلمة إلى أن يمتلئ القلب بهما فتعمى البصيرة وأهون العقوبة ما كان واقعا بالبدن في الدنيا وأهون منها ما وقع بالمال وربما كانت عقوبة النظر في البصيرة أو في البصر أو فيهما قال الفضيل يقول الله تعالى ابن آدم إذا كنت أقلبك في نعمتي وأنت تتقلب في معصيتي فاحذر لئلا أصرعك بين معاصيك ابن آدم اتقني ونم حيث شئت إنك إن ذكرتني ذكرتك وإن نسيتني نسيتك والساعة التي لا تذكرني فيها عليك لا لك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 440 وقال الفضيل أيضا ما يؤمنك أن تكون بارزت الله تعالى بعمل مقتك عليه فأغلق عنك أبواب المغفرة وأنت تضحك وقال علقمة بن مرثد بينا رجل يطوف بالبيت إذ برق له ساعد امرأة فوضع ساعده على ساعدها فالتذ به فلصقت ساعداهما فأتى بعض أولئك الشيوخ فقال ارجع إلى المكان الذي فعلت هذا فيه فعاهد رب البيت أن لا تعود فقعل فخلي عنه وقال ابن عباس وأنس رضي الله عنهم إن للحسنة نورا في القلب وزينا في الوجه وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة ظلمة في القلب وشينا في الوجه ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق وقال الحسن ما عصى الله عبد إلا أذله الله وقال المعتمر بن سليمان إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته وقال الحسن هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم وكان شيخ من الأعراب يدور على المجالس ويقول من سره أن تدوم له العافية فليتق الله وقال أبو سليمان الداراني من صفا صفا له ومن كدر كدر عليه ومن أحسن في ليله كفي في نهاره ومن أحسن في نهاره كفي في ليله ومن ترك لله شهوة من قلبه فالله أكرم أن يعذب بها قلبه وكتبت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى معاوية أما بعد فإن العامل إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما وقال محارب بن دثار إن الرجل ليذنب الذنب فيجد له في قلبه وهنا وقال الحسين بن مطير ونفسك أكرم عن أمور كثيرة ... فما لك نفس بعدها تستعيرها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 441 ولا تقرب الأمر الحرام فإنما ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها وكان سفيان الثوري يتمثل بهذين البيتين تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار فصل واعلم أن الجزاء من جنس العمل والقلب معلق بالحرام كلما هم أن يفارقه ويخرج منه عاد إليه ولهذا يكون جزاؤه في البرزخ وفي الآخرة هكذا وفي بعض طرق حديث سمرة بن جندب الذي في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على مثل بناء التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار فيه رجال ونساء عراة فإذا أوقدت النار ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا أخمدت رجعوا فيها فقلت من هؤلاء قال هم الزناة" فتأمل مطابقة هذا العذاب لحال قلوبهم في الدنيا فإنهم كلما هموا بالتوبة والإقلاع والخروج من تنور الشهوة إلى فضاء التوبة أركسوا فيه وعادوا بعد أن كادوا يخرجون ولما كان الكفار في سجن الكفر والشرك وضيقه وكانوا كلما هموا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 442 بالخروج منه إلى فضاء الإيمان وسعته وروحه رجعوا على حوافرهم كان عقوبتهم في الآخرة كذلك قال الله تعالى {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} وقال في موضع آخر {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} فالكفر والمعاصي والفسوق كله غموم وكلما عزم العبد أن يخرج منه أبت عليه نفسه وشيطانه ومألفه فلا يزال في غم ذلك حتى يموت فإن لم يخرج من غم ذلك في الدنيا بقي في غمه في البرزخ وفي القيامة وإن خرج من غمه وضيقه هاهنا خرج منه هناك فما حبس العبد عن الله في هذه الدار حبسه عنه بعد الموت وكان معذبا به هناك كما كان قلبه معذبا به في الدنيا فليس العشاق والفجرة والظلمة في لذة في هذه الدار وإنما هم يعذبون فيها وفي البرزخ وفي القيامة ولكن سكر الشهوة وموت القلب حال بينهم وبين الشعور بالألم فإذا حيل بينهم وبين ما يشتهون أحضرت نفوسهم الألم الشديد وصار يعمل فيها بعد الموت نظير ما يعمل الدود في لحومهم فالآلام تأكل أرواحهم غير أنها لا تفنى والدود يأكل جسومهم قال الإمام أحمد رضي الله عنه حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال حدثني عبد الصمد بن معقل حدثني وهب بن منبه قال كان حزقيل قائما فأتاه ملك فذكر حديثا طويلا وفيه أنه مر بقوم أموات فقيل له ادعهم فدعاهم فأحياهم الله له فقال سلهم فيم كنتم فقالوا لما فارقنا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 443 الحياة لقيا ملكا يقال له ميكائيل فقال هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم فذلك سنتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم فنظروا في أعمالنا فوجدونا نعبد الأوثان فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألم وسلط الغم على أرواحنا وجعلت الأجساد تألم فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 444 الباب السابع والعشرون: فيمن ترك محبوبه حراما فبذل له حلالا أو أعاذه الله خيرا منه عنوان هذا الباب وقاعدته أن من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه كما ترك يوسف الصديق عليه السلام امرأة العزيز لله واختار السجن على الفاحشة فعوضه الله أن مكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وأتته المرأة صاغرة سائلة راغبة في الوصل الحلال فتزوجها فلما دخل بها قال هذا خير مما كنت تريدين فتأمل كيف جزاه الله سبحانه وتعالى على ضيق السجن أن مكنه في الأرض ينزل منها حيث يشاء وأذل له العزيز امرأته وأقرت المرأة والنسوة ببراءته وهذه سنته تعالى في عباده قديما وحديثا إلى يوم القيامة ولما عقر سليمان بن داود عليهم السلام الخيل التي شغلته عن صلاة العصر حتى غابت الشمس سخر الله له الريح يسير على متنها حيث أراد ولما ترك المهاجرون ديارهم لله وأوطانهم التي هي أحب شيء إليهم أعاضهم الله أن فتح عليهم الدنيا وملكهم شرق الأرض وغربها ولو اتقى الله السارق وترك سرقة المال المعصوم لله لآتاه الله مثله حلالا قال الله تعالى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه إذا اتقاه بترك أخذ مالا يحل له رزقه الله من حيث لا يحتسب وكذلك الزاني الجزء: 1 ¦ الصفحة: 445 لو ترك ركوب ذلك الفرج حراما لله لأثابه الله بركوبه أو ركوب ما هو خير منه حلالا وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة إلى المرأة سهم من سهام إبليس مسموم من تركه خوف الله أثابه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه وقال عمر بن شبة حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن حدثنا أبو الحسن المدني عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نظر الرجل في محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادة تسره " وقال أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى بلغني عن بعض الأشراف أنه اجتاز بمقبرة فإذا جارية حسناء عليها ثياب سواد فنظر إليها فعلقت بقلبه فكتب إليها قد كنت أحسب أن الشمس واحدة ... والبدر في منظر بالحسن موصوف حتى رأيتك في أثواب ثاكلة ... سود وصدغك فوق الخد معطوف فرحت والقلب مني هائم دنف ... والكبد حرى ودمع العين مذروف الجزء: 1 ¦ الصفحة: 446 ردي الجوب ففيه الشكر واغتنمي ... وصل المحب الذي بالحب مشغوف ورمى بالرقعة إليها فلما قرأتها كتبت إن كنت ذا حسب زاك وذا نسب ... إن الشريف بغض الطرف معروف إن الزناة أناس لا خلاق لهم ... فاعلم بأنك يوم الدين موقوف واقطع رجاك لحاك الله من رجل ... فإن قلبي عن الفحشاء مصروف فلما قرأ الرقعة زجر نفسه وقال أليس امرأة تكون أشجع منك ثم تاب ولبس مدرعة من الصوف والتجأ إلى الحرم فبينا هو في الطواف يوما وإذا بتلك الجارية عليها درع من صوف فقالت له ما أليق هذا بالشريف هل لك في المباح فقال قد كنت أروم هذا قبل أن أعرف الله وأحبه والآن قد شغلني حبه عن حب غيره فقالت له أحسنت ثم طافت وهي تنشد فطفنا فلاحت في الطواف لوائح ... غنينا بها عن كل مرأى ومسمع وقال الحسن البصري كانت امرأة بغي قد فاقت أهل عصرها في الحسن لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار وإن رجلا أبصرها فأعجبته فذهب فعمل بيديه وعالج فجمع مائة دينار فجاء فقال إنك قد أعججبتني فانطلقت فعملت بيدي وعالجت حتى جمعت مائة دينار فقالت ادفعها إلىالقهرمان حتى ينقدها ويزنها فلما فعل قالت ادخل وكان لها بيت منجد وسرير من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 447 ذهب فقالت هلم لك فلما جلس منها مجلس الخائن تذكر مقامه بين يدي الله فأخذته رعدة وطفئت شهوته فقال أتركيني لأخرج ولك المائة دينار فقالت ما بدا لك وقد رأيتني كما زعمت فأعجبتك فذهبت فعالجت وكدحت حتى جمعت مائة دينار فلما قدرت علي فعلت الذي فعلت فقال ما حملني على ذلك إلا الفرق من الله وذكرت مقامي بين يديه قالت إن كنت صادقا فمالي زوج غيرك قال ذريني لأخرج قالت لا إلا أن تجعل لي عهدا أن تتزوجني فقال لا حتى أخرج قالت عليك عهد الله إن إنا أتيتك أن تتزوجني قال لعل فتقنع بثوبه ثم خرج إلى بلده وارتحلت المرأة بدنياها نادمة على ما كان منها حتى قدمت بلده فسألت عن اسمه ومنزله فدلت عليه فقيل له الملكة جاءت بنفسها تسأل عنك فلما رآها شهق شهقة فمات فأسقط في يدها فقالت أما هذا فقد فاتني أما له من قريب قيل بلى أخوه رجل فقير فقالت إني أتزوجك حبا لأخيك قال فتزوجته فولدت له سبعة أبناء وقال يحيى بن عامر التيمي خرج رجل من الحي حاجا فورد بعض المياه ليلا فإذا هو بامرأة ناشرة شعرها فأعرض عنها فقالت له هلم إلي فلم تعرض عني فقال إني أخاف الله رب العالمين فتجلببت ثم قالت هبت والله مهابا إن أولى من شركك في الهيبة لمن أراد أن يشركك في المعصية ثم ولت فتبعها فدخلت بعض خيام الأعراب قال فلما أصبحت أتيت رجلا من القوم فسألته عنها وقلت فتاة صفتها كذا وكذا فقال هي الجزء: 1 ¦ الصفحة: 448 والله ابنتي فقلت هل أنت مزوجي بها فقال على الأكفاء فمن أنت فقلت رجل من تيم الله قال كفو كريم فما رمت حتى تزوجتها ودخلت بها ثم قلت جهزوها إلى قدومي من الحج فلما قدمنا حملتها إلى الكوفة وهاهي ذي ولي منها بنون وبنات قال فقلت لها ويحك ما كان تعرضك لي حينئذ فقالت يا هذا ليس للنساء خير من الأزواج فلا تعجبن من امرأة تقول هويت فوالله لو كان عند بعض السودان ما تريده من هواها لكان هو هواها وقال الحسن بن زيد ولينا بديار مصر رجل فوجد على بعض عماله فحبسه وقيده فأشرفت عليه ابنة الوالي فهويته فكتبت إليه أيها الرامي بعينيه ... وفي الطرف الحتوف إن ترد وصلا فقد أمكنك ... الظبي الألوف فأجابها الفتى إن تريني زاني العينين ... فالفرج عفيف ليس إلا النظر الفا ... تر والشعر الظريف فأجابته قد أردناك فألفيناك ... إنسانا عفيفا فتأبيت فلا زلت ... لقيديك حليفا فأجابها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 449 ما تأبيت لأني ... كنت للظبي عيوفا غير أني خفت ربا ... كان بي برا لطيفا فذاع الشعر وبلغت القصة الوالي فدعا به فزوجه إياها ودفعها إليه وذكر أن رجلا أحب امرأة وأحبته فاجتمعا فراودته المرأة عن نفسه فقال إن أجلي ليس بيدي وأجلك ليس بيدك فربما كان الأجل قد دنا فنلقى الله عاصيين فقالت صدقت فتابا وحسنت حالهما وتزوجت به وذكر بكر بن عبد الله المزني أن قصابا ولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها أهلها إلى حاجة في قرية أخرى فتبعها فراودها عن نفسها فقالت لا تفعل لأنا أشد حبا لك مني ولكني أخاف الله قال فأنت تخافينه وأنا لا أخافه فرجع تائبا فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه فإذا هو برسول لبني إسرائيل فسأله فقال مالك قال العطش فقال تعال حتى ندعو الله حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية قال مالي من عمل فأدعوه قال فأنا أدعوه وأمن أنت فدعا وأمن الرجل فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فذهب القصاب إلى مكانه فرجعت السحابة معه فرجع إليه الرسول فقال زعمت أن ليس لك عمل وأنا الذي دعوت وأنت أمنت فأظلتنا سحابة ثم تبعتك لتخبرني ما أمرك فأخبره فقال الرسول إن التائب إلى الله يمكان ليس أحد من الناس بمكانه وقال يحيى بن أيوب كان بالمدينة فتى بعجب عمر بن الخطاب رضي الله عنه شأنه فانصرف ليلة من صلاة العشاء فتمثلت له امرأة بين يديه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 450 فعرضت له بنفسها ففتن بها ومضت فأتبعها حتى وقف على بابها فأبصر وجلا عن قلبه وحضرته هذه الآية {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} فخر مغشيا عليه فنظرت إليه المرأة فإذا هو كالميت فلم تزل هي وجارية لها يتعاونان عليه حتى ألقياه على باب داره فخرج أبوه فرآه ملقى على باب الدار لما به فحمله وأدخله فأفاق فسأله ما أصابك يا بني فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره فلما تلا الآية شهق شهقة فخرجت نفسه فبلغ عمر رضي الله عنه قصته فقال ألا آذنتموني بموته فذهب حتى وقف على قبره فنادى يا فلان {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} فسمع صوتا من داخل القبر قد أعطاني ربي يا عمر وذكر الحسن هذه القصة عن عمر رضي الله عنه على وجه آخر قال كان شاب على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملازما للمسجد والعبادة فهويته جارية فحدث نفسه بها ثم إنه تذكر وأبصر فشهق شهقة فغشي عليه منها فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه فأخبر عمر فأتاه وقد مات فقال لك جنتان وفي جامع الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان ذو الكفل لا يتورع من ذنب عمله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 451 فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا وأنت لم تفعليه قط ثم قال اذهبي والدنانير لك ثم قال والله لا يعصي الله ذوالكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لذي الكفل" قال الترمذي هذا حديث حسن وقال أبو هريرة وابن عباس رضي الله عنهم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته فقال في خطبته: "ومن قدر على امرأة أو جارية حراما فتركها مخافة من الله أمنه الله يوم الفزع الأكبر وحرمه على النار وأدخله الجنة" وقال مالك بن دينار جنات النعيم بين الفردوس وبين جنات عدن فيها جوار خلقن من ورد الجنة يسكنها الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا الله عز وجل راقبوه فانثنت رقابهم من خشية الله عز وجل قال ميمون بن مهران الذكر ذكران فذكر الله عز وجل باللسان حسن وأفضل منه أن تذكر الله عز وجل عندما تشرف على معاصيه وقال قتادة رضي الله عنه ذكر لنا أن نبي الله كان يقول لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله عز وجل إلا أبدله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك وقال عبيد بن عمير صدق الإيمان وبره أن يخلو الرجل بالمرأة الحسناء فيدعها لا يدعها إلا لله عز وجل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 452 وقال أبو عمران الجوني كان رجل من بني إسرائيل لا يمتنع من شيء فجهد أهل بيت من بني إسرائيل فأرسلوا إليه جارية منهم تسأله شيئا فقال لا أو تمكنيني من نفسك فخرجت فجهدوا جهدا شديدا فرجعت إليه فقالت أعطنا فقال لا أو تمكنيني من نفسك فرجعت فجهدوا جهدا كثيرا فأرسلوها إليه فقال لها ذلك فقالت دونك فلما خلا بها جعلت تنتفض كا تنتفض السعفة قال لها مالك قالت إني أخاف الله رب العالمين هذا شيء لم أصنعه قط قال أنت تخافين الله ولم تصنعيه وأفعله أعاهد الله أني لا أرجع إلى شيء مما كنت فيه فأوحى الله إلى نبي من أنبيائهم أن فلانا أصبح في كتب أهل الجنة وذكر أن شابا في بني إسرائيل لم يكن فيهم شاب أحسن منه كان يبيع المكاتل فبينا هو ذات يوم يطوف بمكاتله إذ خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل فلما رأته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك إني رأيت شابا بالباب يبيع المكاتل لم أر شابا قط أحسن منه قالت أدخليه فخرجت فقالت ادخل فدخل فأغلقت الباب دونه ثم قالت ادخل فدخل فأغلقت بابا آخر دونه ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها فقال لها استتري عافاك الله فقالت إنا لم ندعك لهذا إنما ندعوك لكذا وراودته عن نفسه فقال لها اتقي الله قالت إنك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت تكابرني على نفسي قال لها فضعي لي وضوءا فقالت أعلي تتعلل يا جارية ضعي له وضوءا فوق الجوسق مكانا لا يستطيع أن يفر منه فلما الجزء: 1 ¦ الصفحة: 453 صار في الجوسق قال اللهم إني دعيت إلى معصيتك وإني أختار أن ألقي نفسي من هذا الجوسق ولا أركب معصيتك ثم قال بسم الله وألقى نفسه من أعلاه فأهبط الله ملكا أخذ بضبعيه فوقع قائما على رجليه فلما صار في الأرض قال اللهم إن شئت رزقتني رزقا يغنيني عن بيع هذه المكاتل فأرسل الله عليه رجلا من جراد من ذهب فأخذ منه حتى ملأ ثوبه فلما صار في ثوبه قال اللهم إن كان هذا رزقا رزقتنيه من الدنيا فبارك لي فيه وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي فيه فنودي إن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءا لصبرك على إلقائك نفسك فقال اللهم فلا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الآخرة فرجع الجراد وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن رجل من بعض المياسير قال بينا أنا يوما في منزلي إذ دخل علي خادم لي فقال لي رجل بالباب معه كتاب فقلت أدخله أو خذ كتابه فأخذ الكتاب منه فإذا فيه تجنبك الردى ولقيت خيرا ... وسلمك المليك من الغموم شكون بنات أحشائي إليكم ... وما إن تشتكين إلى ظلوم وسألتني الكتاب إليك فيما ... يخامرها فدتك من الهموم وهن يقلن يا ابن الجود إنا ... برمنا من مراعاة النجوم وعندك لو مننت شفاء سقم ... لأعضاء دمين من الكلوم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 454 قال فلما قرأت الأبيات قلت عاشق فقلت للخادم أدخله فخرج فلم يره فارتبت في أمره فجعل الفكر يتردد في قلبي فدعوت جواري كلهن فجمعتهن فقلت لهن ما قصة هذا الكتاب فحلفن لي وقلن يا سيدنا ما نعرف لهذا الكتاب سببا فمن جاءك به فقلت قد فاتني وما أردت سؤالكن إلا أني ظننت له هوى في بعضكن فمن عرفت منكم أنها صاحبته فهي له فلتذهب إليه ولتأخذ كتابي إليه وكتبت كتابا أشكره على فعله وأسأله عن حاله ووضعت الكتاب في موضع من الدار فمكث الكتاب في موضعه حينا لا يأخذه أحد ولا أرى الرجل فاغتممت غما شديدا ثم قلت لعله بعض فتياننا ثم قلت إن هذا الفتى قد أخبر عن نفسه بالورع وقد قنع ممن يحبه بالنظر فدبرت عليه فحجبت جواري عن الخروج فما كان إلا يوم وبعض الآخر إذ دخل علي الخادم ومعه كتاب قال أرسل به إليك فلان وذكر بعض أصدقائي ففضضته فإذا فيه مكتوب ماذا أردت إلى روح معلقة ... عند التراقي وحادي الموت يحدوها حثثت حاديها ظلما فجد بها ... في السير حتى تولت عن تراقيها حجبت من كان تحيا عند رؤيتها ... روحي ومن كان يشفيني ترائيها فالنفس تجنح نحو الظلم جاهلة ... والقلب مني سليم ما يؤاتيها والله لو قيل لي تأتي بفاحسة ... وإن عقباك دنيانا وما فيها لقلت لا والذي أخشى عقوبته ... ولا بأضعافها ما كنت آتيها لولا الحياء لبحنا بالذي كتمت ... بنت الفؤاد وأبدينا تمنيها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 455 قال فبهت وقلت لا أدري ما أحتال في أمر هذا الرجل وقلت للخادم لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى تدخله علي ثم لم أعرف له خبرا بعد ذلك فبينا أنا أطوف بالكعبة إذا فتى قد أقبل نحوي وجعل يطوف إلى جنبي ويلاحظني وقد صار مثل العود فلما قضيت طوافي خرجت وأتبعني فقال يا هذا أتعرفني قلت لا أنكرك لسوء قال أنا صاحب الكتابين فما تمالكت أن قبلت رأسه وبين عينيه وقلت بأبي أنت وأمي والله لقد شغلت قلبي وأطلت غمي بشدة كتمانك لأمرك فهل لك فيما سألت وطلبت قال بارك الله لك وأقر عينيك إنما أتيتك أستحلك من نظرة كنت نظرتها على غير حكم الكتاب والسنة والهوى داع إلى كل بلاء وأستغفر الله العظيم فقلت يا حبيبي أحب أن تصير معي إلى منزلي فآنس بك وتجري الحرمة بيني وبينك قال ليس إلى ذلك سبيل فقلت غفر الله لك ذنبك وقد وهبتها لك ومعها مائة دينار ولك في كل سنة كذا وكذا قال بارك الله لك فيها فلولا عهود عاهدت الله عليها وأشياء أكدتها علي لم يكن في الدنيا شيء أحب غلي من هذا الذي تعرضه علي ولكن ليس إلى ذلك سبيل والدنيا منقطعة فقلت له فإذا أبيت أن تقبل مني ذلك فأخبرني من هي حتى أكرمها لأجلك ما بقيت فقال ما كنت لأذكرها لأحد ثم قام وتركني وذكر عبد الملك بن قريب قال هوي رجل من النساء جارية فاشتد حبه لها فبعث إليها يخطبها فامتنعت وأجابته إلى غير ذلك فأبى وقال لا إلا ما أحل الله ثم إن محبته ألقيت في قلبها فبذلت له ما سأل فقال لا والله لا حاجة لي بمن دعوتها إلى طاعة الله ودعتني إلى معصيته وحكى المبرد عن شيخه أبي عثمان المازني أنه قصده بعض أهل الذمة ليقرأ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 456 عليه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار فامتنع ورده فقلت له أترد هذا القدر مع شدة فاقتك فقال إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله ولست أرى تمكين هذا الذمي منها غيرة على القرآن فاتفق أن غنت جارية بحضرة الوائق يقول العرجي أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم فاختلف أهل مجلسه في إعراب رجل فمنهم من قال هو نصب وجعله اسم إن ومنهم من رفعه على أنه خبرها والجارية أصرت على النصب وقالت لقنني إياه كذلك شيخي أبو عثمان المازني فأمر الواثق بإحضاره إلى بين يديه قال فلما مثلت بين يديه قال ممن الرجل قلت من بني مازن قال أي الموازن أمازن تميم أم مازن قيس أم مازن ربيعة قلت من مازن ربيعة فكلمني بكلام قومي فقال لي با اسمك وقومي يقلبون الميم باء والباء ميما فكرهت أن أواجهه بلفظة مكر فقلت بكر يا أمير المؤمنين ففطن لما قصدته وأعجب به فقال ما تقول في قول الشاعر أظلوم إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم أترفع رجلا أم تنصبه فقلت الوجه النصب يا أمير المؤمنين فقال ولم ذلك فقلت لأن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم فأخذ البزيدي في معارضتي فقلت هو بمنزلة قولك إن ضربك زيدا ظلم فرجلا مفعول مصابكم ومنصوب به والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم فاستحسنه الواثق وقال هل لك من ولد قلت نعم يا أمير المؤمنين بنية قال فما قالت لك عند مسيرك إلينا قلت أنشدت قول الأعشى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 457 أيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم ترانا إذا أضمرتك البلا ... د بجفى وتقطع منا الرحم قال فما قلت لها قال قلت قول جرير ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح فقال علي النجاح إن شاء الله ثم أمر لي بألف دينار وردني إلى البصرة مكرما فقال أبو العباس المبرد فلما عاد إلى البصرة قال لي كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة دينار فعوضنا الله ألفا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 458 ابن عم لها فأرادها عن نفسها فامتنعت عليه وقالت فما طعم ماء من السحاب مروق ... تحدر من غر طوال الذوائب بمنعرج أو بطن واد تطلعت ... عليه رياح الصيف من كل جانب ترقرق ماء المزن فيهن والتقت ... عليهن أنفاس الرياض الغرائب نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فليس به عيب تراه لشارب بأطيب مما يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء تلك العواقب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 458 الباب الثامن والعشرون: فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام هذا باب إنما يدخل منه رجلان أحدهما من تمكن من قلبه الإيمان بالآخرة وما أعد الله فيها من الثواب والعقاب لمن عصاه فآثر أدنى الفوتين واختار أسهل العقوبتين والثاني رجل غلب عقله على هواه فعلم ما في الفاحشة من المفاسد وما في العدول عنها من المصالح فآثر الأعلى على الأدنى وقد جمع الله سبحانه وتعالى ليوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه بين الأمرين فاختار عقوبة الدنيا بالسجن على ارتكاب الحرام فقالت المرأة ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاختار السجن على الفاحشة ثم تبرأ إلى الله من حوله وقوته وأخبر أن ذلك ليس إلا بمعونة الله له وتوفيقه وتأييده لا من نفسه فقال {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} فلا يركن العبد إلى نفسه وصبره وحاله وعفته ومتى ركن إلى ذلك تخلت عنه عصمة الله وأحاط به الخذلان وقد قال الله تعالى لأكرم الخلق عليه وأحبهم إليه {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} ولهذا كان من دعائه يا مقلب الجزء: 1 ¦ الصفحة: 459 القلوب ثبت قلبي على دينك وكانت أكثر يمينه لا ومقلب القلوب كيف وهو الذي أنزل عليه {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن من آثر الألم العاجل على الوصال الحرام أعقبه ذلك في الدنيا المسرة التامة وإن هلك فالفوز العظيم والله تعالى لا يضيع ما تحمل عبده لأجله وفي بعض الآثار الإلهية يقول الله سبحانه وتعالى بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي وكل من خرج عن شيء منه لله حفظه الله عليه أو أعاضه الله ما هو أجل منه ولهذا لما خرج الشهداء عن نفوسهم لله جعلهم الله أحياء عنده يرزقون وعوضهم عن أبدانهم التي بذلوها له أبدان طير خضر جعل أرواحهم فيها تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ولما تركوا مساكنهم له عوضهم مساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وقال وهب بن منبه كان عابد من عباد بني إسرائيل يتعبد في صومعة فجاء رجل من بني إسرائيل إلى امرأة بغي فبذل لها مالا وقال لعلك أن تفتنيه فجاءته في ليلة مطيرة فنادته فأشرف عليها فقالت آوني إليك فتركها وأقبل على صلاته فقالت يا عبد الله آوني إليك أما ترى الظلمة والمطر فلم تزل به حتى آواها فاضطجعت قريبا منه فجعلت تريه محاسنها حتى دعته نفسه إليها فقال لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النار فتقدم إلى الجزء: 1 ¦ الصفحة: 460 المصباح فوضع إصبعا من أصابعه حتى احترقت ثم عاد إلى صلاته فدعته نفسه إليها فعاود المصباح فوضع إصبعه الأخرى حتى احترقت فلم يزل تدعوه نفسه وهو يعود إلى المصباح حتى احترقت أصابعه جميعا وهي تنظر فصعقت وماتت وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا أمية بن شبل عن عبد الله بن وهب قال لا أعلمه إلا ذكره عن أبيه أن عابدا من بني إسرائيل كان في صومعته يتعبد فإذا نفر من الغواة قالوا لو استنزلناه بشيء فذهبوا إلى امرأة بغي فقالوا لها تعرضى له فجاءته في ليلة مظلمة مطيرة فقالت يا عبد الله آوني إليك وهو قائم يصلي ومصباحه ثاقب فلم يلتفت إليها فقالت يا عبد الله الظلمة والغيث آوني إليك فلم تزل به حتى أدخلها إليه فاضطجعت وهو قائم يصلي فجعلت تتقلب وتريه محاسن خلقها حتى دعته نفسه إليها فقال لا والله حتى أنظر كيف صبرك على النار فدنا إلى المصباح فوضع إصبعا من أصابعه فيه حتى احترقت قال ثم رجع إلى مصلاه قال فدعته نفسه أيضا فعاد إلى المصباح فوضع إصبعه أيضا حتى احترقت أصابعه وهي تنظر إليه فصعقت فماتت فلما أصبحوا غدوا لينظروا ما صنعت فإذا بها ميتة فقالوا يا عدو الله يا مرائي وقعت عليها ثم قتلتها قال فذهبوا به إلى ملكهم فشهدوا عليه فأمر بقتله فقال دعوني حتىأصلي ركعتين قال فصلى ثم دعا فقال أي رب إني أعلم أنك لم تكن لتؤاخذني بما لم أفعل ولكن اسألك أن لا أكون عارا على القرى بعدي قال فرد الله نفسها فقالت أنظروا إلى يده ثم عادت ميتة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 461 وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن إبراهيم قال بينما رجل عابد عند امرأة إذ عمد فضرب بيده على فخذها فأخذ يده فوضعها في النار حتى نشت وقال حصين بن عبد الرحمن بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمر يتفقده إذا غاب فعشقته امرأة من أهل المدينة فذكرت ذلك لبعض نسائها فقالت أنا أحتال لك في إدخاله عليك فقعدت له في الطريق فلما مر بها قالت له إني امرأة كبيرة السن ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها فلو دخلت فحلبتها لي وكانوا أرغب شيء في الخير فدخل فلم ير شاة فقالت اجلس حتى آتيك بها فإذا المرأة قد طلعت عليه فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه فأرادته عن نفسه فأبى وقال اتقي الله أيتها المرأة فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله فلما أبى عليها صاحت عليه فجاءوا فقالت إن هذا دخل علي يريدني عن نفسي فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه فلما صلى عمر الغداة فقده فبينا هو كذلك إذ جاءوا به في وثاق فلما رآه عمر قال اللهم لا تخلف ظني به قال مالكم قالوا استغاثت امرأة بالليل فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه وأوثقناه فقال عمر رضي الله عنه اصدقني فأخبره بالقصة على وجهها فقال له عمر رضي الله عنه أتعرف العجوز فقال نعم إن رايتها عرفتها فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن حتى مرت به العجوز فقال هذه يا أمير المؤمنين فرفع عمر عليها الدرة وقال أصدقيني فقصت عليه القصة كما قصها الفتى فقال عمر الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف الجزء: 1 ¦ الصفحة: 462 وقال أبو الزناد كان راهب يتعبد في صومعته فأشرف منها فرأى امرأة ففتن بها فأخرج رجله من الصومعة لينزل إليها فنزلت عليه العصمة فقال رجل خرجت من الصومعة لتعصي الله والله لا تعود معي في صومعتي فتركها معلقة خارج الصومعة يسقط عليها الثلوج والأمطار حتى تناثرت وسقطت فشكر الله ذلك من صنعه ومدحه في بعض كتبه بذي الرجل وقال مصعب بن عثمان كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجها فدخلت عليه امرأة بيته فسألته نفسه فامتنع عليها فقالت إذن أفضحك فخرج هاربا عن منزله وتركها فيه وقال جابر بن نوح كنت بالمدينة جالسا عند رجل في حاجة فمر بنا شيخ حسن الوجه حسن الثياب فقام إليه ذلك الرجل فسلم عليه وقال يا أبا محمد أسأل الله أن يعظم أجرك وأن يربط على قلبك بالصبر فقال الشيخ وكان يميني في الوغى ومساعدي ... فأصبحت قد خانت يميني ذراعها وقد صرت حيرانا من الثكل باهتا ... أخا كلف ضاقت علي رباعها فقال له الرجل أبشر فإن الصبر معول المؤمن وإني لأرجو أن لا يحرمك الله الأجر على مصيبتك فقلت له من هذا الشيخ فقال رجل منا من الأنصار فقلت وما قصته قال أصيب بابنه وكان به بارا قد كفاه جميع ما يعنيه ومنيته عجب قلت وما كانت قال أحبته امرأة فأرسلت إليه تشكو حبه وتسأله الزياره وكان لها زوج فألحت عليه فأفشى ذلك إلى صديق الجزء: 1 ¦ الصفحة: 463 له فقال له لو بعثت إليها بعض أهلك فوعظتها وزجرتها رجوت أن تكف عنك فأمسك وأرسلت إليه إما أن تزورني وإما أن أزورك فأبى فلما يئست منه ذهبت إلى امرأة كانت تعمل السحر فجعلت لها الرغائب في تهييجه فعملت لها في ذلك فبينا هو ذات ليلة مع أبيه إذ خطر ذكرها بقلبه وهاج منه أمر لم يكن يعرفه واختلط فقام مسرعا فصلى واستعاذ والأمر يشتد فقال يا أبه أدركني بقيد فقال يا بني ما قصتك فحدثه بالقصة فقام وقيده وأدخله بيتا فجعل يضطرب ويخور كما يخور الثور ثم هدأ فإذا هو ميت والدم يسيل من منخره فصل وهذا ليس بعجيب من الرجال ولكنه من النساء أعجب قال أبو إدريس الأودي كان رجلان في بني إسرائيل عابدان وكانت جارية جميلة فأحباها وكتم كل منهما صاحبه واختبأ كل منهما خلف شجرة ينظر إليها فبصر كل منهما سره إلى صاحبه فاتفقا على أن يراوداها فلما قربت منهما قالا لها قد عرفت منزلتنا في بني إسرائيل وإنك إن لم تؤاتينا وإلا قلنا إذا أصبحنا إنا أصبنا معك رجلا وإنه أفلتنا وإنا أخذناك فقالت ما كنت لأطيعكما في معصية الله فأخذاها وقالا إنا أصبنا معها رجلا فأفلتنا وأقبل نبي من أنبيائهم فوضعوا له كرسيا فجلس عليه وقال أقضي بينكم فقالا نعم اقض بيننا ففرق بين الرجلين وقال لأحدهما خلف أي شجرة رأيتها قال شجرة كذا الجزء: 1 ¦ الصفحة: 464 وكذا وقال للآخر فقال شجرة كذا وكذا غير التي ذكر صاحبه ونزلت نار من السماء فأحرقتهما وأفلتت المرأة وقال عبد الله بن المبارك عشق هارون الرشيد جارية من جواريه فأرادها فقالت إن أباك مسني فشغف بها وقال فيها أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس عندي كالعبيد وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضا أحسنت زيدي فسأل أبا يوسف عن ذلك فقال أو كلما قالت جارية شيئا تصدق قال ابن المبارك فلا أدري ممن أعجب من هارون الرشيد حيث رغب فيها أو منها حيث رغبت عنه أو من أبي يوسف حيث سوغ له إنيانها وقال أبو عثمان التيمي مر رجل براهبة من أجمل النساء فافتتن بها فتلطف في الصعود إليها فراودها عن نفسها فأبت عليه وقالت لا تغتر بما ترى وليس وراءه شيء فأبى حتى غلبها على نفسها وكان إلى جانبها مجمرة فوضعت يدها فيها حتى احترقت فقال لها بعد أن قضى حاجته منها ما دعاك إلى ما صنعت قالت إنك لما قهرتني على نفسي خفت أن أشاركك في اللذة فأشاركك في المعصية ففعلت ما رأيت فقال الرجل والله لا أعصي الله أبدا وتاب مما كان عليه وذكر الحسين بن محمد الدامغاني أن بعض الملوك خرج يتصيد وانفرد عن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 465 أصحابه فمر بقرية فرأى امرأة جميلة فراودها عن نفسها فقالت إني غير طاهر فأتطهر وآتيك فدخلت بيتها وخرجت إليه بكتاب فقالت انظر في هذا حتى آتيك فنظر فيه فإذا فيه ما أعد الله للزاني من العقوبة فتركها وذهب فلما جاء زوجها أخبرته الخبر فكره أن يقربها مخافة أن يكون للملك فيها حاجة فاعتزلها فاستعدى عليه أهل الزوجة إلى الملك وقالوا إن لنا أرضا في يد الرجل فلا هو يعمرها ولا هو يردها علينا وقد عطلها فقال الملك ما تقول فقال إني رأيت في هذه الأرض أسدا وأنا أتخوف دخولها منه ففهم الملك القصة فقال اعمر أرضك فإن الأسد لا يدخلها ونعم الأرض أرضك وكانت بعض النساء المتعبدات وقعت في نفس رجل موسر وكانت جميلة وكانت تخطب فتأبى فبلغ الرجل أنها تريد الحج فاشترى ثلاثمائة بعير ونادى من أراد الحج فليكتر من فلان فاكترت منه المرأة فلما كان في بعض الطريق جاءها فقال إما أن تزوجيني نفسك وإما غير ذلك فقالت ويحك اتق الله فقال ما هو إلا ما تسمعين والله ما أنا بجمال ولا خرجت إلا من أجلك فلما خافت على نفسها قالت ويحك انظر أبقي في الرجال عين لم تنم فقال لا ناموا كلهم قالت أفنامت عين رب العالمين ثم شهقت شهقة خرت ميتة وخر الرجل مغشيا عليه فلما أفاق قال ويحي قتلت نفسا ولم أبلغ شهوتي وقال وهب بن منبه كان في بني إسرائيل رجل متعبد شديد الاجتهاد فرأى يوما امرأة فوقعت في نفسه بأول نظرة فقام مسرعا حتى لحقها فقال رويدك يا هذه فوقفت وعرفته فقالت ما حاجتك قال أذات زوج أنت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 466 الباب الثامن والعشرون: فيمن آثر عاجل العقوبة والآلام على لذة الوصال الحرام ... قالت نعم فما تريد قال لو كان غير هذا لكان لنا رأي قالت على ذلك وما هو قال عرض بقلبي من أمرك عارض قالت وما يمنعك من إنقاذه قال وتتابعيني على ذلك قالت نعم فحلت به في موضع فلما رأته مجدا في الذي سأل قالت رويدك يا مسكين لا يسقط جاهك عنده فانتبه لها وذهب عنه ما كان يجد فقال لا حرمك الله ثواب فعلك ثم تنحى ناحية فقال لنفسه اختاري إما عمى العين وإما الجب وإما السياحة مع الوحوش فاختارت السياحة مع الوحوش فكان كذلك إلى أن مات وأحب رجل جارية من العرب وكانت ذات عقل وأدب فما زال يحتال في أمرها حتى اجتمع معها في ليلة مظلمة شديدة السواد فحادثها ساعة ثم دعته نفسه إليها فقال يا هذه قد طال شوقي إليك قالت وأنا كذلك فقال هذا الليل قد ذهب والصبح قد اقترب قالت هكذا تفنى الشهوات وتنقطع اللذات فقال لها لو دنوت مني فقالت هيهات أخاف البعد من الله قال فما الذي دعاك إلى الحضور معي قالت شقوتي وبلائي قال لها فمتى أراك قالت ما أنساك وأما الاجتماع معك فما أراه يكون ثم تولت قال فاستحييت مما سمعت منها وأنشد توقت عذابا لا يطاق انتقامه ... ولم تأت ما تخشى به أن تعذبا وقالت مقالا كدت من شدة الحيا ... أهيم على وجهي حيا وتعجبا ألا أف للحب الذي يورث العمى ... ويورد نارا لا تمل التلهبا فأقبل عودي فوق بدئي مفكرا ... وقد زال عن قلبي العمى فتسربا وقال ابن خلف أخبرني أبو بكر العامري قال عشقت عاتكة المرية الجزء: 1 ¦ الصفحة: 457 الباب التاسع والعشرون: في ذم الهوى وما في مخالفته من نيل المنى وقد تقدم ذكر الآيات في ذلك وبعض ما ورد في السنة الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه وهذا الميل خلق في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم والمشرب والمنكح ما أكل ولا شرب ولا نكح فالهوى مستحث لها لما يريده كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذيه فلا ينبغي ذم الهوى مطلقا ولا مدحه مطلقا كما أن الغضب لا يذم مطلقا ولا يحمد مطلقا وإنما يذم المفرط من النوعين وهو ما زاد على جلب المنافع ودفع المضار ولما كان الغالب من مطيع هواه وشهوته وغضبه أنه لا يقف فيه على حد المنتفع به أطلق ذم الهوى والشهوة والغضب لعموم غلبة الضرر لأنه يندر من يقصد العدل في ذلك ويقف عنده كما أنه يندر في الأمزجة المزاج المعتدل من كل وجه بل لا بد من غلبة أحد الأخلاط والكيفيات عليه فحرص الناصح على تعديل قوى الشهوة والغضب من كل وجه وهذا أمر يتعذر وجوده إلا في حق أفراد من العالم فلذلك لم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه وكذلك في السنة لم يجئ إلا مذموما إلا ما جاء منه مقيدا كقوله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به وقد قيل الهوى كمين لا يؤمن قال الشعبي وسمي هوى لأنه يهوي بصاحبه ومطلقه يدعو الجزء: 1 ¦ الصفحة: 469 إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في العاقبة ويحث على نيل الشهوات عاجلا وإن كانت سببا لأعظم الآلام عاجلا وآجلا فللدنيا عاقبة قبل عاقبة الآخرة والهوى يعمي صاحبه من ملاحظتها والمروءة والدين والعقل ينهى عن لذة تعقب ألما وشهوة تورث ندما فكل منها يقول للنفس إذا أرادت ذلك لا تفعلي والطاعة لمن غلب ألا ترى أن الطفل يؤثر ما يهوى وإن أداه إلى التلف لضعف ناهي العقل عنده ومن لا دين له يؤثر ما يهواه وإن أداه إلى هلاكه في الآخرة لضعف ناهي الدين ومن لا مروءة له يؤثر ما يهواه وإن ثلم مروءته أو عدمها لضعف ناهي المروءة فأين هذا من قول الشافعي رحمه الله تعالى لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته ولما امتحن المكلف بالهوى من بين سائر البهائم وكان كل وقت تحدث عليه حوادث جعل فيه حاكمان حاكم العقل وحاكم الدين وأمر أن يرفع حوادث الهوى دائما إلى هذين الحاكمين وأن ينقاد لحكمهما وينبغي أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليتمرن بذلك على ترك ما تؤذي عواقبه وليعلم اللبيب أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنها قد صارت عندهم بمنزلة العيش الذي لا بد لهم منه ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ به عشر معشار التذاذ من يفعله نادرا في الأحيان غير أن العادة مقتضية ذلك فيلقي نفسه في المهالك لنيل ما تطالبه به العادة ولو زال عنه رين الهوى لعلم أنه قد شقي من حيث قدر السعادة واغتم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد اللذة فهو كالطائر المخدوع الجزء: 1 ¦ الصفحة: 470 بحبة القمح لا هو نال الحبة ولا هو تخلص مما وقع فيه فإن قيل فكيف يتخلص من هذا من قد وقع فيه قيل يمكنه التخلص بعون الله وتوفيقه له بأمور أحدها عزيمة حر يغار لنفسه وعليها الثاني جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة الثالث قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة والشجاعة كلها صبر ساعة وخير عيش أدركه العبد بصبره الرابع ملاحظته حسن موقع العاقبة والشفاء بتلك الجرعة الخامس ملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه السادس إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى وفي قلوب عباده وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى السابع إيثاره لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية الثامن فرحه بغلبة عدوه وقهره له ورده خاسئا بغيظه وغمه وهمه حيث لم ينل منه أمنيته والله تعالى يحب من عبده أن يراغم عدوه ويغيظه كما قال الله تعالى في كتابه العزيز ولا يطؤن موطئا يغبط الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح وقال {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} وقال تعالى {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 471 مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} أي مكانا يراغم فيه أعداء الله وعلامة المحبة الصادقة مغايظة أعداء المحبوب ومراغمتهم التاسع التفكر في أنه لم يخلق للهوى وإنما هيء لأمر عظيم لا يناله إلا بمعصيت للهوى كما قيل قد هيأوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل العاشر أن لا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالا منه فإن الحيوان يميز بطبعه بين مواقع ما يضره وما ينفعه فيؤثر النافع على الضار والإنسان أعطي العقل لهذا المعنى فإذا لم يميز به بين ما يضره وما ينفعه أو عرف ذلك وآثر ما يضره كان حال الحيوان البهيم أحسن منه ويدل على ذلك أن البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح مالا يناله الإنسان مع عيش هنيء خال عن الفكر والهم ولهذا تساق إلى منحرها وهي منهمكة على شهواتها لفقدان العلم بالعواقب والآدمي لا يناله ما يناله الحيوان لقوة الفكر الشاغل وضعف الآلة المستعملة وغير ذلك فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس منه حق الآدمي الذي هو خلاصة العالم ووفر منه حظ البهائم وفي توفير حظ الآدمي من العقل والعلم والمعرفة عوض عن ذلك الحادي عشر أن يسير بقلبه في عواقب الهوى فيتأمل كما أفاتت معصيته الجزء: 1 ¦ الصفحة: 472 من فضيلة وكم أوقعت في رذيلة وكم أكلة منعت أكلات وكم من لذة فوتت لذات وكم من شهوة كسرت جاها ونكست رأسا وقبحت ذكرا وأورثت ذما وأعقبت ذلا وألزمت عارا لا يغسله الماء غير أن عين صاحب الهوى عمياء الثاني عشر أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه ثم يتصور حاله بعد قضاء الوطر وما فاته وما حصل له فأفضل الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يميز لما تجني عواقبه الثالث عشر أن يتصور ذلك في حق غيره حق التصور ثم ينزل نفسه تلك المنزلة فحكم الشيء حكم نظيره الرابع عشر أن يتفكر فيما تطالبه به نفسه من ذلك ويسأل عنه عقله ودينه يخبرانه بأنه ليس بشيء قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا أعجب أحدكم امرأة فليذكر مناتنها وهذا أحسن من قول أحمد بن الحسين لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه لأن ابن مسعود رضي الله عنه ذكر الحال الحاضرة الملازمة والشاعر حال على أمر متأخر الخامس عشر أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى فإنه ما أطاع أحد هواه قط إلا وجد في نفسه ذلا ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم فهم أذل الناس بواطن قد أجمعوا بين فصيلتي الكبر والذل السادس عشر أن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه ونيل الجزء: 1 ¦ الصفحة: 473 اللذة المطلوبة فإنه لا يحد بينهما نسبة البتة فليعلم أنه من أسفه الناس ببيعه هذا بهذا السابع عشر أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه فإن الشيطان إذا رأى من العبد ضعف عزيمة وهمة وميلا إلى هواه طمع فيه وصرعه وألجمه بلجام الهوى وساقه حيث أراد ومتى أحس منه بقوة عزم وشرف نفس وعلو همة لم يطمع فيه إلا اختلاسا وسرقة الثامن عشر أن يعلم أن الهوى ما خالط شيئا إلا أفسده فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة والضلالة وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء وإن وقع في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة وإن وقع في الحكم أخرج صاحبه إلى الظلم وصده عن الحق وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل إلى قسمة الجور وإن وقع في الولاية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله والمسلمين حيث يولي بهواه ويعزل بهواه وإن وقع في العبادة خرجت عن أن تكون طاعة وقربة فما قارن شيئا إلا أفسده التاسع عشر أن يعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم إلا من باب هواه فإنه يطيف به من أين يدخل عليه حتى يفسد عليه قلبه وأعماله فلا يجد مدخلا إلا من باب الهوى فيسري معه سريان السم في الأعضاء العشرون أن الله سبحانه وتعالى جعل الهوى مضادا لما أنزله على رسوله وجعل اتباعه مقابلا لمتابعة رسله وقسم الناس إلى قسمين أتباع الوحي وأتباع الهوى وهذا كثير في القرآن كقوله تعالى {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} الجزء: 1 ¦ الصفحة: 474 وقوله تعالى {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} ونظائره الحادي والعشرون أن الله سبحانه وتعالى شبه أتباع الهوى بأخس الحيوانات صورة ومعنى فشبههم بالكلب تارة كقوله تعالى {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} وبالحمر تارة كقوله تعالى {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} وقلب صورهم إلى صورة القردة والخنازير تارة الثاني والعشرون أن متبع الهوى ليس أهلا أن يطاع ولا يكون إماما ولا متبوعا فإن الله سبحانه وتعالى عزله عن الإمامة ونهى عن طاعته أما عزله فإن الله سبحانه وتعالى قال لخليله إبراهيم {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي لا ينال عهدي بالإمامة ظالما وكل من اتبع هواه فهو ظالم كما قال الله تعالى {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وأما النهي عن طاعته فلقوله تعالى {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} الثالث والعشرون أن الله سبحانه وتعالى جعل متبع الهوى بمنزلة الجزء: 1 ¦ الصفحة: 475 عابد الوثن فقال تعالى {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} في موضعين من كتابه قال الحسن هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه وقال أيضا المنافق عبد هواه لا يهوى شيئا إلا فعله الرابع والعشرون أن الهوى هو حظار جهنم المحيط بها حولها فمن وقع فيه وقع فيها كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وفي الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه "لما خلق الله الجنة أرسل إليها جبريل فقال انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فرجع إليه وقال وعزتك لا يسمع بها أحد من عبادك إلا دخلها فأمر بها فحجبت بالمكاره وقال ارجع إليها فانظر إليها فرجع فإذا هي قد حجبت بالمكاره فقال وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد قال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات فقال ارجع فانظر إليها فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات فرجع إليه فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح الخامس والعشرون أنه يخاف على من اتبع الهوى أن ينسلخ من الجزء: 1 ¦ الصفحة: 476 الإيمان وهو لا يشعر وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" وصح عنه أنه قال: "أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى" السادس والعشرون أن اتباع الهوى من المهلكات قال ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات فتقوى الله عز وجل في السر والعلانية والقول بالحق في الرضا والسخط والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه السابع والعشرون أن مخالفة الهوى تورث العبد قوة في بدنه وقلبه ولسانه قال بعض السلف الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده وفي الحديث الصحيح المرفوع "ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" وكلما تمرن على مخالفة هواه اكتسب قوة إلى قوته الثامن والعشرون أن أغزر الناس مروءة أشدهم مخالفة لهواه قال معاوية المروءة ترك الشهوات وعصيان الهوى فاتباع الهوى يزمن الجزء: 1 ¦ الصفحة: 477 المروءة ومخالفته تنعشها التاسع والعشرون أنه ما من يوم إلا والهوى والعقل يعتلجان في صاحبه فأيها قوي على صاحبه طرده وتحكم وكان الحكم له قال أبو الدرداء إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان هواه تبعا لعمله فيومه يوم صالح الثلاثون أن الله سبحانه وتعالى جعل الخطأ واتباع الهوى قرينين وجعل الصواب ومخالفة الهوى قرينين كما قال بعض السلف إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيها أرشد فخالف أقربهما من هواك فإن أقرب ما يكون الخطأ في متابعة الهوى الحادي والثلاثون أن الهوى داء ودواؤه مخالفته قال بعض العارفين إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك داؤك هواك ودواؤك ترك هواك ومخالفته وقال بشر الحافي رحمه الله تعالى البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه الثاني والثلاثون أن جهاد الهوى إن لم يكن أعظم من جهاد الكفار فليس بدونه قال رجل للحسن البصري رحمه الله تعالى يا أبا سعيد أي الجهاد أفضل قال جهادك هواك وسمعت شيخنا يقول جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولا حتى يخرج إليهم الجزء: 1 ¦ الصفحة: 478 الثالث والثلاثون أن الهوى تخليط ومخالفته حمية ويخاف على من أفرط في التخليط وجانب الحمية أن يصرعه داؤه قال عبد الملك بن قريب مررت بأعرابي به رمد شديد ودموعه تسيل على خديه فقلت ألا تمسح عينيك قال نهاني الطبيب عن ذلك ولا خير فيمن إذا زجر لا ينزجر وإذا أمر لا يأتمر فقلت ألا تشتهي شيئا فقال بلى ولكني أحتمي إن أهل النار غلبت شهوتهم حميتهم فهلكوا الرابع والثلاثون أن اتباع الهوى يغلق عن العبد أبواب التوفيق ويفتح عليه أبواب الخذلان فتراه يلهج بأن الله لو وفق لكان كذا وكذا وقد سد على نفسه طرق التوفيق باتباعه هواه قال الفضيل ابن عياض من استحوذ عليه الهوى واتباع الشهوات انقطعت عنه موارد التوفيق وقال بعض العلماء الكفر في أربعة أشياء في الغضب والشهوة والرغبة والرهبة ثم قال رأيت منهن اثنتين رجلا غضب فقتل أمه ورجلا عشق فتنصر وكان بعض السلف يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال أهوى هوى الدين واللذات تعجبني ... فكيف لي بهوى اللذات والدين فقالت دع أحدهما تنل الآخر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 479 الخامس والثلاثون أن من نصر هواه فسد عليه عقله ورأيه لأنه قد خان الله في عقله فأفسده عليه وهذا شأنه سبحانه وتعالى في كل من خانه في أمر من الأمور فإنه يفسده عليه وقال المعتصم يوما لبعض أصحابه يا فلان إذا نصر الهوى ذهب الرأي وسمعت رجلا يقول لشيخنا إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد أو قال نسيه فقال الشيخ هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم السادس والثلاثون أن من فسح لنفسه في اتباع الهوى ضيق عليها في قبره ويوم معاده ومن ضيق عليها بمخالفة الهوى وسع عليها في قبره ومعاده وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله تعالى {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً} فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق جازاهم على ذلك نعومة الحرير وسعة الجنة وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى في هذه الآية جزاهم بما صبروا عن الشهوات السابع والثلاثون أن اتباع الهوى يصرع العبد عن النهوض يوم القيامة عن السعي مع الناجين كما صرع قلبه في الدنيا عن مرافقتهم قال محمد بن أبي الورد إن لله عز وجل يوما لا ينجو من شره منقاد لهواه وإن أبطأ الصرعى نهضة يوم القيامة صريع شهوته وإن العقول لما جرت في ميادين الطلب كان أوفرها حظا من يطالبها بقدر ما صحبه من الصبر والعقل معدن والفكر معول الثامن والثلاثون أن اتباع الهوى يحل العزائم ويوهنها ومخالفته تشدها الجزء: 1 ¦ الصفحة: 480 وتقويها والعزائم هي مركب العبد الذي يسيره إلى الله والدار الآخرة فمتى تعطل المركوب أوشك أن ينقطع المسافر قيل ليحيى بن معاذ من أصح الناس عزما قال الغالب لهواه ودخل خلف بن خليفة على سليمان بن حبيب بن المهلب وعنده جارية يقال لها البدر من أحسن الناس وجها فقال له سليمان كيف ترى هذه الجارية فقال أصلح الله الأمير ما رأت عيناي أحسن منها قط فقال له خذ بيدها فقال ما كنت لأفجع الأمير بها وقد رأيت شدة عجبه بها فقال ويحك خذها على شدة عجبي بها ليعلم هواي أني له غالب وأخذ بيدها وخرج وهو يقول لقد حباني وأعطاني وفضلني ... عن غير مسألة منه سليمان أعطاني البدر خودا في محاسنها ... والبدر لم يعطه إنس ولا جان ولست يوما بناس فضله أبدا ... حتى يغيبني لحد وأكفان التاسع والثلاثون أن مثل راكب الهوى كمثل راكب فرس حديد صعب جموح لا لجام له فيوشك أن يصرعه فرسه في خلال جريه به أو يسير به إلى مهلك قال بعض العارفين أسرع المطايا إلى الجنة الزهد في الدنيا وأسرع المطايا إلى النار حب الشهوات ومن استوى على متن هواه أسرع به إلى وادي الهلكات وقال آخر أشرف العلماء من هرب بدينه من الدنيا واستصعب قياده على الهوى وقال عطاء من غلب هواه عقله وجزعه صبره افتضح الأربعون أن التوحيد واتباع الهوى متضادان فإن الهوى صنم ولكل عبد صنم في قلبه بحسب هواه وإنما بعث الله رسله بكسر الأصنام وعبادته وحده لا شريك له وليس مراد الله سبحانه كسر الأصنام المجسدة وترك الجزء: 1 ¦ الصفحة: 481 الأصنام التي في القلب بل المراد كسرها من القلب أولا قال الحسن بن علي المطوعي صنم كل إنسان هواه فمن كسره بالمخالفة استحق اسم الفتوة وتأمل قول الخليل لقومه {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} كيف تجده مطابقا للتمائيل التي يهواها القلب ويعكف عليها ويعبدها من دون الله قال الله تعالى {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} الحادي والأربعون أن مخالفة الهوى مطردة للداء عن القلب والبدن ومتابعته مجلبة لداء القلب والبدن فأمراض القلب كلها من متابعة الهوى ولو فتشت على أمراض البدن لرأيت غالبها من إيثار الهوى على ما ينبغي تركه الثاني والأربعون أن أصل العداوة والشر والحسد الواقع بين الناس من اتباع الهوى فمن خالف هواه أراح قلبه وبدنه وجوارحه فاستراح وأراح قال أبو بكر الوراق إذا غلب الهوى أظلم القلب وإذا أظلم ضاق الصدر وإذا ضاق الصدر ساء الخلق وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق وأبغضهم فانظر ماذا يتولد من التباغض من الشر والعداوة وترك الحقوق وغيرها الثالث والأربعون أن الله سبحانه وتعالى جعل في العبد هوى وعقلا فأيهما ظهر توارى الآخر كما قال أبو علي الثقفي من غلبه هواه توارى عنه عقله فانظر عاقبة من استتر عنه عقله وظهر عليه خلافه وقال علي بن سهل رحمه الله العقل والهوى يتنازعان فالتوفيق قرين العقل والخذلان قرين الهوى والنفس واقفة بينهما فأيهما غلب كانت النفس معه الجزء: 1 ¦ الصفحة: 482 الرابع والأربعون أن الله سبحانه وتعالى جعل القلب ملك الجوارح ومعدن معرفته ومحبته وعبوديته وامتحنه بسلطانين وجيشين وعونين وعدتين فالحق والزهد والهدى سلطان وأعوانه الملائكة وجيشه الصدق والإخلاص ومجانبة الهوى والباطل سلطان وأعوانه الشياطين وجنده وعدته اتباع الهوى والنفس واقفة بين الجيشين ولا يقدم جيش الباطل على القلب إلا من ثغرتها وناحيتها فهي تخامر على القلب وتصير مع عدوه عليه فتكون الدائرة عليه فهي التي تعطي عدوها عدة من قبلها وتفتح له باب المدينة فيدخل ويتملك ويقع الخذلان على القلب الخامس والأربعون أن أعدى عدو للمرء شيطانه وهواه وأصدق صديق له عقله والملك الناصح له فإذا اتبع هواه أعطي بيده لعدوه واستأسر له وأشمته به وساء صديقه ووليه وهذا هو بعينه هو جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء السادس والأربعون أن لكل عبد بداية ونهاية فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه بل يصير له ذلك في نهايته عذابا يعذب به في قلبه كما قال القائل مآرب كانت في الشباب لأهلها ... عذابا فصارت في المشيب عذابا فلو تأملت حال كل ذي حال سيئة زرية لرأيت بدايته الذهاب مع هواه وإيثاره على عقله ومن كانت بدايته مخالفة هواه وطاعة داعي رشده كانت نهايته العز والشرف والغنى والجاه عند الله وعند الناس قال أبو علي الدقاق من ملك شهوته في حال شبيبته أعزه الله تعالى في حال كهولته الجزء: 1 ¦ الصفحة: 483 وقيل للمهلب بن أبي صفرة بم نلت ما نلت قال بطاعة الحزم وعصيان الهوى فهذا في بداية الدنيا ونهايتها وأما الآخرة فقد جعل الله سبحانه الجنة نهاية من خالف هواه والنار نهاية من اتبع هواه السابع والأربعون أن الهوى رق في القلب وغل في العنق وقيد في الرجل ومتابعه أسير لكل سيء الملكة فمن خالفه عتق من رقه وصار حرا وخلع الغل من عنقه والقيد من رجله وصار بمنزلة رجل سالم لرجل بعد أن كان رجلا فيه شركاء متشاكسون رب مستور سبته شهوة ... فتعرى ستره فانهتكا صاحب الشهوة عبد فإذا ... غلب الشهوة أضحى ملكا وقال ابن المبارك ومن البلاء وللبلاء علامة ... أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع تارة ويجوع الثامن والأربعون أن مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبره فيقضي له من الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته من هواه فهو كمن رغب عن بعرة فأعطي عوضها درة ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة والعيش الهنيء مالا نسبة لما ظفر به من هواه البتة فتأمل انبساط يد يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام ولسانه وقدمه ونفسه بعد خروجه من السجن لما قبض نفسه عن الحرام وقال عبد الرحمن بن مهدي رأيت سفيان الثوري رحمه الله تعالى في المنام فقلت له ما فعل الله بك قال لم يكن إلا أن وضعت في لحدي حتى وقفت الجزء: 1 ¦ الصفحة: 484 بين يدي الله تبارك وتعالى فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها لا أسمع حسا ولا حركة إذ سمعت قائلا يقول سفيان بن سعيد فقلت سفيان بن سعيد فقال تحفظ أنك آثرت الله عز وجل على هواك يوما قلت إي والله فأخذني النثار من كل جانب وقال عبد الرزاق بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة وقال إن رأتم سفيان فاصلبوه فجاءوا ونصبوا الخشب وطلب ورأسه في حجر الفضيل فقال له أصحابه اتق الله عز وجل ولا تشمت بنا الأعداء فتقدم إلى الأستار ثم أخذها بيده وقال برئت منه إن دخلها أبو جعفر فمات قبل أن يدخل مكة فتأمل عاقبة مخالفة الهوى كيف أقامه في هذا المقام التاسع والأربعون أن مخالفة الهوى توجب شرف الدنيا وشرف الآخرة وعز الظاهر وعز الباطن ومتابعته تضع العبد في الدنيا والآخرة وتذله في الظاهر وفي الباطن وإذا جمع الله الناس في صعيد واحد نادى مناد ليعلمن أهل الجمع من أهل الكرم اليوم ألا ليقم المتقون فيقومون إلى محل الكرامة وأتباع الهوى ناكسو رؤسهم في الموقف في حر الهوى وعرقه وألمه وأولئك في ظل العرش الخمسون أنك إذا تأملت السبعة الذين يظلهم الله عز وجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وجدتهم إنما نالوا ذلك الظل بمخالفة الهوى فإن الإمام المسلط القادر لا يتمكن من العدل إلا بمخالفة هواه والشاب المؤثر الجزء: 1 ¦ الصفحة: 485 لعبادة الله على داعي شبابه لولا مخالفة هواه لم يقدر على ذلك والرجل الذي قلبه معلق بالمساجد إنما حمله على ذلك مخالفة الهوى الداعي له إلى أماكن اللذات والمتصدق المخفي لصدقته عن شماله لولا قهره لهواه لم يقدر على ذلك والذي دعته المرأة الجميلة الشريفة فخاف الله عز وجل وخالف هواه والذي ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه من خشيته إنما أوصله إلى ذلك مخالفة هواه فلم يكن لحر الموقف وعرقه وشدته سبيل عليهم يوم القيامة وأصحاب الهوى قد بلغ منهم الحر والعرق كل مبلغ وهم ينتظرون بعد هذا دخول سجن الهوى فالله سبحانه وتعالى المسؤول أن يعيذنا من أهواء نفوسنا الأمارة بالسوء وأن يجعل هوانا تبعا لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير تم الكتاب والحمد لله الجزء: 1 ¦ الصفحة: 486